انخفض مؤشر سوق الإمارات المالي خلال هذا الأسبوع بنسبة 0.36% ليغلق على مستوى 2.333.07 نقطة وشهدت القيمة السوقية انخفاضاً بقيمة 1.24 مليار درهم لتصل إلى 344.90 مليار درهم وقد تم التداول بقيمة إجمالية أسبوعية بلغت 380 مليون درهم توزعت على 6218 صفقة.
وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع، في تقريره الأسبوعي إنه مع استمرار تراجع قيم التداول، استهلت الأسواق عامها الجديد بجني أرباح مضاربية في كلا السوقين. فقد كانت الارتفاعات القوية في آخر يومين من العام المنصرم مجرد دخول لمضاربين أرادوا الاستفادة مما تسرب من أخبار في يوم الأربعاء عن قرار حكومة أبوظبي شراء أصول من شركة الدار العقارية. وكان ارتفاع سوق دبي بنسبة تزيد على 2% دليلاً على أن ذلك الدخول لم يكن سوى مضاربات على خبر لم يتم إعلانه رسمياً بعد. حتى سهم الدار الذي يفترض أن يكون قد تعافى بعد صدور القرار، خضع للمضاربة خلال الأسبوع فقد تذبذب سعره بعد الافتتاح يوم الاثنين ليقفل على ارتفاع أقل مما يفترض أن يكون عليه الحال وليواصل التراجع في جلسة الثلاثاء ويستمر في التذبذب بين الارتفاع والتراجع دون أن يحقق ارتفاعات ملموسة تتناسب مع أهمية الخطوة التي اتخذتها حكومة أبوظبي في انتشال الشركة من وضعها الغارق في الديون. وبهذا فلا يمكن اعتبار ان ارتفاع السوق يوم الثلاثاء تحسن في الأداء بقدر ما يعبر عن انتهاز المضاربين لفرصة ارتفاع الأسواق العالمية لشراء بعض الأسهم بهدف إعادة بيعها في يوم الأربعاء. وبهذا تتجه أسواق الدولة للتحول تدريجياً وبصورة كاملة من سوق مالية بما تعنيه الكلمة من مكان لتداول الأموال طويلة الأجل وتوسط انتقالها من المدخرين للمستثمرين، للتحول إلى ما يشبه نادي المقامرة يرتاده يومياً عدد محدود من الأشخاص ينتظرون أن يحالفهم الحظ في تحقيق أرباح بعضهم على حساب البعض الآخر.
واشار الى ان أوضاع وأداء السوق خلال الأسبوع والتراجع المفزع في قيم التداول تؤشر الاتجاه الهبوطي للأسواق التي يغيب عنها المستثمرون وتتراجع فيها مستويات السيولة بصورة جلية.
تراجع المؤشرات المصرفية
شح السيولة الذي ينفيه العديد من المسؤولين عن القطاع المالي والنقودي يتصاعد مع استمرار تراجع المؤشرات المصرفية والتي من أهمها استمرار تراجع الودائع بنسبة 6.6% في نوفمبر بالمقارنة مع شهر ابريل من العام الماضي والتي انخفضت بمقدار 74.5 مليار درهم كنتيجة لتراجع ودائع الحكومة بمقدار 37.9 مليار درهم وتراجع ودائع المقيمين الثابتة والادخارية بمقدار 31.8 وودائع غير المقيمين بمقدار 4.8 مليارات درهم. وقد تزامن تراجع الودائع مع تزايد القروض التي تمنحها المصارف بمقدار 1.9% خلال الفترة من ابريل 2011 الى نوفمبر حيث ارتفعت بمقدار 20.4 مليار درهم وهو ما أعاد الفجوة بين القروض والودائع الى 20.7 مليار في نوفمبر بعد أن كانت الودائع في ابريل اكبر من القروض بمقدار 74.2 مليار. ورغم هذه المؤشرات المصرفية السلبية فلا نزال نسمع تصريحات منافية للواقع والحقيقة من قبل بعض الأشخاص الذين يمثلون منظمات دولية في المنطقة، حيث نفوا أن تكون الإمارات ودول مجلس التعاون تعاني أزمة سيولة متغاضين عن حقيقة تراجع الفجوة بين القروض والودائع واقترابها من مستويات ما قبل سنتين. ورغم التحسن الطفيف في الودائع الحكومية لشهر نوفمبر بنسبة 1.4% عن شهر أكتوبر والذي بلغت قيمته 2.2 مليار درهم ورغم الزيادة في الودائع النقدية (تحت الطلب) بمقدار 4.6 مليارات في نوفمبر بالمقارنة مع أكتوبر إلا أن ودائع غير المقيمين قد تراجعت بمقدار 13.2 مليار درهم والتي يمكن احتسابها وفقاً للمعادلة التالية
"NoR ="D-"Gv-"Cr-Qs
Gv
D
= ( 2.6 + 4.6 -2.2) ذ 9 = -13.2. 39.7 17.1 59.8 1113.6 1053.8 2011 123.3 83.6.
