بدأت في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أمس أعمال الندوة الموسعة عن «التمويل الإسلامي والاقتصاديات المعاصرة» وطالب مشاركون بمراجعة المعايير المزدوجة للانشطة الاحترازية، ينظم الندوة المركز بالتعاون مع مدير «معهد الدراسات الجيوسياسية» في باريس.
حضر الندوة حشد من الدبلوماسيين والاقتصاديين والمصرفيين والإعلاميين في «قاعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان» في مقر المركز بأبوظبي. واكد الدكتور جمال سند السويدي مدير عام «المركز في كلمة الافتتاح التي ألقتها نيابة عنه كندة الشامسي، أن عالمنا المعاصر ومنذ تفاقم الأزمة المالية الأخيرة في عام 2008 قد شهد نقلة نوعية في النظرة إلى القطاع المالي ومؤسساته وأدواته وآثاره على الاقتصاد الحقيقي وتداعياته على الوضع الاجتماعي.
واوضح ان الأزمة المالية وتبعاتها أدت إلى تباطؤ في الاقتصاد العالمي وأثارت التساؤلات حول دور المؤسسات المالية التقليدية في تشجيع الاقتراض المبالغ فيه وفي التوجه نحو الإنفاق بما يفوق الوسائل ويتجاوز المنطق.
واشار الى تصاعد الأصوات المطالبة بمراجعة التوجهات المالية التي سادت منذ ثمانينات القرن الماضي نحو التحرير المالي وتقليص التدخل الحكومي في أنشطة التنظيم والإشراف ووضع المعايير الاحترازية للأنشطة المالية.
واوضح أنه مع تصاعد الانتقادات للقطاع المالي التقليدي في ظل الأزمة المالية العالمية، بدأ يتنامى الاهتمام عالمياً بالنمط التمويلي الإسلامي الذي تحكمه قواعد الشرع الحنيف والذي يعتمد على المشاركة في العوائد والمخاطر وضرورة توافر أصل حقيقي يُبنى عليه التمويل مع البعد بطبيعة الحال عن الفائدة الثابتة المضمونة. وقال إن التمويل الإسلامي بحكم اعتماده على ضرورة توافر الأصول الحقيقية، وجد أنه يحد من التوسع في الأدوات المالية الخطرة الناجمة عن أنشطة مثل التوريق والهندسة المالية المعقدة ويتجنب ظاهرة الاقتراض المبالغ فيه. كما أن انتهاج مبدأ المشاركة في العوائد والمخاطر ينتج عنه المزيد من التدقيق والحذر بين أطراف العمليات المالية بما يحد من التوجه للأنشطة المالية عالية المخاطر التي لا تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً حقيقياً للأفراد والمؤسسات والمجتمعات.
وأوضح أن هذه الجوانب الإيجابية للتمويل الإسلامي قد أسهمت في ارتفاع حجم أصوله المالية من نحو 5 مليارات دولار في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلى ما يقدر بنحو 2ر1 تريليون دولار في عام 2011. مشيراً إلى أنه بالرغم من أن «منظمة التعاون الإسلامي» تضم في عضويتها 57 دولة فقط يلاحظ اليوم أن أكثر من 70 دولة حالياً تتوافر فيها منافذ للتمويل الإسلامي ما يدل على زيادة الاهتمام به خارج العالم الإسلامي.
وأكد أن التوجه نحو تنامي التمويل الإسلامي لا يعني بالضرورة عدم وجود الحاجة إلى تطويره وتعزيز أطره من أجل تعظيم منافعه الاقتصادية والاجتماعية.
واوضح أن أهم التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي في الوقت الراهن، هو إدخال المزيد من التطوير على أطره التنظيمية والإشرافية والعمل على ضمان توافقها مع التوجهات العالمية لتنظيم النشاط التمويلي بصفة عامة. مشيراً إلى أن «ندوة اليوم تناقش التمويل الإسلامي ودوره المتنامي في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لحياتنا المعاصرة وتتيح الفرصة لتبادل الأفكار البناءة وإثراء النقاش بين الخبراء والمتخصصين حول القضايا المطروحة للتوصل إلى الحلول والمقترحات والإجراءات الواقعية والعملية وتسليط الضوء على أفضل الطرق التي يجب أن نسلكها ووضع أسس لصياغة رؤية استراتيجية للمستقبل».
