تتهيأ محاكم مركز دبي المالي العالمي لإطلاق مبادرات خلال عام 2012 تستهدف تعميق روابطها المحلية والإقليمية عبر تعزيز علاقاتها مع المجتمع القانوني الإماراتي ثم المجتمع القانوني الخليجي والإقليمي في مرحلة تالية، فضلاً عن تجويد منظومة خدماتها، والارتقاء بجهودها الرامية إلى رفع معدلات توظيف القضاة المواطنين. وتهدف هذه المبادرات إلى توطيد المكانة العالمية للمحاكم عبر تعميق علاقاتها وروابطها المحلية .

وتأتي هذه المبادرات ضمن جهود المحاكم لتعظيم استفادتها من القانون الجديد الذي أقره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي يتيح لأية شركة اللجوء إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي الناطقة باللغة الإنجليزية والتي تمثل نظاماً قضائياً مستقلاً يستند إلى القانون العام في مركز دبي المالي العالمي.

وعبر عن هذا التوجه الضابط القضائي شملان عبدالرحمن الصوالحي بقوله: نحن نريد دمج محاكم مركز دبي المالي العالمي ضمن اهتمامات وأنشطة وأعمال المجتمع القانوني في الإمارات، وذلك بغرض الوصول إلى درجة التوحد الكامل بين المحاكم من جهة والمجتمع القانوني من جهة أخري.

ويفتح القانون الذي سنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أبواب محاكم مركز دبي المالي العالمي أمام مجتمع الأعمال الإقليمي عبر منطقة دول مجلس التعاون الخليجي وما وراءها، ويوفر لمجتمع الأعمال الدولي قناة للوصول إلى واحدة من أكثر المحاكم التجارية تقدماً وتقنية على المستوى العالمي.

 

منصة توعية

وفي إطار هذا التوجه الاستراتيجي، تركز محاكم مركز دبي المالي العالمي بحسب شملان الصوالحي - على زيادة وعي المجتمع القانوني في الإمارات بنظام عمل المحاكم ونظامها القضائي، وبالتالي، تعتزم المحاكم تكثيف لقاءاتها التوعوية والتعريفية مع مكاتب المحامين المواطنين، وتوفير آليات وسبل تعيين المحامين المواطنين على التفاعل بشكل سلس مع نظام محاكم مركز دبي المالي، بحيث تتحول المحاكم لأن تكون بمثابة منصة توعية بنظام القانون العام المطبق في المحاكم.

وتتمحور الفكرة ـــ والكلام مازال على لسانه ـــ في كيفية تقديم محاكم مركز دبي المالي لدعم القانون العام، وذلك من خلال إرساء آليات معينة تمكن المحامين المواطنين من القدوم إلى محاكم مركز دبي المالي العالمي، وتعميق القناعة لديهم بأن المحاكم تمثل جزءاً أصيلاً من منظومة عملهم واهتماماتهم، وبالتالي، تصبح المحاكم بمثابة منارة للمعرفة والتثقيف بنظام القانون العام في دولة الإمارات.

وقد سعت محاكم مركز دبي المالي العالمي منذ تأسيسها للوصول إلى أعلى المعايير العالمية وأطلقت العديد من المشروعات لأول مرة على مستوى المنطقة ومنها مبادرة «المحامي المجاني» التي توفر استشارات قانونية مجانية للمعسرين ماليا، كما أن اللجنة القضائية للدعاوى الصغيرة كانت واحدة من المبادرات الأكثر نجاحاً في محاكم المركز حيث تمكنت من الحكم في 90 في المئة من المنازعات في أقل من 3 أسابيع للمنازعة الواحدة.

وتواصل محاكم مركز دبي المالي العالمي التزامها بالتعاون مع المحاكم الأخرى في المنطقة وما وراءها، ففي العام الجاري وحده وقعت محاكم المركز عدداً من مذكرات التفاهم مع مؤسسات أخرى للعمل معاً لتحقيق المزيد من الابتكار والتميّز القضائيين. كما تعقد محاكم المركز اجتماعات دورية مع مؤسسات قضائية من منطقة الخليج بما فيها دولة قطر ومملكة البحرين في إطار سعيها للعمل مع تلك المؤسسات عن قرب.

بيد أن سعي المحاكم لتوطيد مكانتها العالمية لا يعني اغفال أهمية قاعدتها المحلية والإقليمية، وفي رأي الصوالحي أنه لا يوجد ثمة تناقض بين عالمية المحاكم وهويتها المحلية والإقليمية، وأن الجهود تنصرف في الوقت الحالي على دراسة العقبات التي تجعل المحامين المواطنين مترددين في الوقوف أمام محاكم مركز دبي المالي.

