ناقش مشاركون في ندوة استضافها، أمس، مركز دبي المالي العالمي، بوابة المال والأعمال التي تربط بين أسواق المنطقة الناشئة وأسواق أوروبا وآسيا والقارتين الأميركيتين، تحت عنوان «الاضطرابات العالمية والتحولات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المخاطر السياسية والاتجاهات والفرص الاستثمارية»، ناقشوا أبرز معالم وتحديات خريطة الطريق لدول الربيع العربي،

وفيما أكد عبدالله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي أن المركز مناط به أن يلعب دورا حيويا ومهما في اقتصاديات المنطقة، وذلك وسط حالة عدم اليقين التي تسود الأوضاع العالمية والإقليمية، حدد الدكتور ناصر السعيدي رئيس الدائرة الاقتصادية بالمركز احتياجات الفترة الانتقالية التي تجتازها دول الربيع العربي، وعدد إياها في 10 مجالات رئيسية من بينها مشروعات البنية التحتية والتعليم والمرأة، ودعا كل من البنك الدولي ووكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميغا) إلى تقديم الدعم لتأسيس سوق من الدرجة الثانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يعتزم المركز إطلاقها في العام الجاري، فضلاً عن المساعدة في تأسيس بنك عربي للإنشاء والتعمير يناط به مسؤولية مساعدة التنمية في الدول العربية على أسس مستدامة.

وجمع المنتدى أكثر من 100 خبير في مجال التنمية الاقتصادية والاستثمار من كبرى الشركات الإقليمية والدولية، والذين ناقشوا تأثير الاضطرابات العالمية على بيئة الاستثمار الإقليمية وآفاق التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كما سلط المنتدى الضوء على جملة من المواضيع المحورية بما فيها الاتجاهات الاستثمارية والتغيرات في تدفقات رؤوس الأموال والاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به اقتصادات المنطقة على الساحة الاستثمارية العالمية. وقيّم الخبراء أيضاً الوضع الراهن بعد مرور عام على بدء «الربيع العربي»، ونظروا في موضوع إدارة تأثير المخاطر السياسية على الاستثمار في ظل التغيرات التي تشهدها حكومات المنطقة».

 

دور إقليمي

وقال عبدالله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي، خلال كلمته الافتتاحية للمنتدى إن مركز دبي المالي شأنه شأن المؤسسات المالية الأخرى سوف يلعب دورا مهما وحيويا في تطوير اقتصاديات منطقة الشرق الوسط، وذلك في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأوضاع العالمية والإقليمية، منوها إلى أن الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص تقدم نموذجا للكيفية التي بها ساهم الاستثمار في البنية التحتية في تعزيز معدلات النمو، حيث ساهمت هذه الاستثمارات بشكل مؤثر في نمو الأعمال وخلق الثروة وتحقيق مزايا تنافسية على صعيد توفير بيئة مواتية للأعمال.

ورأى عبدالله محمد العور أن مركز دبي المالي يعد برهانا يوضح المساهمة الحيوية والمهمة للاستثمار في البنية في تحقيق النمو وتعزيز تنافسية الاقتصاد من خلال إرساء بيئة مواتية للأعمال.

 

تحولات

وتحدث عبدالله العور عن الربيع العربي بقوله: شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولات هائلة وسلسلة تغيرات سريعة في ظل بيئة من عدم الاستقرار العالمي. وتجسدت أبرز التطورات تأثيراً على آفاق المنطقة خلال عام 2011 في الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي وقعت في أعقاب الارتفاع الكبير في أسعار النفط والمواد الغذائية العالمية. وعلى الرغم من التبعات الإيجابية المتوقعة للربيع العربي على المدى الطويل، فقد شهدت المنطقة منذ بداية هذا العام ضغوطاً اقتصاديةً كبيرة سواء من الداخل أو الخارج. وبالتالي، تحتاج المنطقة إلى جدول أعمال إصلاحي واسع لإعادة إعمار البلدان المتضررة وتحفيز النمو الاقتصادي العضوي.

وأضاف: «يعدّ تطوير البنية التحتية أهم عوامل النمو الاقتصادي العام، وبالتالي يكتسب أهمية خاصة في المنطقة التي تحتاج لدارسة دقيقة لتحديد الفرص وإدارة المخاطر الاستثمارية فيها. ويعكس هذا المنتدى التزام مركز دبي المالي العالمي بدعم تنمية وتطوير الاقتصادات المحلية والإقليمية».