من جانبه أكد الدكتور شارل سان-برو مدير «معهد الدراسات الجيوسياسي»في الجمهورية الفرنسية في الكلمة الرئيسة للندوة أن الفهم الخاطىء للإسلام غالباً ما يؤدي إلى بعض العداء وأحياناً إلى اختلاق الأكاذيب أو إطلاق صور سلبية حول هذا الدين العظيم الذي يضم في كنفه أكثر من مليار ونصف المليار من المؤمنين في سائر أنحاء العالم.
واشار الى انه عادة ما تطالعنا مقولات تؤكد أن الإسلام غير قابل للتطور والاستجابة لحاجات العصر، مؤكدا ان العكس هو الصحيح وهذا ما يتضح من خلال دينامية التمويل الإسلامي ومدى مواءمتها لمتطلبات العصر.
صنع السياسات
وأكد د. أحمد رشاد الصفتي، باحث في «مركز الإمارات» في محاضرته، أن علم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد قد أثر في عملية صنع السياسات خلال العقود الثلاثة الماضية، من خلال إجراءات زيادة فعالية الأسواق، والضبط المالي، وأسعار الفائدة وأسعار الصرف المستندة إلى قوى السوق، وتحرير تدفق التجارة ورؤوس الأموال، والخصخصة وتحرير القطاع المالي، وهذه جميعها كانت عناصر ثابتة في برامج الإصلاح الاقتصادي التي اعتمدتها الدول النامية، مشيراً إلى أنه وبالرغم من أن هذه العناصر لا تعدّ بحدّ ذاتها خطأ، فإن الانتقاد الموجّه إلى عملية الإصلاح انصبّ في معظمه على «ما كان ينقصها» و»العلاج بالصدمة مقابل التدرُّج».
ثم ألقى الأستاذ عثمان عمر الحياة، مدير التمويل الإسلامي والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في «معهد المحللين الماليين المعتمدين» في المملكة المتحدة، محاضرة عن «التمويل الإسلامي والمسؤولية الاجتماعية» أكد فيها أن المقارنة بين المناهج المتّبعة في التمويل المعاصر بصيغتيه الأخلاقيتين الإسلامية والعلمانية، تكشف عن أن هناك كثيراً من أوجه الشبه وأوجه الاختلاف المهمّة في تفسيرات الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية. ووجه الشبه الرئيس هو، أن كلتا الصيغتين تهتمّ بالأعمال التي تتجنّب الضرر وتعود بالفائدة على المجتمع والبيئة، وتحول دون الإضرار بهما. أما الاختلاف الرئيس فهو أن التمويل الإسلامي -بسبب تحريم الربا- يهتم أيضاً بهيكلة التمويل التي لا تُعدّ همّاً أخلاقياً في الفلسفة العلمانية.
وقال الأستاذ عمر حياة: إننا نجد أن الأخلاق في الفلسفة العلمانية، مصدرها شخصي ومجتمعي معاً؛ ومن ثم فهي متغيرة مع تغير المكان والزمان. وربما لا ينطبق هذا بالقدر نفسه على التمويل الإسلامي؛ حيث الدّين هو مصدر الأخلاق، وما يتغيّر هو التفسير لا المصدر نفسه، ويتعيّن على المؤسسة التي تقدّم تمويلاً إسلامياً أن تلتزم التعاليم الدينية، مشيراً إلى أنه وبرغم أوجه التشابه والاختلاف هذه، توضّح الأدلة المتوافرة أن التحدّي الرئيس الذي يواجه كلتا الصيغتين الأخلاقيتين للتمويل الإسلامي والعلماني، هو الفجوة التي كثيراً ما تُلاحظ بين التوقعات المصاحبة لمسمّيات؛ مثل «أخلاقي» و»إسلامي» و»مستدام» و»مسؤول»، والممارسات الفعلية للمؤسسات المالية.
