قال ستين ياكوبسن كبير الخبراء الاقتصاديين في ساكسو بنك، إن مسيرة البناء الاقتصادي في الإمارات أصبحت أكثر واقعية في توجهاتها وإن الدولة تقود عملية التنمية في هذه الفترة على أسس هيكلية أكثر متانة، خصوصاً بعد تجربة النمو السريع الذي مرّت به الدولة قبل الأزمة المالية في 2008، مشيراً إلى ضرورة تطبيق المعايير العالمية في أسواق المال المحلية بهدف تشجيع الاستثمارات الأجنبية على ضخ السيولة في قطاعات الاقتصاد المحلي.
ودعا ياكوبسن في لقاء خاص مع "البيان الاقتصادي" إلى أهمية وضع سياسات تخفض من اعتماد الاقتصاد في الدولة على الدعم الحكومي، وهدف إلى تدعم القطاع الخاص بشكل أكبر وتحفز الشفافية وتطوير الإدارة في الشركات والمؤسسات.
وتوقع البنك الذي يقع مقره الرئيسي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن أن يصل معدل نمو الاقتصاد في الدولة هذا العام إلى حوالي 3% و3.5% في منطقة الشرق الأوسط، وأن تحافظ أسعار النفط على مستوياتها الحالية.
وقلل ياكوبسن خلال اللقاء من أهمية معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر على قوة الاقتصاد خصوصاً في دول مجلس التعاون، حيث إن الفائض التجاري الناجم بشكل رئيسي عن تجارة النفط في تلك الدول هو العامل الرئيسي الأول للنمو.
وتوقع ياكوبسن أن يكون عام 2012 هو عام التغيير، وأن الأزمات التي يمر بها العالم اليوم على الصعيدين السياسي والاقتصادي ستمهّد لفترة من النمو المستقر والمتوازن قد يستمر إلى عشر سنوات. وأشار إلى أن إحدى المشاكل الرئيسة التي يواجها العالم اليوم هي وجود سياسات اقتصاد شامل خاطئة.
مشيراً إلى أن نسبة التدخل الحكومي في السياسات الاقتصادية في غالبية الدول بلغت ذروتها ما يفسح المجال أمام فسحة أكبر من الشفافية ومشاركة أكبر من القطاع الخاص. وفيما يلي نص الحوار، الذي أجريناه معه في دبي، حيث يقوم بزيارة للإمارات:
الظروف الصعبة
ما هي توقعاتك لأداء الاقتصاد في الإمارات والمنطقة في 2012؟
أعتقد أن اقتصاد الإمارات - كغيرها من دول العالم - سيجابه بعض الرياح المعاكسة خلال الشهور الست القادمة، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد العالمي اليوم، وبالطبع هنالك نسبة من المخاطر تتعلق بخطر إغلاق إيران لمضيق هرمز.
وانخفاض الطلب على النفط، وأما بالنسبة للمنطقة، فأعتقد أن توجه الكثير من دول المنطقة إلى الديمقراطية والإصلاح هو أمر جيد، وسيؤدي إلى مزيد من النمو، وقد يكون النمو بطيئاً أكثر من 2011، وأنا أتوقع نموا بمعدل 3% في الإمارات و 3.5% لمنطقة الشرق الأوسط، وأن يصل معدل سعر برميل النفط الخام إلى 105 دولارات، وهذا أمر جيد للمنطقة.
هل هنالك رغبة لدى مستثمريكم في الاستثمار في هذه المنطقة؟
نعم بالتأكيد، ولكن ما زال الطريق غير ممهد أمام الاستثمارات الأجنبية بالشكل القادر على استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والاستفادة منها محلياً، فمن جهة لدينا مثلاً هذا المركز المالي الجذّاب الذي نحن فيه (يقصد مركز دبي المالي).
ولكن الحدود بين هذا المركز المالي والاقتصاد المحلي هي منفصلة إلى حد بعيد، أي أن حثّ المستثمرين الأجانب من هذا المركز مثلاً - على الاستثمار بشكل أكبر في السوق المحلي يتطلب فتح الأسواق بشكل أكبر مما هي عليه اليوم، وعلى مقياس 1 إلى 10 أعتقد أن نضج السوق في الإمارات اليوم هو في المنتصف أو الدرجة 5. فهنالك الكثير من الضوابط المحلية وحاجة لتطبيق المزيد من المعايير الدولية في الاقتصاد المحلي كذلك.