ويتابع الصوالحي حديثه قائلاً: نحن لن ننتظر قدوم المحامين المواطنين إلى المحاكم، بل سوف نذهب إليهم في مكاتبهم لكي نزيد الوعي لديهم بعمل المحاكم، وهو وضع يستلزم مضاعفة الجهود حتى يتعمق الشعور لدي المحامين المواطنين بأن المحاكم مملوكة لهم.

وتخطط محاكم مركز دبي المالي العالمي لأن توسع نطاق هذا البرنامج في مرحلة تالية ليشمل المجتمع القانوني الخليجي، ثم المجتمع القانوني العربي بشكل عام، وبالتالي تتعمق الهوية الإقليمية العربية للمحاكم بأن تكون مركزاً إقليمياً لتسوية المنازعات.

وفي رأي شملان عبدالرحمن الصوالحي أن الفضل في بلورة هذا التوجه يعود إلى قرار فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي الذي جري اتخاذه بناء على دراسة متعمقة وتصورات جري تقديمها إلى الجهات المعنية، حيث تناولت هذه الدراسات طبيعة عمل محاكم مركز دبي المالي العالمي وأفق تطورها في حال ما إذا استمرت في مباشرة اختصاصها القضائي المحدود، وما يعنيه ذلك من تقييد أفق تطورها المستقبلي.

واستدرك في حديثه بقوله: ان توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تدعونا إلى التحلي بنظرة مستقبلية تتجاوز ما هو موجود على أرض الواقع، وبالتالي، كان الاستنتاج الرئيسي للدراسات والتصورات المعروضة أن تطوير عمل محاكم مركز دبي المالي العالمي يستلزم فتح الاختصاص وتوسيع نطاقه.

 

احتياجات مجتمع الأعمال

وقد شكلت احتياجات مجتمع الأعمال ـــ والكلام مازال له ـــ قوة محفزة لفتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي، ولم يكن الأمر مجرد تقديم خيار آخر في مجال التقاضي وحل المنازعات، ولكن كانت هناك حاجة لدي مجتمع الأعمال تقتضي فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي.

وتابع حديثه بقوله: برزت بالفعل شواهد تدل على تنامي حاجة مجتمع الأعمال لفتح الاختصاص، فعلي سبيل المثال، هناك منازعات وخصومات قد تجد أنه من الملائم أن يتم تسويتها في محاكم مركز دبي المالي العالمي، وذلك بالنظر إلى استخدام اللغة الإنجليزية في صياغة العقود والمراسلات بين الأطراف المتعاقدة، وبالنظر كذلك إلى أنه قد تثور قضايا جديدة على المجتمع القضائي في الدولة، كأن تثور مثلاً قضايا تتعلق بالاستثمارات الدولية، وبالتالي جاء قرار فتح الاختصاص مواكباً لحركة التطورات في مجال التجارة والاستثمارات الدولية والتغيرات الحاصلة في بيئة الأعمال.

وتابع حديثه بقوله: بمعزل عن أهمية مسألة اللغة التي تعد في المحك النهائي عاملاً مساعداً وليس أساسياً في عمل المحاكم، فان تطور بيئة الأعمال والاستثمار قد أدت إلى بروز الحاجة لأن تكون أساليب تسوية المنازعات متماشية مع المعايير والمقاييس العالمية المتعلقة بالاستثمارات والتجارة الدولية، وهو ما يستدعي أن يكون النظام القضائي ملائما لتسوية مثل هذه النوعية من المنازعات.

فعلي سبيل المثال ـــ والكلام مازال على لسانه ـــ فرضت مجموعة دبي العالمية قضايا تتعلق بإعادة هيكلة الديون، وهي قضايا مستجدة على المجتمع الإماراتي، حيث لم يكن لدي المحاكم في الدولة خبرات في التعامل مع مثل هذه النوعية من القضايا، وهو الأمر الذي استلزم اللجوء إلى آلية معينة، وهي تشكيل لجنة قضائية خاصة بمجموعة دبي العالمية، وتتبع هذه اللجنة نفس الإجراءات المتبعة في محاكم مركز دبي المالي العالمي.

وكانت محاكم مركز دبي المالي العالمي قد استمعت لما يزيد على 400 دعوى قضائية حتى نهاية شهر أكتوبر من العام الجاري حيث تنتهج محاكم مركز دبي المالي العالمي مساراً يركز على المجتمع لتوفير خدمات قضائية عادلة وفعالة ومتاحة وموثوقة وخدمة نموذجية من خلال المحكمة الابتدائية واللجنة القضائية الخاصة بالدعاوى الصغيرة ومحكمة الاستئناف التي قدمت خدمات قضائية رفيعة المستوى حظيت بالتقدير على أعلى المستويات.