سحب الودائع
تواصل سحب الودائع من الحكومة ومن المقيمين في يونيو ومن غير المقيمين ابتداء من أغسطس، يضعنا أمام حقيقة أن سحب السيولة وبغض النظر عن الجهة التي تقوم بسحبها من الدولة، يعمق من مشكلات الاقتصاد الوطني. فبسبب تراجع الودائع تضطر المصارف للاعتماد على سيولة متأتية من احيتاطياتها ورؤوس أموالها لتلبية احتياجات التمويل من القروض والسلف (وفقاً لتصريحات معالي محافظ المصرف المركزي)، وهذا بدوره يدفع المصارف لممارسة المزيد من الضغط على القطاع الخاص من شركات وأفراد لرفع مستوى أرباحها وبما يضمن لها تمويل الفجوة المتنامية بين القروض والودائع والممولة من الاحيتاطيات أو من رأس المال. فقد أظهرت استطلاعات إعلامية أن الفائدة التي تتقاضاها المصارف على بطاقات الائتمان هي الأعلى خليجياً حيث تصل إلى نسبة 35% سنوياً وبما يؤدي إلى زيادة التدفقات النقدية الخارجة من القطاع الخاص لدفع الفوائد المتحققة على رصيد قروضه مقابل تناقص التدفقات الداخلة إليه من القروض الجديدة. تمويل القروض الجديدة للكيانات المرتبطة بالحكومة وللشركات العامة بالاعتماد على المتراكم من رساميل المصارف واحيتاطياتها والمتأتية بدورها من موارد القطاع الخاص، يعمق الآثار الركودية في هذا الأخير.
مشكلات السيولة
مخاطر تعمق مشكلات السيولة لا تقتصر على الانعكاسات المباشرة على المصارف وإنما أيضاً بالآثار غير المباشرة عبر استمرار تراجع قيم الأصول الضامنة لعدة مئات من القروض الممنوحة بضمان عقارات أو أسهم. فتراجع السيولة وشحها سيؤدي إلى المزيد من التراجع في أسعار العقار والأسهم والتي يعجز حاملوها عن تسيد التزاماتهم للمصارف، فيما تتريث المصارف لحد الآن في تسييل هذه الأصول لإيفاء الديون لكونها تدرك أن التسييل أمر غير ممكن في الوقت الحاضر وأنه سيلزمها بأخذ مخصصات عندما لا تستوفي من قيمة ما يمكن تسييله سوى النزر القليل. فالتسييل في سوق الأسهم قد يستغرق اشهراً في حالة قيام البنوك بعرض ما لديها لبيع أسهم مرهونة. فالمشترون المحتملون هم مجرد مضاربين يشترون اليوم إذا استشعروا اتجاهاً صعودياً للسوق، لغرض البيع في اليوم التالي وهو ما يعني أن السيولة التي يتعاملون بها محدودة تماماً. وكلما توغلت المصارف في البيع قلت سيولة السوق وأصبح البيع أكثر بطئاً وأكثر صعوبة وبأسعار متدنية ما يدفع المضاربين للامتناع عن الشراء بل تحولهم لمنافسين للمصارف على تسييل ما لديهم. وبافتراض قيام المصارف بعرض كل ما لديها من أسهم للبيع، فليس من المتوقع أن تجني سوى مبالغ زهيدة جداً من اصل قروض بعشرات المليارات. وفي هذه الحالة عليها أن تجنب مخصصات بعشرات المليارات فقط مقابل الأسهم المرهونة