أكثر واقعية
أنت تزور الإمارات منذ خمس سنوات، ما الذي تغّير خلال تلك المدة؟
أعتقد أن وتيرة الاقتصاد في الإمارات مباشرة قبل الأزمة في 2008 كانت سريعة أكثر مما يجب، وذلك بسبب توفر السيولة وسهولة التمويل، واليوم هذا قد تغيّر، فالسيولة لم تعد متوفرة كما في السابق.
ولكن أعتقد أن الإمارات أصبحت أكثر واقعية في توجهاتها الاقتصادية، فهي تقود عملية التنمية في هذه الفترة على هيكلية أكثر متانة، ودعائم إدارية واقتصادية أكثر استقراراً، فهنالك استثمارات داعمة وواعدة في العديد من مشاريع البنى التحتية، مثل مشروع ميناء الفجيرة لتصدير النفط، بالإضافة إلى العديد من المشاريع السياحية التي ستحقق الاستقرار في الصناعة السياحية في الدولة.
نسب النمو
وما رأيك في نسب النمو الجيدة التي حققتها دول مجلس التعاون بالمقارنة مع معظم دول أوروبا؟
أعتقد أن الدخل الحكومي الناتج عن إيرادات النفط كان ولا يزال هو المسؤول الرئيسي عن دفع عجلة النمو في المنطقة، ففي قطر مثلاً، نجد أن معدلات النمو قوية، ولكنها تشمل استثمارات النفط والغاز والمشاريع المتعلقة بإقامة مونديال كأس العالم في 2022. وأعتقد أن ذلك أمر جيد.
ولكن من الأفضل تشجيع القطاع الخاص وتقديم المزيد من المبادرات الحكومية له، وتهيئة مناخ أقوى للتنافسية، وأعتقد أن ذلك ينطبق على كل الدول في العالم، مهما كانت سياستها أو نظامها السياسي، وبالمقابل، فإن القطاع الخاص يتحمل جزءا من المسؤولية، من حيث إنه بحاجة إلى تحمل جزء أكبر من مسؤولياته تجاه النمو.
ولذلك فإن خفض نسبة اعتماد الاقتصاد على الدعم الحكومي بنسبة 10% مثلاً سيحرر ذلك كمية كبيرة من رأس المال، والدليل هو أن أعلى معدلات للادخار في اليوم هي في القطاع الخاص، والحل هو الالتقاء في المنتصف على الأقل، أي أن يقوم القطاع العام بتهيئة الأسباب أمام القطاع الخاص لتشجيعه على الاستثمار بشكل أكبر في العقارات وأسواق الأسهم والبنوك، وهذا ليس ممكناً في الكثير من الدول اليوم بسبب ارتفاع الضرائب الحكومية وفواتير المعيشة، وهذا يعني انخفاض الدخل الفردي والقدرة على الانفاق والاستثمار.
السياسات الاقتصادية
ما هي التحديات والمخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي هذا العام في رأيك؟
أعتقد أن رسم المزيد من سياسات الاقتصاد الشامل هو من أكبر المشاكل التي تواجهنا اليوم، في حين يجب التركيز على دعم القطاع الخاص. فاليوم لم يتبق هنالك سوق حر بالمعنى الحقيقي في العالم، فمثلاً التدخل الحكومي في الصين هو 100% وفي البرتغال 80% وفي إيطاليا 70%، وحتى في وطني الدنمارك هي 60% والحل بالنسبة للكثير من الأسواق في العالم اليوم هو واحد وهو خفض الاعتماد على القطاع العام.
كما أن شحّ السيولة يشكل تحدياً جدياً خصوصاً في ظل انخفاض الفوائد وانخفاض رغبة البنوك في التمويل لمعالجة مشاكلها الداخلية. وأود أن أضيف أنه لقد ثبت خلال السنوات الثلاث الماضية عدم جدوى الكثير من الإجراءات التي اتخذتها الحكومات لمواجهة الأزمات الاقتصادية مثل طبع العملة أو التحفيز المالي الزائد، وغيرها، وهي كلها سياسات ناجعة على المدى القصير فقط.
وأعتقد أن إعادة تطبيق تلك السياسات يشبه من يقوم بفعل ذات الشيء مرتين متوقعاً اختلاف النتائج، فهذا نوع من الحمق على رأي العالم الفيزيائي آينشتاين. وتلك السياسات التي نراها اليوم تشتري الوقت فقط ولا حل المشاكل بل ستأزّمها أكثر على المدى الطويل.