مستقبل التمويل الإسلامي
بعدها أوضح د. عبدالمولى الشعار، أستاذ وباحث في «المعهد العالي للأعمال»، بيروت (ESA) في محاضرته التي حملت عنوان» مستقبل التمويل الإسلامي والمسؤولية الاجتماعية» أن التمويل الإسلامي يشكّل اليوم، عنصراً جوهرياً في حقل المالية الحديثة. ولكنْ، أي تمويل إسلامي يمكننا الحديث عنه؟ فغالباً ما يُتناول هذا التمويل من الناحية الدينية، ويعدّ -من ثم- نوعاً من تعبير أيديولوجي أو أداة تتيح للمسلمين الأتقياء الانخراط في الخدمات المالية الحديثة، من دون مخالفة مبادئ الشريعة، مشيراً إلى أن هذه الرسالة الدينية جوهرية، ولكنْ، لا يمكن حصر التمويل الإسلامي فيها. والواقع أن دراسة هذا الحقل وتطوّره، تبيّن أن أي مؤسسة مالية ينبغي أن تضطلع، في آنٍ واحد، بمهام دينية وتقنية، وبمسؤولية اجتماعية؛ كي تعدّ إسلامية؛ فمن الأوفق تأكيد أن هذه المهام متغيّرة، وأن أمام أي مصرف إسلامي، الخيار في تفضيل إحداها أو بعضها على غيرها.
وأضاف الباحث: في زمن العولمة هذا، تبدو محدودةً فائدة التمويل الإسلامي الأيديولوجي المغلق المخصّص حصرياً للمستهلكين المسلمين. وبالمقابل؛ فإن احتمالات الخيار المسؤول اجتماعياً تبدو واعدة. إنه يلجأ إلى الشريعة وفلسفتها وأدواتها، ويجد تجسّده الطبيعي في مفاهيم المسؤولية الاجتماعية والتمويل المستدام، ويبرهن أن الأصول الأخلاقية يمكنها أن تكون مربحة، وتتيح للتمويل الإسلامي بسط أسواقه على قطاعات جديدة من الناس؛ ولذا، لم تتردّد بعض المصارف الإسلامية في الأخذ بهذا التحوّل، وهذه المصارف تؤكد اليوم- أولوية مهمّتها المسؤولة اجتماعياً.
وفي محاضرته التي حملت عنوان «نظم التمويل الإسلامي: التطبيقات والتحديات المستقبلية» قال د. هنري فيدي، خبير اقتصادي في مجلس أوروبا، أستاذ اقتصاد في «معهد الدراسات التجارية العليا»، باريس (HEC) إذا كانت فرنسا قد اكتشفت التمويل الإسلامي، فإن بريطانيا تطبّقه منذ عقد من الزمن، كما أن هذا المجال ليس بغريب على الولايات المتحدة.
مبادئ مهملة
وفي مواجهة الأزمة المالية وتحدّياتها (خاصة الاستجابة لمتطلبات السيولة)، أشار الباحث إلى أن التمويل الإسلامي لم يكن بمنأى عن ذلك، بل إنه اقترح -إضافة إلى المهمّة المتوافرة- نوعاً من تأمل المبادئ المهملة؛ كالقروض بالفائدة، و»المساهمة» السنوية في صناديق الضمان، ومنع خطر الخسارة... إلخ. ولذلك، لابدّ -أولاً- من العودة إلى التاريخ الطويل للتمويل الإسلامي، وتحديد أسسه، ومعرفة ما يميّز النظام المصرفي الإسلامي من النظام الأنجلو-ساكسوني المهيمن حالياً، وهو أمر يتيح لنا معرفة موضع التمويل الإسلامي اليوم في إطار النظام المالي العالمي، وكيف يمكنه أن يكون رداً على متطلبات السيولة في الدول التي أصابتها أزمة الدّيون الباهظة؛ فالوسائل التي يمتلكها، والأصول الأخلاقية التي يطوّرها، لابدّ أن تتيح له الاستجابة للحاجات المالية للعولمة خلال السنوات المقبلة، وإصلاح أخلاق عالم مالي نالته الأزمة والكوارث المتكرّرة للتمويل العالمي المتداول.
