انخفض مؤشر سوق الإمارات المالي خلال هذا الأسبوع بنسبة 1.58% ليغلق على مستوى2.296.10 نقطة وشهدت القيمة السوقية انخفاضاً بقيمة 5.46 مليارات درهم لتصل إلى 339.44 مليار درهم وقد تم التداول بقيمة إجمالية أسبوعية بلغت 0.56 مليار درهم توزعت على 8.794 صفقة.
وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي إن الأسواق لن تتغير في المدى القصير ما لم يتغير السلوك الاستثماري للمتداولين، مشيراً إلى أنه لم يتميز أداء الأسبوع الماضي بالجديد الذي قد يعطي الأسواق دفعة تجعلها تتخلى عن المسار المضطرب الذي يعتمد على الحظ في المضاربة اليومية، فالأسواق تفتح يومياً على تسابق أم على البيع أو على الشراء يتحدد في النصف ساعة التي تسبق الافتتاح. وقد استمرت التداولات على نفس مسار الأسابيع الماضية من حيث انخفاض قيم التداولات والتذبذب السعري في نطاق ضيق.
فبعد أن تخلى المضاربون عن التحليل الأساسي واكتفوا بمراقبة الأحداث وما يمكن أن يكون لها من تأثير على الأسواق معتمدين على حظوظهم، أصبحت سمة التداولات اليومية هي الرتابة المملة والتباطؤ المتزايد مع تزايد صعوبة البيع والشراء بالسرعة والكميات التي تجتذب المستثمرين. الأسواق فقدت المرونة التي تمكنها من اجتذاب المستثمرين من ذوي النظرة المستقبلية بعيدة المدى. فمثل هذه الشريحة التي يمكن أن تستفيد من الرخص المطلق للأسهم الإماراتية، تشعر أن فقدان الأسواق لمرونتها هي عائق أساسي أمام الاستفادة من الخصائص والمزايا التي تتوفر في الأسواق الإماراتية.
آفاق المستقبل
النظرة المستقبلية الواعية اقتصادياً للأسواق يمكن أن تؤشر لآفاق المستقبل للأسهم الإماراتية آخذين في الاعتبار تجاوز المشكلات الحالية التي تواجه الاقتصاد الإماراتي ومشكلات شح السيولة كونها حالة يجب أن تنتهي بزوال أسبابها والعوامل التي أدت إليها. ووفقاً لنظرة مستقبلية واعية يجب أن لا ينظر إلى الأسهم الإماراتية بمعزل عن البنية التحتية لاقتصاد الدولة والعمق النوعي لهذا الاقتصاد.
فالأزمة الحالية وإن طالت وقد تطول لأكثر مما مضى إلا أنها لا بد وان تنتهي مستقبلاً في اقتصاد يتمتع بكل مقومات الاستدامة الكامنة. غير أن عدم مرونة الأسواق التي تحول دون امكانية إعادة بناء المراكز الاستثمارية والمناورة في الأسهم وفق المتغيرات قصيرة الأجل هو ما يحول دون استقطاب المستثمرين طويلي الأجل. ولعل هذا السبب الذي يحول دون دخول مستثمرين جدد للأسواق. غير ان تجاوز النظرة السلبية للاستثمار بعيد المدى قد يخلق بدوره درجة أعلى من المرونة في الأسواق.
حالياً لم يعد أحد من المتداولين ينقب في هذه الأكداس من الأسهم الرخيصة على فرص استثمارية. فالكل منشغل بربح اليوم ولسان حاله يقول (غد بظـــهر الغـــيب والــــيوم لي وكم يخيب الظـن في المقــــبل). الكل ينسى أو يتناسى حقيقة أن تحت ركام الأزمة المالية توجد الفرص الاستثمارية لمن يكتشفها كما يتناسون حقيقة أن ظهير هذه الأسهم ثاني اكبر اقتصاد عربي وأول اقتصاد عربي من حيث كفاءة تطوره في العقود الثلاث الماضية.
كما يتناسون المقولة الشهرية «اخرجوا من الأسواق عندما تصدح الموسيقى وادخلوا عندما تنطلق أصوات المدافع». هذه المقولة تعني أن الأسواق يمكن أن تهبط بقوة عندما تكون الأجواء الاستثمارية مزدهرة في أوجها والسوق في ارتفاعات متواصلة حيث يمكن أن يحدث التصحيح بقوة. أما عندما تكون هناك أزمة وتكون الأسواق في تراجع والمؤشر في مستويات منخفضة، فإن الارتداد يكون أمراً متوقع الحدوث عاجلاً أم آجلاً.
