أنجزت سلطة مركز دبي المالي العالمي مراجعة رؤيتها الاستراتيجية الحاكمة لنموذج أعمالها، وشملت عملية المراجعة العديد من المحاور والمواضيع وثيقة الصلة بأدواره ومهامه وهويته الجغرافية وأهدافه التسويقية والترويجية وعلاقاته مع نظرائه الإقليميين والعالميين، وخلصت عملية المراجعة إلى الإقرار بارتقاء مكانة المركز من الإقليمية إلى العالمية بأن يكون مركزا عالميا للخدمات المالية عوضا عن كونه مركزا إقليميا وأن يكون بوابة عالمية للأعمال والاموال بدلا من كونه مجرد بوابة إقليمية.

وعلم "البيان الاقتصادي" أن مركز دبي المالي العالمي بصدد الإعلان رسميا عن نتائج مراجعة استراتيجية أعماله، وذلك بالتوازي مع الإعلان عن نتائج أعماله التشغيلية عن النصف الثاني من عام 2011، ويؤكد مراقبون أن هذه المراجعة تجسد على أرض الواقع توجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، والتي تجلت في العديد من القرارت التي أصدرها سموه خلال العام الماضي.

وكشف عبد الله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، في تصريحات لـ "البيان الاقتصادي"، عن أن المركز باشر بالفعل مراجعة رؤاه الاستراتيجية منذ منتصف عام 2011، وأنه أجرى بالفعل تعديلات وتغييرات في هذه الرؤية، وبناء على المراجعة، تم تبني هدف رئيسي وهو العمل على أن يكون مركز دبي المالي مركزا عالميا للخدمات المالية وليس فقط مركزا إقليميا، مشيرا إلى أن هذه الرؤية الجديدة ستخدم كإطار إرشادي توجيه عمليات ومبادرات وأنشطة المركز.

ورغم إقرار العور بأن هناك شوطا طويلا يجب قطعه لكي يحقق المركز هدفه بأن يصبح مركزا ماليا عالميا بكل ماتعنيه الكلمة من دلالة، إلا أنه أكد عزمه وأصراره على المضي قدما في تحقيق هذا الهدف بقوله: هدفنا ورؤيتنا أن يصبح مركز دبي المالي مركزا ماليا عالميا على غرار لندن ونيويورك وهونغ كونغ.

 

قيمة عليا

ويرى العور أن استراتيجية مركز دبي المالي العالمي الجديدة تضع قيمه عليا، وهي أن يصبح المركز قوة محركة لزيادة مساهمة صناعة الخدمات المالية في الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، بما يحقق الرؤية الاستراتيجية لحكومة دبي بأن يكون قطاع الخدمات المالية أحد العناوين البارزة والدالة على نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي، وأن يكون كذلك مؤشرا حقيقيا على إرتقاء مكانة الإمارة سلم مراكز المال العالمية، وأن يمثل أيضا دعامة أساسية في تعزيز مكانة دبي كمدينة عالمية وترسيخ موقع الإمارات كمركز عالمي للمؤسسات المالية، فضلاً عن كونه منصة للنفاذ إلى الأسواق الإقليمية الأخرى.

وقال العور: سيستمر المركز في بذل الجهود لتطوير أنظمته وبنية الأسواق المالية من أجل توسيع وتنويع مجموعة الخدمات المالية التي يقدمها، وبالتالي تعزيز مساهمته في اقتصاد دبي والدولة ككل. وسيتعاون المركز بشكل وثيق مع سلطة دبي للخدمات المالية سعياً إلى مواكبة تغـــــييرات البيئة المالية العالمية الجديدة والمتطلبات المتغيرة لقطاع الخدمات المالية.

وأضاف: يغطي نشاط المركز واحدة من أسرع المناطق نمواً في العالم. ففي حين يوجد في الغرب والشرق الأقصى العديد من المراكز المالية التي تخدم تلك الأسواق، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا لا تحظى حالياً بهذا النوع من المراكز المالية الناضجة، مما يعطي مركز دبي المالي العالمي فرصة فريدة لسد الفجوة القائمة بين الشرق والغرب.

 

جوهر التحول

وتحدث العور عن جوهر هذا التحول الاستراتيجي قائلا : سيركز مركز دبي المالي خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة على تطوير نطاق ومجالات إنشطته المالية لكي تكون مواكبة للمراكز الدولية الأخري .