والتي تحولت الى ديون معدومة بعد محاولة تسييلها. في سوق العقار الأمر أكثر صعوبة إذا ما قامت المصارف بعرض العقارات المرهونة في المزاد حيث ستنعكس أسعار المزادات المتدنية على أسعار العقار في السوق المباشرة وهو ما يؤدي لا سمح الله لانهيار كامل في أسعار العقارات، ما يتطلب من المصارف أخذ مخصصات بعشرات المليارات. فالقروض الممنوحة برهن عقاري تزيد على 161 مليار وفق آخر نشرة إحصائية صدرت عن المركزي لشهر يونيو الماضي وهذا الرقم من القروض بضمان العقار تضاعف قرابة الثلاث مرات منذ نهاية 2007. أي أن المصارف قد أقرضت 70 مليار في 2008 برهن العقار و16 مليار في 2009 و21 مليار في 2010 فيما كانت محصلة رصيد القروض برهن عقاري في يونيو 2011 هي - 3 مليارات. تجنيب مخصصات بهذا القدر الهائل سيضرب رأس المال والاحتياطيات (Total Private Funds) والتي وصلت قيمتها إلى 262.4 مليار درهم.
المصارف لن تقدم على تسييل الأصول في الزمن المنظور على الأقل
قال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع، إنه من الواضح أن المصارف لن تقدم على تسييل الأصول بصورة جمعية على الأقل في الزمن المنظور ومن الواضح أيضاً أن المدينين بدؤوا شيئاً فشيئاً يدركون هذه الحقيقة في الوقت الذي تتزايد فيه معاناتهم ومشكلاتهم المالية نتيجة لاستمرار دفعهم الفوائد المرهقة للمصارف عن رصيد قروضهم من جهة ونتيجة لتراجع عوائد أنشطة أعمالهم من جهة أخرى. لذا فمن المتوقع أن يرتفع بصورة متزايدة أعداد المتعثرين في السداد سواء عن تعمد أو عن عجز عن الوفاء بالالتزامات. وهنا قد نعود للمربع الأول عندما اضطرت الحكومة الاتحادية لدعم رؤوس أموال المصارف بخمسين مليار درهم. هذه المرة سيكون الدعم المطلوب اكبر بكثير إذا ما توقف المدينون عن دفع الفوائد وقامت المصارف بعرض الأصول العقارية على الأقل في المزاد. تعرض المصارف للمخاطر النظامية قد يكون أسرع من إجراءات الحكومة لدعم الشق الثاني من رأس المال وحينها قد نشهد، لا سمح الله، تراجعاً هائلاً في الودائع قد تعجز حتى الإجراءات الحكومية عن إزالة آثاره المدمرة اقتصادياً.
هذه المخاطر الكبيرة التي تتهدد اقتصاد الدولة لا تتناسب في الواقع مع الإمكانات المالية الضخمة لدولة الإمارات. فوفقاً لمسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لدى صندوق النقد الدولي، فإن الإمارات قد حققت فوائض مالية خارجية ضخمة في 2011 نتيجة لارتفاع الإنتاج، بسبب رغبتها في الحفاظ على استقرار أسواق النفط العالمية والتعويض عن نقص الإنتاج في مناطق أخرى وكذلك بسبب ارتفاع الأسعار لما فوق المائة دولار وهو أعلى معدل سعري للنفط على الإطلاق في التاريخ.