مزايا الأسواق
وقال الشماع: ان ما يحول دون استفادة المستثمرين بعيدي المدى من مزايا الأسواق الإماراتية يتمثل إذاً بغياب المرونة التي يمكن التعبير عنها بانخفاض قيمة الصفقة الواحدة كمتوسط حسابي حالياً إلى مستوى 63.5 ألف درهم لكل عملية بيع وشراء في 2011 هبوطاً من متوسط يزيد على 165 ألف درهم للصفقة الواحدة في 2008 يؤشر الى هشاشة وضع السوق والشح الاستثنائي في السيولة المتداولة والتناقص المتزايد لاعداد المتداولين في صالات التداول سواء في الأسواق ذاتها أو صالات شركات الوساطة والتي كانت مهيئة لاستيعاب عشرات الألوف من المتداولين. وهذا يعني ان المتوسط الحسابي لصفقة الشراء أو البيع لحالهما لا تزيد على31 ألف درهم بعد أن كان متوسطها يزيد عن 82 ألفاً.
فشح السيولة أفرغ الأسواق من المستثمرين وأبقى على شريحة المضاربين اليوميين والذين يتداولون بأموال محدودة وبأموال لا يمتلكونها وبما يجعل تداولاتهم وكأنها دوران في الفراغ. فهم يشترون ليعاودوا البيع في نفس الجلسة وبأحسن الأحوال في الجلسة التي تليها. ولعل التداول المضاربي هو ما يفسر الاستقرار النسبي للمؤشر العام لسوق الإمارات والذي لم يخسر منذ نهاية 2008 وحتى نهاية 2010 سوى نسبة 9.5% من قيمته فيما خسرت قيمة التداولات نسبة 90% من قيمتها لذات الفترة منذ نهاية العام 2008 . ومنذ أن فقد المؤشر العام لسوق الإمارات نسبة 60% من قيمته في نهاية 2008 فاقداً 3686 نقطة في غضون سبعة أشهر، عاد ليتماسك تقريباً خلال السنوات الثلاث 2009 2010 و 2011.
وهذا يشكل دليلاً على أن التداولات التي تمت بعد 2008 لم تكن سوى مضاربات يومية لا تعكس القيمة الحقيقية للأوراق المالية المتداولة. قيمة الصفقات التي تصغر سنة بعد أخرى تدريجياً أصبحت هي المتحكم الرئيسي بأداء الأسواق.
وكلما صغرت الصفقات كلما أصبحت السوق قليلة المرونة في التجاوب مع رغبات المتداولين وكلما زاد ابتعاد المستثمرين قصيري الأجل واقتصر التداول على المضاربين اليوميين والذي بدوره يؤدي إلى تناقص قيمة الصفقات. وبهذا فإن شح السيولة وما تخلقه من آليات للمضاربة في التداول اليومي، يدفعان الأسواق تدريجياً نحو الانزلاق وفقدان جوهرها كأداة للتوسط بين المدخرين والمستثمرين.
شح السيولة الذي يدفع باتجاه تراجع قيمة الصفقات، يجعل المضاربين يتعاملون بكل حذر في حالة وجود محفزات وبكل الهلع في حالة وجود مخاوف، البيانات التي صدرت عن المركزي الإماراتي للفصل الثالث لا تدعو للتفاؤل وقد أذنت بدق ناقوس الخطر من قبل أسواق الأسهم بسبب تراجع الودائع والتي أدت إلى تراجع السيولة التي يُعبر عنها بعرض النقد الواسع والذي تراجع أحد أهم مكوناته الرئيسية المتمثل بشبه النقد وهو الودائع الثابتة أو الزمنية وبنسبة 4.3% .
تراجع السيولة الكلية في الإمارات يقابله تحسن في البيانات الخليجية المناظرة والتي لم تظهر تراجعاً في السيولة، وهو ما يؤشر الى ان الحالة هي إماراتية وليست عامة، بل على العكس فقد ارتفع عرض النقد الواسع في السعودية بنسبة 0.68 % والكويت بنسبة 1.64% وقطر بنسبة 4.68% وارتفع بنسبة 5.62% في سلطنة عمان.