وفي الجـلسة الثانية التي ترأسها د. محمد عبدالرحمن العسومي، مستشار اقتصادي في «مصرف الإمارات الصناعي»، وحملت عنوان «الطلب على التمويل الإسلامي في اقتصاد اليوم»، أوضح مجيد صديق داود، المدير التنفيذي لـ «مؤسسة يسار المحدودة» في المملكة المتحدة: إننا نعيش اليوم، في عالم محفوف بالمخاطر عانى اضطرابات اقتصادية حادة، ولم تنجلِ حالة الشكوك وعدم اليقين بعد. ولقد شهدنا كوارث طبيعية على نطاق تصعب الإحاطة به، وظل خبراء العالم يبذلون جهداً إضافياً لمعالجة هذه المشكلات. وتم تحديد بعض الأسباب والنشاطات التي أدت إلى هذه الأحداث؛ من بينها، نشاطات يحظرها التمويل الإسلامي؛ وبناءً على ذلك، نتساءل: هل لنا أن نفترض أن التمويل الإسلامي يمتلك الحل لهذه المشكلات، أو بعض الحلول لها على الأقل؟ هذا استنتاج سهل ومريح، ولكنه في واقع الأمر، ينطوي على أكثر مما يبدو للعيان.
حاجة حقيقية
وأضاف الباحث: وبغض النظر عمّا سبق، فإن الحاجة الحقيقية إلى التمويل الإسلامي في اقتصاد اليوم، تنبع من حجم سوق «التمويل الإسلامي»، وهي التي تمثل حالياً نحو 1% من إجمالي التمويل العالمي. وهذه النسبة لا تمثّل مسلمي العالم البالغ عددهم 1.6 مليار مسلم، أو القوة الاقتصادية المحتملة الهائلة التي تمتلكها هذه المجموعة السكانية الكبيرة. ومن بين المسلمين، من هم أفقر سكان هذا الكوكب ومَن هُم أغناهم. وهناك نسبة كبيرة من المسلمين أشد فقراً، بحيث لا يمكنها الدخول في عمليات تمويل عن طريق المصارف، وهذه النسبة ذاتها تمثل سوقاً كبيرة محتملة.
وأشار الباحث داود إلى أنه ومع تزايد المطالبة بالمزيد من الشفافية وتطبيق إجراءات أكثر فاعلية لمحاربة غسل الأموال، أصبح من الصعب على الناس، مزاولة أعمال تجارية من خلال الوسائل التقليدية، وأصبحت الحسابات المصرفية أمراً إلزامياً، وهذا التطوّر، يؤدّي إلى المزيد من الدخول في عمليات التمويل؛ ومن ثم لابدّ من تلبية هذه الحاجة بين المسلمين؛ ولهذا السبب نشهد ازدياداً في عدد المناطق التي فتحت أبوابها للتمويل الإسلامي لإنشاء مؤسسات لتوفير هذه الخدمات.
بعدها ألقى د. ميشال رويمي، أستاذ اقتصاد في «المعهد العالي للتجارة» في باريس (ESCP) محاضرة عن «الطلب على التمويل الإسلامي في اقتصاد اليوم»، أوضح فيها أن بعض الأحداث والعوامل، تقود إلى التفكير في أن ثمّة تغييراً يحدث في البلدان الغربية، خاصة في فرنسا، يصل أثره إلى نمو النواتج المصرفية المطابقة للشريعة. والواقع أن سياق الأزمة، قد عزّز الشعور بضرورة إعادة التركيز على القيم الأخلاقية؛ وهكذا، برز -مؤخراً- بعض مقاربات الاستثمار التي كانت حتى ذلك الحين هامشية؛ استجابة للرغبة المتزايدة للعملاء الحريصين على رؤية مدخراتهم تستثمر في ركائز ذات توجّه أخلاقي متين؛ ومن ثم يتوصّل المستثمرون، إلى الاهتمام -اليوم- بمعايير مغايرة لتلك المرتبطة بعائدات الاستثمارات، وإعادة التفكير في استراتيجياتهم في عالم يبحث عن نظام أكثر أخلاقية.
وقد القيت خلال الجلسات الثلاث للندوة عدة محاضرات تناولت التمويل الإسلامي والمسؤولية الاجتماعية ومستقبل التمويل الإسلامي و»نظم التمويل الإسلامي .. التطبيقات والتحديات المستقبلية» و»الطلب على التمويل الإسلامي في اقتصاد اليوم و»أساسيات التمويل الإسلامي والأزمات المالية المستقبلية» و»التطبيقات العملية للتمويل الإسلامي في دولة الإمارات و»التطبيقات العملية للتمويل الإسلامي في فرنسا».

