تعرضت أسواق المال الخليجية لتقلبات حادة عام 2011، إلا أن مؤشراتها العامة مالت نحو الانخفاض بحدة متجاهلة الأداء الجيد للاقتصادات الخليجية والتي حققت جميعها معدلات نمو إيجابية في العام الماضي.
ويشكل ذلك عامل انفصال ما بين الأسواق واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعتبر أسواق المال في العالم مرآة عاكسة لحقيقة الأوضاع، وهو ما لم يجد له صدى في الأسواق الخليجية.
وتشير البيانات المتوفرة إلى أن معدل أداء البورصات الخليجية ارتفع بنسبة 3.8% في عام 2010 وذلك بفضل ارتفاع ثلاثة أسواق وانخفاض أربعة منها، إلا أن هذا المعدل الوسطي انخفض بنسبة كبيرة بلغت 12% في عام 2011، حيث انخفضت كافة الأسواق الخليجية بنسب عالية، باستثناء سوق الدوحة للأوراق المالية.
والذي ارتفع بنسبة 1.1% في العام الماضي، مقارنة بعام 2010، إذ أدت هذه الانخفاضات في بقية البلدان إلى زيادة استنزاف الأسواق الخليجية، وأثرت بصورة سلبية على أدائها العام وعلى قدرتها على جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية.
انحدار غير منطقي
ويعتبر هذا الانحدار نحو القاع والذي طال البورصات الخليجية غير منطقي، حيث وصلت أسعار العديد من أسهم الشركات إلى ما دون سعر الاكتتاب في ظاهرة نادرة في أسواق المال عادة ما ترتبط بالأزمات والكساد، وهو ما لا ينطبق على الاقتصادات الخليجية.
وقد تفاوتت نسب الانخفاض بين بورصة خليجية وأخرى، إلا أن نسبة هذا التفاوت كانت كبيرة وتركزت أساساً في أسواق البحرين والكويت والإمارات، حيث بلغت أقصاها في بورصة البحرين والتي انخفضت بنسبة 20% في عام 2011، مقارنة بعام 2010، تلتها سوق دبي بنسبة 17% ومن ثم سوق الكويت بنسبة 16.4%.
وتشير هذه البيانات إلى أن نسب انخفاض الأسواق الخليجية قد تجاوز نسبة الانخفاض في بعض البلدان التي تواجه أزمات مالية حادة، كالبلدان الأوروبية، حيث انخفض مؤشر «داكس» الألماني و«فايننشال تايمز» الإنجليزي بنسب أقل، بل إن انخفاض مؤشرات بعض الأسواق الخليجية تجاوز نسب انخفاض بعض بلدان ما يسمى بالربيع العربي والتي شهدت أحداث غير مستقرة.
ومع مطلع العام الحالي 2012 استمر نزيف أسواق المال الخليجية في ظاهرة لافتة، مما يستدعي دراسة هذه الظاهرة على مستوى كل دولة خليجية وعلى مستوى دول المجلس ككل. خصوصاً وأن الكثير من الأفراد والمؤسسات تعرضوا لخسائر جسيمة وفقدوا الجزء الأكبر من مدخراتهم. وحتى الآن، فإن إدارات البورصات الخليجية تتخذ موقفاً محايداً وتتجنب الخوض في مسببات هذا التدهور ما أوقع المستثمرين في حيرة.
معالجات ممكنة
والحقيقة أن هناك العديد من المعالجات التي يمكن أن تساهم في إنعاش أسواق المال الخليجية في العام الحالي والتي يكمن أهمها في:
تطوير دور إدارات أسواق المال الخليجية وإعداد الدراسات والبحوث التي توضح قوة الاقتصادات الخليجية والأداء الجيد للشركات المساهمة المدرجة بدليل نسب الأرباح التي تحققت في عام 2011 والتي قررت معظم الشركات على ضوئها توزيع أرباح مجزية على المساهمين.
معالجة احجام الاستثمار المؤسسي عن أسواق المال الخليجية، وذلك على الرغم من القدرات المالية الكبيرة التي يملكها، فسوق قطر للأوراق المالية ظل متماسكاً بفضل الاستثمار المؤسسي والذي رأى في انخفاض أسعار الأسهم، وبالأخص أسهم البنوك، فرصة مواتية حقق من خلالها مكاسب مهمة، وذلك بالإضافة إلى تدخل الدولة من خلال شراء أسهم العديد من البنوك القطرية.
إيجاد حوافز جديدة لإنعاش أسواق المال الخليجية، بما في ذلك إعادة النظر في نسب الملكية، وزيادة مساهمات صناديق الاستثمار السيادية، فالعائد على أرباح البنوك الخليجية يبلغ في المتوسط ما يقارب ثلاثة أضعاف العائد على الودائع، وهو ما يمنح الأفضلية للاستثمار في أسواق المال المحلية.
العمل على إعادة الثقة في البورصات الخليجية من خلال بث الوعي الاستثماري والحد من المضاربات الضارة والتي زادتها ضراوة العديد من الإجراءات والقرارات التي اتخذتها بعض إدارات أسواق المال الخليجية من خلال التعامل بأجزاء من الفلس، مما وسع من هامش المضاربة وبالأخص من قِبل صغار المضاربين.
ومع انه لا يمكن إغفال التطورات السياسية والأمنية غير المستقرة في المنطقة، إلا أن ارتفاع سوق قطر، ولو بنسبة متواضعة في عام 2011 يشير إلى وجود إمكانيات متاحة لمعالجة الجوانب المالية والفنية لأسواق المال الخليجية، وهي متاحة للتقليل من انعكاسات العوامل الأخرى على أداء هذه الأسواق وتحسين أدائها في العام الحالي 2012.
