أكد رئيس هيئة الأوراق المالية الأردنية الدكتور بسام الساكت أن الاستثمارات لم تعد ذراعا ربحيا وسيولة وعقارات وغير ذلك، بل هي أكثر من ذلك. فهي أذرع استقرار لكل بلد، داعيا الدول العربية إلى إعادة جدولة أولوياتها الاستثمارية سواء المتعلقة بالصناديق السيادية أو من حيث الافراد المستثمرين.
وقال الساكت في حوار خاص مع «البيان»: اليوم نحن بحاجة إلى تنمية مستمرة وجادة وحقيقية وليست على شكل فقاعات.
وتابع الساكت: إن منطقتنا العربية لم تمرض بالأزمة المالية رغم تأثرها.
وأضاف: ان عام 2011م أظهر ان الحدود السياسية لم تعد مانعا لانتقال التأثيرات الجارية وراء الحدود وأن الجدران الحقيقية في قوة المناعة الداخلية للــدول.
وأضاف: إن التطورات التكنولوجيا المعاصرة عملت على إلغاء الحدود السياسية، مما يعني أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة في بلد ما عادت محلية وحسب بل ممتدة جغرافيا. وتاليا نص الحوار:
المحطات المؤثرة
ما هي أهم المحطات المؤثرة في الاقتصاد العالمي عام 2011م؟
إن أبرز المحطات الاقتصادية في عام 2011 كانت الأزمة الأوروبية، التي أرى أنها تمثل إفرازا لفايروس الأزمة الأميركية في عام 2008م، تلك الأزمة المالية التي كانت زلزالا ماليا سجل اهتزازاته في سبتمبر من ذات العام، حتى اعتبرت بأنها الأسوأ منذ زمن كساد 1929م، فوصل عدد البنوك التي انهارت في أميركا خلال عام 2008م إلى 19 بنكاً، إضافة إلى إنهيار شركات كبرى.
هو فايروس أميركي وصل إلى الساحة الأوروبية عام 2011 بعد أن ظهرت إفرازات العولمة المنفتحة غير المقيدة بإخراج سندات سيادية في بلدان لم تكن لديها حصافة مالية كاليونان وايطاليا واسبانيا وإلى حد ما بريطانيا.
لقد ظهرت الأزمة الأوروبية بوضوح هذا العام، بعد أن أصدرت البنوك الالمانية والفرنسية سندات إقراضية استخدمتها اليونان الدولة المستفيدة من القرض انفاقا، فترتبت عليها ديون من دون مردود، فكان العجز. إنها تراجيديا يونانية انعكست في عام 2011م، حتى طال أو كاد المقرض نفسه بعد تورطه.
نعم تعافت الولايات المتحدة الأميركية من الفايروس، وإن لم يكن الشفاء كليا، ولكن الفايروس نفسه انتقل إلى أوروبا عبر ممرات العولمة غير المنضبطة، وفي ظل غياب رقابة مانعة فظهرت الأزمة.
لا نريد أن نبدو متشائمين ففي سياق هذه الأزمة ظهرت ايجابيات لا يمكن الاستهانة بها، وعلى رأسها بروز الحلول الجماعية، وهي ظاهرة جيدة جدا، عملت على التخفيف من تداعيات الأزمة بانتقالها إلى مستوى أكثر حدة، من مستوى ظهور كوارث كبيرة في الاقتصاد الالماني والفرنسي.
ورغم أنها لم تستطع، حتى الان، ان تجد حلولا جذرية للازمة، الا ان بوادر الحل الجماعي اعتبر احد الأدوات التي رفعت الأزمة من شأنها، عبر البنك الأوروبي، والسوق الأوروبي، والاتحاد الأوروبي وبنك التوازن الأوروبي.
وهي حلول برزت إلى الظاهرة لمعالجة الاقتصاديات الفردية ضمن السوق نفسه. كما أن من ملاحظات هذا العام ظهور دول المحور الرئيس "المانيا وفرنسا".
الاستثمار المحلي
وماذا عن الدروس المستفادة من الأزمة وخصوصا في منطقتنا العربية؟
كان هناك الكثير من الدروس التي اعتقد اننا قرأناها جيدا، وعلينا ترجمتها على الارض، وعلى رأسها مبدأ الحرص على الاستثمار المحلي الذي برز إلى السطح. أي الانتباه أخيرا بأن الدخول في الاستثمارات أو الصناديق السيادية في منطقة الاتحاد الأوروبي على شكل استثمارات في أوروبا وشراء سندات، له مخاطر مالية حقيقية، وهي مخاطر عبرت عن نفسها بأصابة المقرضين بمخاطر انخفاض ضمانات التسديد أو تأخر عمليات الدفع.
عام 2011م أظهر للمراقبين والخبراء والاقتصاديين أن على صانعي القرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة النظر بشكل كبير إلى الاستثمار الاقليمي كونه الاستثمار الأجدى.
لقد أظهرت البيئة الاقتصادية عام 2011 م بشكل واسع أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في الرأسمالية المطلقة التي تأكد أنها لا تموت ولكنها تمرض، ولكنها وإن كانت تتعافى فقد أصابت صغار المستثمرين بالمرض.
واليوم نحن ننظر إلى عدم التشغيل والبطالة والفقر، كعوامل رئيسية في اظهار نجاعة اقتصاد الدول، مما يعني بالضرورة إدراك أهمية رفض مفهوم الرأسمالية المطلقة والعولمة المطلقة.