النظام المالي
وبغض النظر عن الجهة التي تقوم بسحب الودائع وخصوصاً الثابتة والتأثير سلباً على المعطيات النقدية والسيولة الكلية فإن المخاطر التي تترتب على استمرار تراجع مستويات السيولة وجفاف مصادر السيولة في النشاط الخاص، لا تقتصر على أسواق الأسهم وإنما تنسحب على النظام المالي بأسره. فالمصارف مدينة بإصدارات سابقة من الصكوك والسندات استحق منها ما قيمته 7.4 مليارات درهم في 2012 في الوقت الذي لا تزال فيه القروض تتفوق على الودائع.
وهذا ما يجعل المصارف بين نارين، نار الوفاء بالتزاماتها ونار تسييل الأصول الضامنة لمئات المليارات من القروض. تسييل الأصول المتمثلة بالعقارات والأسهم المرهونة لديها، يشكل كارثة على المصارف نفسها قبل الاضرار التي تصيب الاقتصاد والمدينين. ان اكبر خطر يتهدد الاقتصاد والنظام المالي هو قيام المصارف بتسييل الأصول سواء كانت أسهماً أو عقارات.
هذا الشيء لم يحدث حتى الآن على الأقل منذ أن توقفت موجة التسييل القوية التي أعقبت ليمان برذرز. وفي ظل هذا التدني لمتوسط قيمة الصفقات والناجم عن شح السيولة، فإن المصارف لن تسترجع في حالة قيامها بالتسييل سوى جزء قليل جداً من القروض التي منحتها برهن العقار والأسهم الأمر الذي سيضطرها لتجنيب مخصصات ديون، ستعتبر بعد التسييل معدومة. وفي هذه الحالة فإن قيمة المخصصات التي يتوجب تجنيبها قد تتجاوز عشرات المليارات وهذا بحد ذاته سوف ينعكس على الملاءة المالية للمصارف وعلى مستويات السيولة لديها الأمر الذي سيعرضها لمزيد من الضغوط على الودائع والتي قد تتناقص مرة أخرى بفعل المخاوف من مخاطر نظامية قد تتعرض لها المصارف.
ومرة أخرى فإن تراجع الودائع وخصوصاً الثابتة سيؤثر سلباً على عرض النقد الواسع وعلى مستويات السيولة في الاقتصاد ويعمق بالتالي الضغوط الانكماشية في القطاع الخاص. تراجع مستويات السيولة مجدداً بسبب ما ذكرناه سيؤثر بالتأكيد على أسعار العقارات والتي إن استمر تراجعها فسينعكس مجدداً على المصارف التي ستضطر مجدداً لأخذ المزيد من المخصصات وهكذا فنحن أمام دورة اقتصادية مترابطة العلاقة السببية بينها منكمشة باستمرار نحو داخلها بصورة حلزونية، ما لم يتم قطع دابر العلة الرئيسية وهي شح السيولة.
الودائع الثابتة للمقيمين
التراجع في قيمة الودائع الثابتة للمقيمين خلال الفترة من ابريل وحتى نوفمبر الماضي بمقدار 31.8 مليار تقابله زيادة في ودائع المقيمين منذ نوفمبر 2010 وحتى ابريل 2011 بمقدار 36 ملياراً، يعني ان بعض المقيمين قاموا بسحب ودائعهم إلى الخارج بعد أن أدخلوها للدولة. الزيادات المهمة في ودائع المقيمين بدأت منذ يناير 2011 ووصلت أوجها في فبراير واستمرت بالتدفق على الدولة حتى ابريل ولكنها عكست اتجاهها نحو الخروج من الدولة في مايو ويوليو بعد أن بدأ شعور بعدم وجود نية في تجديد ضمان الودائع.
وخلال فترة تزايد الودائع الثابتة، توسعت المصارف في منح القروض التي ازدادت بمقدار بمقدار 43.2 ملياراً وبما أعاد الفجوة بين القروض والودائع المتراجعة إلى قرابة العشرين ملياراً في نوفمبر الماضي. ورغم أن هذه الحالة كانت قد حدثت في 2008 عندما تم سحب ودائع غير مقيمة كانت أموالاً ساخنة، إلا أن المصارف لم تتعظ ولم تستفد من درس 2008 وتوسعت في إقراض كيانات حكومية. لقد كان من المفروض أن تتم التهيئة لحلول مستدامة لمشكلة ضمان الودائع من خلال مؤسسة تقوم بالتأمين على الودائع على غرار ما هو موجود في العديد من بلدان العالم المتقدم ولكن يبدو أن هذا الحل الذي يؤثر على ربحية المصارف لم يلق الكثير من القبول والدعم.