وقد تمكنت محاكم مركز دبي المالي العالمي من الانضمام إلى الاتحاد الدولي للتميز في المحاكم وهو جهة عالمية رفيعة المستوى تأسست من قبل السلطات القضائية في الولايات المتحدة الأميركية وسنغافورة وأستراليا بغرض جمع المؤسسات القضائية العالمية مع الخبراء في المحاكم والهيئات الإدارية القضائية.

وتابع حديثه بقوله: بفضل فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي، بات من المتوقع أن تكون طبيعة القضايا المطروحة على محاكم مركز دبي المالي العالمي مرتبطة بمنازعات الاستثمار والتجارة، أو أن تكون قضايا مطروحة من خارج دولة الإمارات.

 

مواكبة التطور

ويسلط شملان عبدالرحمن الصوالحي الضوء على حقيقة أن تطور عمل محاكم مركز دبي المالي العالمي يأتي ضمن خطة استراتيجية تتناغم مع الخطة الاستراتيجية الشاملة لتطور مركز دبي المالي العالمي، ويشرح هذا البعد بقوله: طالما أن مركز دبي المالي العالمي يعمل على قدم وساق لتطوير أدائه بما يسهم في توطيد مكانة دبي كمركز مالي عالمي وإقليمي، وطالما أن الأطر التشريعية والتنظيمية آخذة هي الأخرى في التطور المستمر بفضل مبادرات وجهود سلطة دبي للخدمات المالية، فأنه من الضروري أن يتطور الاختصاص القضائي بما يواكب تطور الأبنية والمؤسسات الأخرى التابعة لسلطة مركز دبي المالي العالمي، وبالتالي، يأتي تطور عمل محاكم مركز دبي المالي العالمي ضمن منظومة شاملة لتطوير مركز دبي المالي العالمي، ويقتضي هذا التطور فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي.

ورغم أن مواكبة تطور منظومة مركز دبي المالي العالمي قد شكل أحد القوى الرئيسية التي حفزت على فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي، إلا أن قرار فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي يعد في المحك النهائي بمثابة تلبية لاحتياجات مجتمع الأعمال، إذ أصبحت محاكم مركز دبي المالي العالمي واحدة من أكثر المحاكم التجارية تطوراً على المستوى العالمي على صعيد توظيف التقنيات بما فيها إدارة الدعاوى إلكترونياً والمؤتمرات لتمكين الأطراف المتنازعة المنتشرة حول العالم من استخدام المرافق الرفيعة المستوى التي توفرها محاكم المركز.

ويتناول شملان عبدالرحمن الصوالحي هذه النقطة بقوله: تتميز محاكم مركز دبي المالي بخاصية أساسية وهي قربها الوثيق من مجتمع الأعمال، واحتفاظها في الوقت ذاته بعلاقات وارتباطات وثيقة مع المجتمع القانوني بمختلف فئاته وشرائحه، ومنها المحامون الذين يعدون بمثابة مرآة تعكس بصدق احتياجات مجتمع الأعمال، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد نوعية الخدمات القضائية المطلوبة.

ويستدرك في حديثه بقوله: يكمن هنا سبب حرص محاكم مركز دبي المالي العالمي على الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع المجتمع سواء داخل مركز دبي المالي العالمي أو خارجه، وهو الأمر الذي مكن محاكم مركز دبي المالي العالمي من التعرف على رغبات مجتمع الأعمال المتعلقة بفتح اختصاصها القضائي.

وقد تلا ذلك ـــ والكلام مازال على لسانه ـــ نقل هذه الرغبات والاحتياجات إلى الجهات المعنية في شكل رسائل ورسائل متبادلة، وعقد جلسات نقاشية شارك فيها أصحاب الخبرات القانونية والقضائية، وذلك بهدف التعرف على الآراء ووجهات النظر بشأن كيفية تلبية هذه الاحتياجات، وبدا من واقع النقاشات أن هناك اتجاها عاماً مؤيدا لمسألة فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي، وذلك بالنظر إلى حقيقة أن فتح الاختصاص يصب في نهاية المطاف لصالح جميع الأطراف، فمن شأن الارتقاء بواحدة من المؤسسات القضائية في الدولة أن يسهم في الارتقاء ببقية المؤسسات القضائية، ومن المتوقع كذلك أن يترتب على فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي أن تقوم الجامعات في الإمارات بتنظيم برامج تعليمية لتدريس القانون العام لكي تواكب احتياجات المجتمع لهذا النظام القانوني.

وخلص شملان عبدالرحمن الصوالحي إلى استنتاج مؤداه أن قرار فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي كان مدفوعا بنظرة حكومة دبي بأن يكون لمحاكم مركز دبي المالي العالمي دور أكثر فاعلية على المستوى الدولي تنفيذاً لرؤية وتوجهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأن تكون دولة الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص مركزاً عالمياً لتسوية المنازعات، وهو أمر غير ممكن تحقيقه من دون فتح اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي.