توقع الدكتور ألكسندر فون بوك، مدير الاستشارات المالية في مؤسسة إيه تي كيرني، أن تكون الخدمات التجارية هي المحرك الرئيس للقطاع المصرفي في الدولة، وذلك بسبب تزايد الضغوط على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد مع استمرار المنافسة القوية على حصة أكبر من الأرباح في كلا القطاعين، خصوصاً في ظل هجرة المزيد من أصحاب الثروات المتوسطة والكبيرة إلى الدولة. مشيراً إلى أنه على الرغم من أن النمو في قروض وودائع البنوك لم يتجاوز 4% العام الماضي، إلا أنها تبقى أفضل من نسب نمو الأصول في العديد من المصارف الأوروبية مثلاً، متوقعاً استمرار الأداء الإيجابي لبنوك الدولة وإن بنسب أرباح متواضعة هذا العام.

وأشار فون بوك في تصريحات لـ"البيان الاقتصادي" إلى أن الفائز سيكون البنك القادر على الموازنة بين طموحات النمو وضغوطات خفض التكلفة من خلال اتخاذ القرارات الصائبة والاستثمار في فرص النمو وتحديد ومعالجة مشكلات الأداء، مضيفاً أن الإمارات كانت الأولى من بين دول الخليج في تحسين الإنتاجية العام الماضي.

وألقى فون بوك الضوء على أهم الملامح التي من المرجح أنها ستحدد خارطة طريق الخدمات المصرفية للأفراد في المنطقة والعالم، وذلك من خلال دراسة حديثة لـ"أي تي كيرني"، المتخصصة في الأبحاث واستشارات سوق المصارف في دول الخليج، أشارت فيها إلى تأثير رئيسي لكل من تغير خارطة المنافسة بين البنوك مع تنامي أهمية العامل الديموغرافي في المنطقة وجيل «فيسبوك»، ودخول لاعبين جدد على ساحة الخدمات المالية من خلال شهرتهم كمواقع إلكترونية، ورجحت الدراسة أن يكون لانتشار تقنيات المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة على ثلاثة نشاطات رئيسية في بنوك المنطقة على المدى المتوسط والطويل، هي إدارة التواصل مع العميل وطرق الدفع، بالإضافة إلى توظيف الكم الهائل الذي سيكون متاحاً أمام البنوك.

المواقع الإلكترونية كنقاط للبيع

وقال فون بوك إن الهدف من الدراسة هو تحليل التحديات المستقبلية لنشاط الخدمات المالية للأفراد في البنوك بسبب تغير توقعات المستهلكين والابتكارات التقنية، وطبيعة المنافسة وازدياد أهمية المواقع الإلكترونية كنقاط للبيع، بعد أن كانت مجرد مواقع للخدمة، وأضاف: توفر نتائج هذه الدراسة سيناريوهات محتملة لهذا النشاط على المدى المتوسط والطويل مع توصيات حول كيفية مواجهة تلك التحديات، وقد قامت المؤسسة بإصدارها بالتعاون مع مركز بحوث المال وإدارة المعلومات في جامعة أوغزبورغ الألمانية، وهناك بعض الاختلاف في مدى تطور الخدمات المصرفية الرقمية بين المنطقة وأوروبا فمثلاً الصيرفة متعددة القنوات موجودة في أوروبا منذ عشر سنوات، ولكن عوامل تغير الخدمات المصرفية هي ذاتها في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط.

وحول الأفق المتغير للمنافسة قال: كانت البنوك تهتم بشكل رئيسي بالأمور المتعلقة بالضوابط وإجراءات العمل اليومي وخفض التكلفة وبدرجة أقل خدمة العملاء. واليوم نجد أن التغير في العوامل الديموغرافية وكذلك في سلوك العملاء بالإضافة إلى الابتكارات المالية التقنية الجديدة فتح الأبواب على مصراعيها أمام منافسين جدد، خصوصاً من شركات التقنية ومزودي الاتصالات، التي تعمل على نطاق عالمي ولا يحد نشاطها أي حدود، ولذلك فمن الأهمية بمكان تحديد الجوانب الأكثر عرضة للمنافسة وتحديد المنافسين الجدد وإيجاد طرق لمواجهة هذه المنافسة.