إن على الصناديق السيادية في الدول ذوات الفوائض المالية المرتفعة، مراجعة سياستها الاستثمارية وأخذ الدرس والعبر من عام 2011م بحيث تعطى الأولوية لمنطقتنا.
نحن نستطيع أن نحول الظرف السياسي والاجتماعي إلى ربيع حقيقي من خلال إعادة التفكير في أولوياتنا باستثمار الصناديق السيادية لصالح الدعم المحلي، مما يعني دعم الاستقرار بدعم الاستثمار الحقيقي، فقد ظهر جليا في العام الآفل، ان الاستثمارات هي في الحقيقة أذرع استقرار، وليست ربحا وسيولة واستثمارا وعقارات فقط.
أقول ذلك، وأنا أعني أن التقنية والتطورات التكنولوجيا المعاصرة عملت على إلغاء الحدود السياسية، مما يعني أن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة في بلد ما عادت محلية، وحسب بل ممتدة بعد أن ألغت هذه التطورات الحدود السياسية.
بالضبط، إن أي اهتزاز محلي، ولا أقول هزات عميقة فقط في أي منطقة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، سينقل عدواه إلى المناطق المجاورة وغير المجاورة.
الاستقرار والتنمية
الأحداث المحلية لم تعد محلية.. كيف يمكن ترجمة ذلك على الأرض اقتصاديا؟
هذا ما فهمناه في العام الآفل، وهذا ما على الجميع أن يفهمه. إن عام 2011 قال لنا: إن هناك مصلحة محلية لتطبيق استثماري تنموي فعلي في المنطقة العربية بأسرها- سواء من قبل الأفراد المستثمرين أو الصناديق السيادية من خلال مشاريع حقيقية لها قيمة مضافة عالية، تحدث استقرارا محليا، وهذا هو ما يقوي الاقتصاديات ويوجد المناعة السياسية الجماعية وليس الفردية للدول.
إذن والقول كذلك، يجب إعادة جدولة أولويات الاستثمار للصناديق العربية والافراد المستثمرين وإعادة أولوياتها يعني ان تستثمر في المنطقة بهدف ايجاد مردود اجتماعي وسياسي واقتصادي وتنمية حقيقية ذات استمرارية، تعود بالمكاسب الحقيقة على المواطنين.
هذا ما فهمته الإمارات في توطين الوظائف، ولكن المطلوب أيضا مفهوم جماعي شامل يخلق استقرارا تصبح فيه مناعتنا المحلية اكبر، خصوصا وقد انتفت الحدود .. إن ما جرى في تونس لا يخص تونس وحدها وكذلك في مصر.. وما يجري في سورية، إن الشأن المحلي ما عاد محليا بل يؤثر على الجميع.
قوة المناعة الداخلية
كيف يمكن تحقيق ذلك.. ما هي الادوات والروافع لترجمة هذا القول على الأرض؟
من بين أهم هذه الروافع أن يلتقي منطوق الشارع العربي الاستثماري مع منطوق الحاكم، أي يفهم الجميع أننا شركاء من دون تخندق في حدود لم تعد حقيقية. فالحدود والجدران الحقيقية كما ظهر في عام 2011م في قوة المناعة الداخلية للدولة، وبالتالي للمنطقة، عبر التشغيل ومحاربة الفقر وترجمة مشاريع الافراد الرأسماليين في مسؤولية اجتماعية حقيقة. كما أن الثقافة الجماعية لشعوب المنطقة يجب ان تتغير هي الأخرى، فالمواطن يجب أن يدرك أن الضريبة الاستثمارية أمر في مصلحته هو، أي إذا فرضت الدولة رسوما معينة، فهذه مسؤولية وطنية للمشاركة في البناء العام، وأن التهرب من الضريبة، هو خروج غير مقبول على القانون. أنظر ماذا يعني التهرب الضريبي في أوروبا، إن له عقوبات كبيرة.
ولكن بموازاة ذلك، يجب أن تترجم سياسات الدول الاقتصادية على المواطنين، وأن يكون الاقتصاد ذات بعد محلي، له مردود واضح على الناس، تشغيلا وتدريبا ومنعة.
العولمة
وهل تسمح العولمة بما تذهب إليه؟
إن العولمة بمفهومها الإطلاقي، غير المقيد أصبحت تحتاج إلى قيود رقابية فالمؤسسات الرقابية يجب أن يتم تفعيلها بشكل حقيقي.
على سبيل المثال، رغم أن البلدان الأوروبية قطعت أشواطا كبيرة في قوانين المؤسسات الرقابية، إلا أن الاوروبيين يعيدون صياغة سياستهم هذه، وهو ما يجب أن تدركه بلداننا. إنه درسنا الذي يجب أن نفهمه، فعلى الحكومات العربية والادارات الاقتصادية ان تتحزم في هيئات الرقابة.
الدرس الرئيسي هو في أن تتحزم الحكومات التي تقول ان دولها تعاني من عدم استقامة وعدم النزاهة أو كما يطلق عليه اسم الفساد بهيئات رقابية فاعلة، عبر تمتع هذه الهيئات الرقابية بالحصانة والاستقلالية، اضافة إلى استقلال القضاء.
إن أهم العبر التي يجب ان نفهمها من مدرسة 2011 رفع علم الهيئات الرقابية في بلداننا وإعطائها الحصانة وعدم اضعافها بأي شكل، سواء بيوقراطية أو غيرها.