ويمكن تقدير قيمة هذه الفوائض من خلال استخدام بيانات التجارة الخارجية كبديل لعدم توافر بيانات ميزان الحساب الجاري وبيانات ميزان المدفوعات، حيث يظهر أن قيمة الفوائض الخارجية التي أشار إليها مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لدى صندوق النقد الدولي هي 110 مليارات درهم (الجدول أدناه) وهذه وحدها كفيلة في حالة إنفاقها داخل الاقتصاد الإماراتي بحل جزء كبير من المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد والتي تتمثل كما أشرنا إليها مراراً بتقلص دورة الأعمال معبراً عنها بتراجع النمو الاقتصادي محسوب بأسعار ثابتة للعام 2000 من دون قطاع النفط.
وفي نفس الوقت الذي يحتاج فيه اقتصاد الدولة لإنفاق حكومي متزايد ممول بموارد غير مقتطعة من دورة الدخل (متأتية من قطاع النفط الخام أو من خلق السيولة) وذلك لتعويض الدورة الاقتصادية، في هذا الوقت يتقلص الإنفاق الحكومي على قطاع الإنشاءات في الدولة وفقاً لتقرير صادر عن وكالة التصنيف الائتماني فيتش، يوم الأربعاء والذي لاحظ خفض إمارة أبوظبي لحجم إنفاقها على المشاريع الإنشائية، بسبب المخاوف من حدوث تشبع في السوق العقاري وتباطؤ الاقتصاد العالمي. أن الدورة الاقتصادية المتقلصة بفعل سحب السيولة لتسديد ديون خارجية وبفعل تراجع الودائع تتطلب إنفاق كل الموارد المتأتية من قطاع النفط داخل الاقتصاد وذلك بهدف تعويض النقص وإغلاق دورة السيولة المفتوحة النهايات حالياً على العالم الخارجي بفعل تسديد الديون الخارجية وتراجع الودائع. ومعالجة الوضع الراهن يتطلب العمل أولاً على توفير الموارد لإغلاق النهايات المفتوحة على العالم الخارجي وهذا يعني استقدام كافة الموارد النفطية المتحققة وإنفاقها داخل الدولة وبما يساوي على الأقل ما يتسرب نحو الخارج كما يتطلب من جانب آخر العمل على مستوى اتحادي من قبل جهة ليست لها الصفة الرسمية، لإعادة نشر الديون المستحقة على كافة المدينين والمستحقة بالعملات الأجنبية لجهات خارجية عبر السنوات العشر المقبلة بطريقة منتظمة ومتساوية تجنب الهزات والتقلبات التي يمكن أن تنجم عن تفاوت الاستحقاقات من سنة لأخرى.
وهذه الإدارة الاتحادية للديون تشمل القروض والسندات والصكوك المستحقة الإطفاء. أن المبرر الأساسي والأهم لوجود جهة اتحادية تدير هذه الديون هي أن سدادها هو بكل الأحوال من موارد الدولة بالقطع الأجنبي، وبالتالي فهي تؤثر في ميزان مدفوعات الدولة الأمر الذي يستوجب أن يكون السداد منسقاً ومنتظماً عبر الزمن وبأقل كلفة ممكنة من خلال ما يعطيه التعامل مع مجموع الديون من قوة تفاوضية للجهة المفاوضة تمكنها من خفض كلفة خدمة هذه الديون في حالة إعادة التمويل. كما سيكون بإمكان هذه الجهة من خلال ما سيتوافر لها من رؤية شمولية للاقتصاد والسيولة وبالتعاون مع البنك المركزي، الإشراف على أوضاع الائتمان المحلي ومراعاة عدم خروج القروض المحلية لتسوية ديون خارجية بأكثر من الموارد التعويضية للدورة الاقتصادية وبما يضمن عدم تقلص دورة الدخل القومي.