 

مطالبات

وأوضح عبدالله العور أن المنطقة شهدت في العام الماضي تغييرات تتعلق بالمطالبات الخاصة بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية، مشيرا إلى أن المنطقة تمر بمرحلة تحولات ضخمة، وما واكبها من بروز بيئة عالمية يسودها عدم اليقين، فعلى سبيل المثال، تأثرت إصدارات الديون السيادية بالتطورات الجارية في منطقة اليورو، واستمرت كذلك التقلبات تهيمن على أسواق المال العالمية بما في ذلك أسواق السلع،

وتابع قائلا: لا يوجد اختلاف في الرأي بشأن الفوائد الطويلة الأجل للربيع العربي، ورغم الضغوط الاقتصادية وهيمنة عدم اليقين، إلا أنه من غير الممكن إغفال أن التغييرات التي تشهدها المنطقة سوف تقود إلى مستقبل أفضل، كما أن هناك الكثير من التقييمات التي تتنبأ بأن عام 2012 سوف يمثل امتداداً للعام السابق عليه، من حيث استمرار عام عدم اليقين السياسي وانطواء الاقتصاد العالمي على الكثير من التحديات.

 

البطالة

وعدد عبدالله العور مجالات الاستثمار الواعدة في المنطقة بإشارته إلى أن عدم الاستقرار الإقليمي ناجم عن العديد من الأسباب، من بينها البطالة، ومحدودية النفاذ إلى خدمات قابلة لتحمل تكاليفها، إلى جانب محدودية النفاذ إلى خدمات التعليم والرعاية الصحية، ولفت إلى أن هناك حاجة لتوفير هذه الخدمات، ومن ثم، سوف يلعب الاستثمار في هذه القطاعات دورا بالغ الأهمية في إرساء أسس النمو المستقبلي.

ورصد العور مجالاً آخر للاستثمار وهو الاستثمار في التعليم وتطوير المهارات والعقول والخبرات، مشيرا إلى أنه من المستوجب توجيه قدر من الاستثمارات إلى تطوير قطاع التعليم، وذلك بهدف ضمان موائمة التعليم مع احتياجات السوق في المستقبل، مشيرا إلى أن الاستثمار في البحوث والتطوير يعد عاملاً حيوياً ومهماً في إرساء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة، كما أنه من المهم أن توجه الحكومات قدرا من الاستثمارات إلى تطوير المشروعات الصغيرة، ويعد كذلك إرساء الحوكمة الرشيدة القائمة على المحاسبة والمسؤولية عاملا حيويا في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

 

10 مجالات للدعم

ومن جانبه، رصد الدكتور ناصر السعيدي رئيس الدائرة الاقتصادية بسلطة مركز دبي المالي العالمي احتياجات الفترة الانتقالية التي تجتازها دول الربيع العربي، وعدد إياها في 10 مجالات رئيسية تتمثل في التالي:

أولا: إعادة تأطير العلاقات التجارية والاستثمارية للدول العربية باتجاه الشرق، وذلك بما ينسجم مع تحول الخريطة الاقتصادية العالمية وانتقال مراكز الثقل الاقتصادي العالمي إلى الشرق.

ثانيا: إرساء تكامل اقتصادي إقليمي حقيقي فيما بين الدول العربية مع بعضها البعض، وما يلازم ذلك من تشجيع انتقالات العملة ورؤوس الأموال عبر المنطقة، وهو ما يستوجب أن يعمل كل من البنك الدولي ووكالة ميغا من منظور إقليمي، سواء من ناحية المشروعات أو الاستثمارات.

ثالثا: تطوير الأنظمة التعليمية بما يلائم احتياجات الأسواق، حيث يبلغ متوسط البطالة بين الشباب في العالم العربي 25 %، كما أن أعداد الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما يشكلون 60 % من إجمالي عدد السكان في العالم العربي، ولذلك، فثمة حاجة لإقامة مدارس وجامعات جديدة تفكر من منظور احتياجات الأسواق.

رابعا: زيادة مشاركة المرأة في العمل، حيث إنها لا تشارك بفاعلية ضمن قوة العمالة في العالم العربي، فمتوسط مشاركتها يبلغ 26 %، وهو اقل من نصف متوسط مشاركة المرأة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وإذا ما تم زيادة مشاركة المرأة في العالم العربي إلى نفس المستوى فيمكن زيادة الناتجة المحلي الإجمالي العربي بنسبة 20 %. خامسا: التنويع الاقتصادي، حيث ما زالت الاقتصاديات العربية تعتمد بشكل كبير على الموارد الطبيعية.

سادسا: تطوير دور الدولة، فعلى خلاف التوجه الذي كان سائدا في السابق والداعي إلى تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، أضحى الآن مطلوبا أن تلعب الدولة دورا ضخما في توفير فرص العمل، وهو أمر يستلزم تعظيم مشاركة القطاع الخاص والأعمال العائلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

سابعا: تطوير أسواق عملات محلية، ويعد هذا المطلب مهما، حيث إن الدول العربية غنية بمواردها المالية واستثماراتها الخارجية، وبالتالي، فإن تطوير أسواق عملات محلية من شأنه أن يوفر الحماية لهذه الاستثمارات ويشجعها على التوجه إلى الداخل عوضا عن الخارج.