وسلط العور على أحد جوانب عملية المراجعة بإشارته إلي أنه تمت دراسة الشركات والمؤسسات المالية، التي تتخذ من المركز مقرا لعملياتها، حيث جري التركيز على التعرف على النطاق الجغرافي لعملياتها من زاوية تحديد ما إذا كانت هذه الشركات تستهدف الإمارات فحسب، أم أنها تستهدف المناطق الجغرافية التي تقع في محيط مركز دبي المالي كدول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وجنوب آسيا وافريقيا، كما جري وضع قائمة بالشركات العالمية التي تمتلك فروعا تغطي مناطق العالم المختلفة بغية حثها على الاستفادة من البنية التحتية التي يمتلكها المركز في إدارة عملياتها وأنشطتها.

وقال العور إن تحرك المركز نحو توطيد مكانته العالمية يعد نتاجا طبيعيا للنجاح الذي أحرزه خلال السنوات الماضية بوصفه البوابة الإقليمية لصناعة الخدمات المالية على صعيد المنطقة، ورصد معالم هذا النجاح بقوله: كان الشيء الملفت بالنسبة لنا أن هناك إقبالا كبيرا من المؤسسات الدولية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط على القدوم إلى مركز دبي المالي العالمي، وذلك رغم الأزمة المالية العالمية التي ضربت عددا من الاقتصادات الكبرى، ورغم عدم الاستقرار الإقليمي.

 

مبادرات عديدة

ويلفت المراقبون إلى أن عملية المراجعة قد واكبت المبادرات العديدة التي جرى اتخاذها في العام الماضي الهادفة إلى تعزيز مكانة الإمارة كمركز مالي عالمي، ففي أكتوبر 2011 وقع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، قانوناً يتيح لأية شركة اللجوء إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي الناطقة باللغة الإنجليزية، والتي تمثل نظاماً قضائياً مستقلاً يستند إلى القانون العام في مركز دبي المالي العالمي.

ويفتح القانون أبواب محاكم مركز دبي المالي العالمي أمام مجتمع الأعمال الإقليمي عبر منطقة دول مجلس التعاون الخليجي وما وراءها، ويوفر لمجتمع الأعمال الدولي قناة للوصول إلى واحدة من أكثر المحاكم التجارية الأكثر تقدماً تقنياً على المستوى العالمي، وفي أغسطس 2011 أصدر سموه بصفته حاكماً لإمارة دبي مرسوماً بشأن تعيين مجلس الإدارة الأعلى لمركز دبي المالي العالمي برئاسة سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، كما أصدر سموه، قانوناً بتعديل بعض أحكام القانون رقم 9 لسنة 2004 بشأن مركز دبي المالي العالمي، وجاء إصدار القانون ضمن التزام حكومة دبي باستراتيجيتها الرامية لتنويع مصادر الدخل وتنمية اقتصاد الإمارة بما في ذلك دعم نمو قطاع الخدمات المالية والمصرفية من خلال مركز دبي المالي العالمي.

 

مقومات النجاح

وأشار العور إلى الكثير من المقومات التي من شأنها أن تدعم الاستراتيجية الجديدة لمركز دبي المالي العالمي بقوله: هناك مقومات عديدة، أهمها أن المركز يعد المركز المالي الأبرز في المنطقة وبوابة تدفق رؤوس الأموال بين أوروبا وآسيا؛ فضلاً عن أنه يحظى ببيئة تشغيلية شفافة وبنية تحتية تنظيمية وإطار قانوني تنسجم جميعها مع أرقى المعايير العالمية؛ كما أنه يمتلك رؤية واضحة وينفذ استراتيجية موجهة نحو تعزيز الصناعة المالية العالمية، وتقدم البيئة التشريعية والتنظيمية في مركز دبي المالي حلولا للشركات المعتادة على العمل بناء على القانون العام، وهو قانون شائع الاستخدام في أوساط معظم الشركات الأجنبية كالبريطانية والأميركية، وغير معمول بهذا النظام القانوني في الإمارات، باستثناء مركز دبي المالي العالمي.

وقال: نحن نتقاسم اليوم قناعة مفادها أن منطقة مجلس دول التعاون الخليجي تعد واحدة من مناطق النمو خلال العقد المقبل، فهي تمثل أحد المحركات الرئيسية للتنمية الاقتصادية في العالم، وذلك بفضل ثراء مخزونها من النفط والغاز وتنوع هياكلها الاقتصادية وتزايد أعداد سكانها، حيث تعتمد المنطقة بكثافة على النفط الذي يسهم بما يتراوح بين 70% إلى 80% من إجمالي إيراداتها، كما أن التجارة غير النفطية لدول مجلس التعاون الخليجي تنمو بوتيرة سريعة على نحو جعلها أحد العوامل الرئيسية المعززة للاستقرار المالي في المنطقة، وأضحت مصدرا رئيسيا للنمو خصوصا في السنوات الأخيرة، إذ نما القطاع غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي في حدود 7.2% سنويا خلال الفترة 2000- 2008 مقابل نمو القطاع النفطي بمعدل نسبته 4%.