أهمية التقنيات الإلكترونية

وبشأن أهمية التقنيات الإلكترونية الحديثة في الخدمات المصرفية للأفراد قال فون بوك: نتوقع أن يعتمد نمو الخدمات المصرفية للأفراد إلى حد كبير في المستقبل على الانتشار الواسع للتقنيات ووسائل الاتصال الحديثة، وعلى الرغم من الاستفادة حالياً من التقنية في تخفيض كلفة العمليات الخلفية وإجراءات التحويل إلا أن هناك فرصاً أكبر للاستفادة في العمليات الأمامية وعرض المنتج وإدارة علاقات العملاء، فمثلاً، أجهزة الصراف الآلي والصيرفة عبر الإنترنت هي أحدث التطورات التقنية في المصارف، إلا أن هذه الأدوات احتاجت إلى عقود لكي تصبح معقولة الاستخدام بالنسبة للمستهلك، فبلغ عدد أجهزة الصراف الآلي 50 مليوناً في غضون 18 عاماً، في حين أن شبكة الإنترنت تجاوزت هذا العقبة في سبع سنوات فقط، أما الصيرفة من خلال الأجهزة اللوحية والهاتف فتمت خلال سنة واحدة فقط، وفي هذا الإطار فإننا نعتقد أن دور التقنية سيكون مرتبطاً بمدى معرفة تفكير واحتياجات العميل والتعامل المالي وبيع منتجات حسب الطلب. وبذلك سيلحق القطاع المصرفي بركب قطاعات أخرى من حيث توظيف التقنيات كقطاع التجزئة مثلاً في تحليل سلوك العميل على سبيل المثال، وهذا السلوك أيضاً يتأثر إلى حد كبير بدوره بالتوجهات التقنية، التي سيكون لها تأثير في رسم طبيعة التفاعل بين الشركات وبين العملاء وبين الاثنين معاً.

الخدمات الأكثر عرضة للمنافسة

وحول جوانب الخدمات المصرفية للأفراد التي ستكون الأكثر عرضة للمنافسة قال فون بوك: نعتقد أن المنافسة ستتركز على نشاطات محددة أكثر من التحول إلى بنك جديد بخدمات متكاملة. والجوانب الرئيسية هي إدارة الخدمات المالية الشخصية التي لا تحتاج ذهاب العميل إلى فرع، وخدمات الاستثمار والادخار، حيث سيتمكن العميل من خلال الإنترنت من تخصيص محفظته الاستثمارية بنفسه، ويقارن بين الاستراتيجيات، بل وينافس مستثمرين آخرين كذلك. كما سيتم طرح حلول دفع جديدة، والتمويل الشخصي وحتى الشركات من خلال مزودين يوفرون الشفافية ويطابقون المشاريع المتوفرة مع الدائنين والمدينين، مثل شركات بروسبر وكاشاري وريزكابيتال وكيك ستارتر وغيرها، وأخيراً سيتم تزايد استخدام العملة الإلكترونية التي ستزداد أهميتها في العقد المقبل، وخصوصاً من خلال المواقع الاجتماعية التي ستكون أسواق الغد الافتراضية، فمثلاً إذا قام مستخدمو الفيسبوك وعددهم حوالي 700 مليون تقريباً بتداول عملاتهم بأنفسهم، فلن تقل تلك العملة أهمية عن الدولار أو اليورو أو الين، ونحن نعلم أن العملة تصبح واقعاً عندما تصبح ذات صلة بحياتهم، واليوم نرى فعلاً فيسبوك كريديت، وتطبيقات جوجل للدفع وبيتكوين وباي أوف دوت كوم وغيرها.

مخاوف التعامل المالي إلكترونياً

وبشأن احتمالات تزايد المخاوف المتعلقة بأمن التعامل المالي إلكترونياً وخصوصية المعلومات خصوصاً مع تزايد عدد حوادث الاختراق أو الهاكرز قال فون بوك: الدفع الإلكتروني بشكل عام آمن جداً. وعالمياً يصل عدد التعاملات المالية عبر الإنترنت إلى مئات الملايين يومياً، كما أن الكثير من الشركات تعتمد بشكل رئيسي على الدفع الإلكتروني مثل "أمازون"، ولكن بالطبع إنها ليست منيعة بنسبة 100% ضد الاحتيال، وهذا حال كل التعاملات المالية، فمثلاً هناك احتمال حدوث عمليات احتيال أثناء السحب من الصراف الآلي، أو حتى التعامل النقدي الذي يحمل احتمال التعرض للسرقة أو التزوير. ولكن نسبة الاحتيال في التعاملات المالية الإلكترونية صغيرة نسبياً بالمقارنة مع عدد أو حجم تلك التعاملات. كما أن العميل أو المستخدم يملك الحرية في تحديد نوعية أو حجم معلوماته الشخصية التي يريد أن يفصح عنها ويشاركها.