ثامنا: تطوير إمكانيات وقدرات المؤسسات، وهو أمر من شأنه أن يعظم قدرة هذه المؤسسات على إدارة تحديات المرحلة الانتقالي.

تاسعا: إصلاح الأوضاع المالية، وذلك لتقليل الاعتماد على العائدات النفطية.

عاشرا: الحوكمة الرشيدة، وهي عملية تستغرق بعض الوقت.

 

قائمة المتحدثين

تضمنت قائمة المتحدثين في المنتدى كلاً من عبدالله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي؛ وميشيل ورمزر، نائب الرئيس والمدير التنفيذي للعمليات في وكالة ميغا؛ وخميس الجزة، مدير العمليات في المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات؛ ومؤيد مخلوف، مدير في مؤسسة التمويل الدولية؛ والدكتور ناصر السعيدي، رئيس الشؤون الاقتصادية في مركز دبي المالي العالمي؛ والدكتور وليد عبدالوهاب، مدير قسم البنية التحتية في البنك الإسلامي للتنمية؛ والدكتور يسار جرار، شريك في برايس ووترهاوس كوبرز؛ والدكتورة إلهام قادري، مدير عام شركة داو كيميكال؛ وإديث كوينترل، مدير العمليات في وكالة ميغا؛ ونارايانان راجاغوبالان، الشريك ورئيس قسم المخاطر والامتثال في شركة أبراج كابيتال؛ والدكتور فابيو سكاسيافيلاني، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى صندوق عمان للاستثمار؛ ورافي سوري، المدير التنفيذي لستاندرد تشارترد؛ ورافي فيش، كبير الاقتصاديين ومدير قسم الاقتصاد والسياسات في وكالة ميغا؛ وسيمون وليامز، كبير الاقتصاديين في منطقة الخليج في بنك إتش إس بي سي.

شراكات لتعزيز الاستثمارات البينية في المنطقة

 

 

 

حدد الدكتور ناصر السعيدي مجالات العمل مع وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميغا) بأنها تشتمل أولاً تعزيز الاستثمارات البينية في المنطقة والعمل مع الشركات الإقليمية المتعددة الجنسيات كاتصالات وأعمار، ثانيا: التركيز على البنية التحتية، وذلك بالنظر إلى تعرض البنى التحتية في عدد من الدول للكثير من الأضرار، ثالثا: التركيز على المشروعات الصغيرة، حيث يعتزم مركز دبي المالي خلال العام الجاري إطلاق سوق من الدرجة الثانية لإصدارات الشركات الصغيرة والمتوسطة، رابعا: المساعدة في تطوير حلول تمويلية إقليمية، من بينها المساعدة في تأسيس بنك عربي للإنشاء والتعمير تكون مهمته مساعدة دول المنطقة في خططها التنموية على أسس مستدامة.

وتوقع الدكتور ناصر السعيدي أن تكون الفترة الانتقالية لدول الربيع العربي طويلة نسبيا بالقياس إلى خبرات دول وسط وشرق أوروبا، مشيرة إلى أن الفترات الانتقالية ربما تستهلك جيلا كاملا، وأنه ليس بالضرورة أن تكلل جميع الفترات الانتقالية في العالم العربي بالنجاح.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن المنطقة العربية ليست ضمن خريطة اهتمامات مؤسسة التمويل الدولية ووكالة ميغا، ودلل على ذلك بأن 5 % فقط من المحفظة الاستثمارية لهاتين المؤسستين موجودة في الشرق الأوسط.

وقال ميشيل ورمزر، نائب الرئيس والمدير التنفيذي للعمليات لوكالة ميغا: «يعدّ الاستثمار الأجنبي المباشر عاملاً رئيسياً لخلق فرص العمل والتي تشكل بدورها العمود الفقري للتنمية في المنطقة. وساهم هذا المؤتمر في فتح أبواب النقاش بين نخبة من خبراء الاقتصاد حول كيفية تبديد مخاوف المستثمرين وتعزيز ثقتهم بجدوى مخططاتهم الاستثمارية في المنطقة».

وبدوره قال الدكتور عبدالرحمن طه، الرئيس التنفيذي للمؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات: «تشير الأحداث في المنطقة بوضوح إلى أهمية التأمين ضد المخاطر السياسية في سياق جذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلدان الأكثر حاجة لها. وأنا على ثقة بأن هذا الحدث قد ساهم بشكل كبير في توعية الجهات المعنية حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات مثل وكالة ميغا والمؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات في دعم استثماراتها. وستزداد أهمية التأمين ضد المخاطر السياسية في ظل المناخ الاقتصادي والسياسي العام، حيث تعمل على سد الفجوة بين إمكانيات المستثمرين ورغبتهم باستثمار رؤوس أموالهم».