أكد يعقوب نسيبة رئيس جمعية المحللين المعتمدين في الإمارات أنه يسود اعتقاد واسع النطاق حالياً، بأن السنوات القليلة الماضية شهدت مستويات مرتفعة تاريخياً من التذبذب في عائدات الاستثمار في أسواق الأسهم.

 وفي أعقاب مقال نشره سابقاً في ملحق الأسواق المالية لصحيفة "فاينانشال تايمز"، يقوم رودني سولليفان، مدير دائرة المطبوعات في معهد المحللين الماليين القانونيين CFA بالاشتراك مع يعقوب نسيبة، رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين CFA الإمارات، بوضع تذبذب الأسواق الراهن في سياقه التاريخي، ومناقشة شتى العوامل التي أثارت المخاطر في الأسواق عبر الزمن.

مشيرا الى انه أياً كانت العوامل التي تقف وراء تزايد تعرض الأسواق للمخاطر خلال العقود القليلة الماضية، إلا أن هذه الظاهرة تؤدي في جميع الأحوال إلى تراجع القدرة الراهنة للمستثمرين على تنويع مخاطرهم.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية أكبر بالنسبة لمديري المحافظ الاستثمارية، لأن سعيهم لتنويع المخاطر يكون أقل فعالية حين تزداد نسبة تذبذب الأسواق وأسهم شركات بعينها. وأضافت هذه العوامل المزيد من التحديات لحسابات إدارة المخاطر لدى إنشاء المحافظ الاستثمارية.

 

التذبذب الحالي للأسواق

وشهدت السنوات الأخيرة مستويات تذبذب سوقية عالية نسبياً. إلا أن العديد من المراقبين سيفاجؤون حين يعلمون أن الأسواق عانت منذ عام 2000 حتى الآن، وهي فترة يُعتَقَد على نطاق واسع أنها شهدت مستويات مرتفعة من الغموض، من مستويات تذبذب مرتفعة نسبياً تاريخياً بصورة عامة. وعلى سبيل المثال، قدَّرت مؤشرات شركة مورجان ستانلي الرأسمالية الدولية الخاصة بمناطق أوروبا وأوقيانوسيا والشرق الأقصى (MSCI EAFE)، معدل تذبذب الأسواق مقوَّماً على أساس سنوي خلال الفترة الواقعة بين عامي 2000 و2011 بنحو 19 %.

وفق مؤشر الانحراف القياسي للعائدات. إلا أن نفس هذا المستوى من التذبذب يَتَّسِق مع المستوى الذي شهدناه خلال السنوات الأربعين الماضية (1971 2011). وما يثير الاهتمام، هو أننا إذا توغَّلنا أكثر في الماضي لن يشكل حتى المستوى الراهن من التذبذب مفاجأة لأحد.

وتشير الإحصاءات إلى أن المستويات المقوَّمة سنوياً لتذبذب أسعار الأسهم خلال فترة الأعوام الأربعين الواقعة بين عامي 1926 و1971، كانت 25 % بالنسبة لأسهم الشركات الكبرى عالية الرسملة مقارنة مع 22 % خلال السنوات الثلاث المنصرمة.

أداء الأسواق الخليجية

وقال نسيبة: إن أسواق دول مجلس التعاون الخليجي بصورة عامة تشهد مستويات تذبذب أعلى من تلك التي تشهدها الأسواق الصاعدة، إلا أننا يجب أن نتوخّى الحذر قبل إطلاق أحكام نهائية عليها لأنها تفتقر إلى العمق التاريخي الكافي.

أما إذا التزمنا بالمقياس المعياري للمخاطر المتمثل بمؤشر الانحراف القياسي للعائدات، فسنكتشف أن مستوى تذبذب أسواق دول المجلس على المدى القريب كان أدنى مما كان عليه على المدى البعيد مقارنة مع المستويات التي استعرضناها أعلاه. ويقدِّر مؤشر ستاندرد آند بورز (S&P) لأسواق الأسهم الخليجية متوسط نسبة المخاطر المقوَّمة سنوياً والتي تتهدد تلك الأسهم بنحو 15 % خلال العامين الماضيين، بينما بلغ قرابة 25 % خلال الأعوام الخمسة الماضية.