وأضاف: تشكل التجارة الدولية المكون الرئيسي للقطاع غير النفطي، وتنشط تدفقات التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي كبريطانيا وألمانيا، وبحسب البيانات الإحصائية لهيئة الجمارك الاتحادية، نمت التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات بواقع 23% خلال الفترة من يناير حتى نهاية سبتمبر 2011.

 

توقعات صندوق النقد

واستند العور إلى توقعات صندوق النقد الدولي في التدليل على أن وقوع مركز دبي المالي في منطقة تتمتع بآفاق نمو واعدة يعزز من قدرته على توطيد توجهه المستقبلي نحو العالمية. وقال: يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2011 بواقع 7% وأن تكون تلك الدول محركا للنمو في المناطق الأخرى المتاخمة، كما توقع الصندوق أن ينمو اقتصاد الإمارات بمعدل 3.25% ، وأن تتسارع وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لتبلغ 3.2% في عام 2011 مقابل 2% في 2010، وهو ما يعكس قوة أداء قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتجارة في دبي، كما تضع ضخامة الإنفاق العام الاستثماري في إمارة أبو ظبي، بما في ذلك استثمارات الشركات الحكومية، الناتج المحلي الإجمالي للدولة في مكانة قابلة للمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي السويسري.

وقال العور: تأتي هذه الآفاق الواعدة للنمو في ظل تحديات تواجه الاقتصاد العالمي، فيما تعرض دول مجلس التعاون الخليجي عموما والإمارات على الخصوص بيئة آمنة للمؤسسات المالية لكي تعمل وتحد من المخاطر التي تتعرض لها، بالنظر إلى أنها تتمتع بإطار تنظيمي يواكب أفضل القوانين والممارسات الدولية، فالعالم صار أشبه ما يكون بالقرية الصغيرة، ولكي يتواصل نمو الشركات الدولية، فإنه من المتعين عليها التكيف مع الأوضاع العالمية.

 

مرونة البنية التنظيمية

وإذا كان وقوع المركز في منطقة تتمتع بآفاق نمو مبشرة على نحو يعزز من قدرته على بلوغ العالمية، فإن بنيته التنظيمية تتمتع بالسلاسة والمرونة مما يشكل عاملا داعما لنجاح استراتيجيته الجديدة، وقال العور: أثرت عولمة القواعد والقوانين على المؤسسات المالية في العالم بأسره، إذ جرى فى الولايات التحدة وضع قانون فرانك دوود، الذي يحكم السيطرة على التداول الإلكتروني للمشتقات، إلى جانب تشديد القواعد على أنشطة تداول معينة، كما تم في أوروبا تطوير نظام لمتطلبات رأس المال جرى تضمينه ضمن بازل 3، وهي تناقش في الوقت الحالي فرض ضريبة على الصفقات المالية، ومن المفهوم أن تشديد قواعد الأسواق المالية والمصرفية قد أثار قلقا متزايدا بشأن إمكانية نشوء مضاعفات غير متعمدة تضر بتنافسية مراكز المال في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.

ومع ذلك، نحن نعتقد أن العمل في كافة أنحاء العالم وفقا لإطار عمل تنظيمي رفيع المستوى سوف يقود إلى وضع مقاييس تجعل القطاع الخاص يؤدي بشكل أفضل، ويسهم في الوقت ذاته في التحفيز على النمو خلال السنوات المقبلة بالنسبة للقطاعات المالية والمصرفية والعقارات والخدمات وتجارة التجزئة.

وأضاف: سوف يلعب مركز دبي المالي دورا محوريا من خلال توفيره منصة تعزز قدرة الصناعة المالية في المنطقة على النمو والإزدهار، فهو مجهز ببنية تحتية حديثه، ويتمتع بوضعية ومكانة المنطقة الحرة، ويضم محاكم تعمل وفقا لقوانين مستقلة، وجهة تنظيمية مستقلة وهي سلطة دبي للخدمات المالية التي طورت نموذجا تنظيميا قريب الصلة بالمعايير المقبولة عالميا.

وقد قمنا بتعديل اللوائح التنظيمية عدة مرات بغرض تيسير مزاولة الاعمال والاستثمار في المركز، فعلى سبيل المثال، قامت سلطة دبي للخدمات المالية مؤخرا بتعديل القواعد المنظمة لعمل الصناديق الاستثمارية، وهو ما أدى إلى زيادة أعداد الصـــــناديق الراغبة في التواجد في المركز وزاد اهتمام الشركات بتأسيس وإدارة صناديق استثمارية ليس فقط في داخل مركز دبي المالي ولكن كذلك في جهات الإختصاص الأخرى.