الضوابط البنكية المحلية

ورداً على سؤال بشأن الضوابط البنكية المحلية، وهل تشكل عقبة أمام تطور تلك النماذج الجديدة من التعامل المصرفي أجاب فون بوك: أعتقد أن هناك مزيداً من الانفتاح في القطاع المالي في دول المنطقة، فمثلاً وقعت كل دول الخليج على اتفاقية تحرير التجارة العالمية، وعلى الرغم من أننا نتحدث هنا عن تطبيق نماذج طويلة المدى نسبياً، إلا أن هناك عناصر قابلة للتطبيق على المدى القصير في المنطقة، مثلاً البنوك هنا مهتمة جدياً بتطوير خدمات الصيرفة الإلكترونية والصيرفة المباشرة واستخدامها كقناة للبيع وليس لمجرد الخدمة، وهذا مؤشر على أن المصارف المركزية في دول المنطقة ستأخذ خطوات أكثر التزاماً على هذا الدرب مستقبلاً.

وحول توقعاته لأداء القطاع المصرفي في الإمارات هذا العام قال: نتوقع أن يحافظ القطاع المصرفي في الإمارات على نسب نمو متواضعة، كما أن هناك نمواً طفيفاً في أصول البنوك بنسبة 4% العام الماضي، وهي دون نسب ما قبل الأزمة ولكنها أفضل من نظيرتها في العديد من المصارف الأوروبية مثلاً، وهناك فرص للاستفادة من زيادة الإنتاجية في نشاط خدمات الأفراد التي تحسن نسبة التكلفة إلى الدخل في البنوك، والأرباح بالتالي، وفي المقابل هناك احتمال تأثر القطاع في حال تشدّد ضوابط المصرف المركزي، بالإضافة إلى ارتفاع ضغوطات المنافسة، وبشكل عام نعتقد أن التحدي الرئيسي سيكون تحقيق التوازن بين طموحات النمو من جهة وضغوط التكلفة من جهة أخرى، ومواجهة هذا التحدي تتطلب تركيز الجهود في البنوك في كل أقسام البنك وعبر كل النشاطات ويمكن تحقيق ذلك في غضون فترة قد لا تزيد على خمس سنوات.

فرص النمو للمصارف المحلية

وحول فرص النمو أمام القطاع المصرفي في الدولة قال فون بوك: نعتقد أن فرص النمو تكمن بشكل أكبر في قطاع الخدمات المصرفية التجارية التي شهدت نمواً قوياً خلال العام الماضي بالمقارنة مع خدمات الأفراد، التي نتوقع نمواً مستوياً فيها هذا العام بسبب ازدياد المنافسة، خصوصاً مع هجرة المزيد من أصحاب الثروات المتوسطة والكبيرة إلى الدولة بعد أحداث الربيع العربي، ونتوقع أن تكون الخدمات التجارية محرك النمو الرئيسي للقطاع المصرفي هذا العام، خصوصاً في ظل توقع أداء قوي لقطاع النفط والغاز بسبب ارتفاع أسعار النفط، وهو المحرك الرئيسي لاقتصاد الدولة، وهذا يعني تعزيز الإنفاق الحكومي على مشاريع البنى التحتية، والتي بدورها ستعزز فرص نمو قطاع الخدمات المصرفية في الدولة، وهذا يقتضي تعزيز فعالية الخدمات الاستثمارية لخدمة الشركات الكبيرة. أما بالنسبة لخدمات الأفراد، فنحن نعتقد أن هناك ما يشبه حرب الأسعار بين بنوك الدولة، وهذا من شأنه تقليص هامش الأرباح، بالإضافة إلى الضوابط التي حددها المصرف المركزي على الإقراض، والتي قد تؤثر سلباً على هامش أرباح هذا القطاع كذلك.

وأوضح إلى أن بنوك الدولة تميزت عن البنوك في باقي دول مجلس التعاون العام الماضي بأنها كانت الأولى في تحسين الإنتاجية، وذلك من خلال رسم هيكلية أكثر وضوحاً، ودعم تلك الهيكلية بعوامل دفع نعتقد أنها من الأكثر تطوراً في المنطقة، ومن تلك العوامل تحسين فعالية البيع وإدارة الموظفين وأتمتة العمليات وتحسين هيكلة المشتريات من حيث تحليل النفقات وتحديد فرص التوفير في كل من نفقات التشغيل والاستثمارات الجديدة، مما ساهم في خفض النفقات في بعض البنوك بنسب وصلت إلى حوالي 30%، بالإضافة إلى تحسين البنية التقنية، خصوصاً حين نجد أن الكثير من الإجراءات المصرفية في باقي دول مجلس التعاون لاتزال يدوية في الغالب وتتطلب العديد من الوثائق والموافقات.