الكساد الأوروبي
إلى أين تتجه أوروبا في اعتقادك؟
هنالك الكثير من المؤشرات التي ترجح أن أوروبا في طريقها إلى كساد اقتصادي مثل ارتفاع نسب البطالة، والاضطرابات الاجتماعية، وأتوقع أن تأخذ اليونان والبرتغال هذا العام "إجازة" من منطقة اليورو ولكن ليس من الاتحاد الأوروبي، وستتلقى تلك الدولتان بعض الدعم باليورو من ألمانيا وبقية الدول لبعض الوقت حتى تتمكنا من معالجة عجزهما البنيوي وإيجاد آلية لتصحيح ذلك العجز.
وأعتقد أن خوف بعض دول اليورو اليوم من الإعلان عن عدم القدرة على سداد ديونهما أي الإفلاس هو غير مبرر، فإسبانيا مثلاً أفلست 14 مرة في تاريخها، كما أن كل دولة من مجموعة البريك مثلاً (البرازيل وروسيا والهند والصين) أفلست مرة واحدة على الأقل خلال السنوات الأربعين الماضية، وهذا يشير إلى أن الإفلاس ليس بالضرورة أمرا سيئا بل هو في اعتقادي أمر طبيعي ويشجع على التنافسية، فلا يمكن قطف ثمار النجاح مثلاً من دون مواجهة الأشواك بين الحين والآخر.
المحفظة الاستثمارية
ما هي الأصول الموجودة في محفظتكم الاستثمارية هذا العام؟
هنالك 50% من النقد، و20% من الذهب لأنني أعتقد أن دولاً ستقوم بطبع عملات من جديد، و30% من سندات الشركات ذات العائد المرتفع مثل شركات الاتصالات والسيارات في أوروبا، لأنني أعتقد أن هجرة السيولة سببها أن الشركات ليس في وسعها الحصول على تمويل في هذه الآونة.
هل الخوف من المستقبل هو السبب في ارتفاع النقد في محفظتك الاستثمارية؟ وما هي العملات التي تمثّل هذا النقد؟
الواقع أن النقد يمثل الحصة الرئيسة ليس بسبب الخوف من المستقبل، ولكني أعتقد أنه خلال العام سيكون هنالك فرص كبيرة لشراء أصول بأسعار مخفّضة، في العديد من الدول التي ستعيد رسم سياساتها الاقتصادية كاليونان مثلاً.
والنقد مقسم إلى الدولار بنسبة 50% والعملات الاسكندنافية بنسبة 50%، وذلك لأنني أعتقد أن السويد والنروج هي سويسرا الجديدة. أي أننا نعتقد أن السيولة تهاجر من سويسرا في هذه الآونة إلى تلك الدول التي تتمتع باقتصاد كبير وفائض يصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي.
التنبؤات المذهلة
ما هي أهمية "التنبؤات المذهلة" لعام 2012 التي أعلن عنها البنك مؤخراً؟
"تنبؤات العام المذهلة" التي قمنا بنشرها مؤخراً هي بمثابة "تمرين ذهني" تحثّ القارئ على السؤال والتفكير بطرق غير تقليدية وتحرّر الناس من الالتزام برأي معين، فهي تحتمل الموافقة أو الاختلاف في الرأي والقصد من ورائها هو الوصول إلى حلول لمواجهة الأزمات الاقتصادية في حال حدوثها، مشيراً إلى أنه يصدر تلك "التنبؤات" سنوياً منذ 2003، وأن الكثير منها تحقق خصوصاً تلك المتعلقة بالأزمة المالية في 2008.
يبدو أن الكثير من المستثمرين لا يزالون يتعاملون بشكل آني وانفعالي مع التقلبات الاقتصادية، فهل سيتغير ذلك في رأيك؟
هذا صحيح، وأعتقد أنه لطالما تفاعل المستثمرين مع تقلبات الاقتصاد على هذا المنوال الذي ذكرت، ولكن أتوقع أن يكون عام 2012 هو عام التغيير، فمع أنه سيكون هنالك نقاط قاع في غالبية أسواق العالم، ولكنها ستمهّد لفترة من النمو المستقر والمتوازن قد يستمر إلى عشر سنوات، فحين يحدث تباطؤ قوي في الاقتصاد وتنخفض السيولة والاستثمارات يؤدي ذلك إلى زيادة الشفافية، وخلق سياسات داعمة أكثر في القطاع الخاص وحدوث دورات اقتصادية قصيرة.