 وتعبِّر مقاييس المخاطر الأخرى أيضاً عن نفس التوجهات. وهكذا نجد أن نسبة الحد الأقصى للانخفاض (الفرق بين الذروة والحضيض) على سبيل المثال، بلغت 10 % خلال العامين الماضيين، بينما سجلت رقماً قياسياً بلغ 62 % خلال الأعوام الخمسة الماضية.

نسبة المخاطر السوقية

وقال: حين نستعرض حركة الأسواق في الماضي، سنجد أن نسبة التذبذب الراهنة في الأسواق ليست غير مسبوقة، رغم أنها تمثل أعلى مستوى يستطيع معظمنا أن يتذكر حدوثه. لكننا يجب أن لا ننسى أن نسبة التذبذب ليست سوى أحد المعايير المستخدمة في حساب نسبة المخاطر.

ويتوجب علينا بالتالي أن نهتم بالمعايير الأخرى بشكل أكبر، مثل السيولة المتاحة ونسبة دعم رؤوس الأموال بالقروض وتقليص نسبة الأسهم في المحافظ الاستثمارية المرتبطة باضطراب الأسواق، أي حين تشهد تلك الأسواق عائدات سلبية مرتفعة، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية التي انطلقت شرارتها في خريف عام 2008، وما سُمِّيَ بـ "الانهيار السريع" الذي حدث في مايو 2010.

 

الاضطرابات المفاجئة

ورغم أن المعدل الراهن لمؤشر الانحراف القياسي للعائدات يتماشى إجمالاً مع المستويات التاريخية، لا يشكل هذا المؤشر سوى واحد من معايير عدة أخرى لقياس نسبة المخاطر. وتشير أحدث الدراسات إلى أن الأسواق أصبحت الآن أكثر عرضة من الماضي للتقلبات المفاجئة. لذلك يمكننا الرد بالايجاب على هذا السؤال، لنقول نعم، وإن الأسواق تبدو بشكل متزايد أكثر حساسية واستجابة للأخبار والأحداث المفاجئة التي تؤثر فيها سلباً.

 

أسباب الضعف

لا يشكل تزايد الاتجار وفقاً لمؤشرات محددة سوى أحد العوامل المحتملة بالطبع لهذه الظاهرة. ويتعلق السبب الثاني المحتمل بصناديق الاستثمار المدارة بأسلوب "نشط" لتحقيق عائدات تفوق متوسط عائدات مؤشر معيَّن. وتفيد أحدث الدراسات بأن مستوى اتباع تلك الصناديق لسياسة تحقيق نفس العائدات التي تحققها الأسهم المدرجة في مؤشر معين للأسهم، يتنامى منذ عام 1995 تقريباً.

ونظراً لكون العديد من الصناديق المدارة بأسلوب نشط، تدار استناداً إلى أداء مؤشرات أسهم معينة مثل "ستاندرد آند بورز 500" (S&P 500 Index)، فمن المرجح أن يتركز اتجارها في الأسهم المدرجة في المؤشر المعني.

ومن هذا المنطلق، يمكننا القول إن تلك الصناديق قد تسهم بدورها في تزايد مخاطر الأسواق نظراً لاعتمادها أسلوب الاتجار بالسلة. ويتعلق أحد الأسباب المحتملة الأخرى بتزايد انتهاج مختلف استراتيجيات الاستثمار الكمّي.

وقد يسهم النمو الاجمالي لهذا الأسلوب الاستثماري في حدوث اضطرابات سوقية دورية، حين يكتشف مديرو الصناديق التي تنتهج استراتيجية الاستثمار الكمي، أنهم يتاجرون بنفس الأسهم استناداً إلى نفس الإشارات التي ترسلها تلك الاستراتيجية للصناديق الأخرى التي تنتهج نفس الاستراتيجية.

وأخيراً، نستطيع بحث الدور الذي يلعبه السلوك البشري في نشاط وانحرافات الأسواق. وبصفتنا كائنات اجتماعية، تدفعنا بعض السلوكيات الإدراكية والعاطفية المبَيَّتَة فينا إلى ارتكاب أخطاء في الحكم على الأمور التي تسهم في اضطراب الأسواق. وإذا استعرضنا عواقب مبالغتنا بالثقة بقدرتنا على إدارة مخاطر الاستثمار في الكثير من الأحيان، لاكتشفنا أن هذا السلوك يدفعنا للوقوع في فخ الاعتقاد أنه يمكن التنبؤ بالمستقبل بدلاً من اعتباره أمراً غير مؤكد.