ارتفع مؤشر سوق الإمارات المالي خلال الأسبوع الماضي بنسبة 2.11% ليغلق على مستوى 2,341.42 نقطة وشهدت القيمة السوقية ارتفاعاً بقيمة 8.27 مليار درهم لتصل إلى 346.14 مليار درهم، وقد تم التداول بقيمة إجمالية أسبوعية بلغت 630 مليون درهم توزعت على 9,700 صفقة. وأكد المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي ما يلي: هدية أبوظبي للعام الجديد تحول دون كسر مؤشر سوق الإمارات للحاجز النفسي المهم وهو قاع 2009.

ورغم الأداء الجيد للأسواق العالمية الذي اختتمت به الأسبوع الماضي والأداء الصعودي الذي استهلت به التداولات أولى أيام هذا الأسبوع، فإن مؤشر سوق الإمارات الذي واصل المسار الهابط الذي بدأه منذ التاسع عشر من يوليو الماضي، كسر الحاجز النفسي المهم وهو القاع الذي كانت وصلها المؤشر وهي 2287 نقطة في الرابع من فبراير 2009 حيث هبط إلى 2283 قبل أن يرتد بقوة إثر السخاء الكبير الذي أظهرته حكومة أبوظبي في معالجة جانب من مشكلات السيولة من خلال قيامها بضخ قرابة 17 مليار درهم في شركة الدار العقارية. وكان مؤشر سوق دبي قد هبط إلى 1319 يوم الثلاثاء وهي أدنى من قاع 2009 والتي كانت عند 1440. الموجة الهبوطية الخامسة التي تلت الهبوط الكبير في النصف الثاني من 2008 كان من المحتمل أن تسجل قيعان جديدة أعمق من قاع ما بعد الأزمة في العام الجديد 2012 ، لولا هذا التدخل الحكومي المهم والذي إن تواصل فإنه قد يشكل بداية لمسار التعافي الاقتصادي وينتشل بالتالي الأسواق من تبعات الأزمة المالية العالمية. ومع ذلك، وحتى في ظل هذه الخطوة، فإن مؤشر سوق دبي ورغم ارتداده القوي يوم الأربعاء فإنه ظل دون مستوى قاع ما بعد الأزمة المالية العالمية.

ورغم أهمية هذه الخطوة التي أقدمت عليها أبوظبي، التي تمثل جزء منها بقيام الحكومة بشراء وحدات سكنية جاهزة لإسكان المواطنين بدلاً من بناء وحدات لهم، فإنها ليست كافية لانتشال اقتصاد الدولة من معاناته. والواقع أن العوامل التي تجعل اقتصاد الدولة يعاني بشدة من تبعات الأزمة المالية العالمية، والتي أصابت اقتصاد الدولة بالتأثير الأكبر بالمقارنة مع دول الخليج الأخرى، تتمثل بالدرجة الأساس في الانفتاح الأوسع للإمارات على الاقتصاد العالمي من نظرائها الخليجيين وما ترتب على ذلك من مديونية فلكية في أرقامها تحققت خلال الفترة 2005 لمنتصف 2008. ولا شك أن الانفتاح الكبير على الاقتصاد العالمي نجم عن توفر البنية التحتية المتطورة وبيئة الأعمال المناسبة، الأمر الذي أدى بدوره إلى تدفق أموال هائلة بمئات المليارات سواء بشكل قروض أو استثمارات مباشرة وغير مباشرة، وحتى أموال ساخنة مضاربية. فقد شهدت سنوات الطفرة الممتدة من 2005 لمنتصف 2008 تدفق مئات المليارات من الدولارات أسهمت في توليد تسارع وتيرة النمو الحقيقي بدون قطاع النفط الخام (بالأسعار الثابتة لعام 2000) حيث وصل النمو الحقيقي في 2007 إلى 10.5% وهو رقم يضاهي المعجزة الآسيوية في النمو الحقيقي. ولكن وفي ذات الوقت أدى هذا التدفق الهائل للموارد إلى حدود تضخم وتوليد فقاعة في أسواق الأسهم والعقار. في ظل هذا النمو والطفرة الناجمين عن الانفتاح على الاقتصاد العالمي تلقى اقتصاد الدولة نتائج وخيمة ترتبت على الأزمة المالية، فكما كان العد تصاعدياً خلال الطفرة، فقد أصبح تنازلياً خلال ما بعد الأزمة. وكما كانت سرعة الصعود قوية في فترة الطفرة، فإن سرعة الهبوط ستكون سريعة وقوية طالما لا توجد مكابح تجعل من الهبوط تحت السيطرة وتقلل من سرعته وصولاً إلى إيقافه وتحويله إلى صعود هادئ يتسارع مرة أخرى بطريقة مدروسة بعيداً عن الطفرات والفقاعات. فقد تراجع النمو (بالأسعار الثابتة لعام 2000) وتحول إلى نمو سالب وصل الى -14.8% قي عام 2009 بالمقارنة مع عام 2008 وإلى -7.6% في عام 2010 بالمقارنة مع عام 2009 ومن المتوقع ان يكون النمو السالب في عام 2011 وما بعده. ولا شك أن خطوة حكومة أبوظبي يمكن أن تشكل واحداً من المكابح المهمة لقوة التراجع ولكنها غير كافية لوحدها بالمقارنة مع ضخامة المديونية والاستحقاقات المترتبة على بقية الشركات الخاصة والعامة والشركات الحكومية في أبوظبي ودبي وبقية الإمارات.

المصارف والانفتاح

من جانب آخر فإن القروض التي حصلت عليها المصارف نتيجةً للانفتاح على الاقتصاد العالمي، دفعها للتوسع في الإقراض المحلي خلال سنوات الطفرة ما وضعها أمام مشكلة القروض العالقة لاحقا، وهي مشكلة تؤشر إلى عدم التعافي من تبعات الأزمة المالية العالمية. فاستمرار نمو المخصصات التي تجنيها المصارف سنويا بعيد الأزمة المالية العالمية بنسب عالية في وقت انخفضت فيه بشكل كبير نسب نمو القروض الجديدة، يدل على أن الاقتصاد يعاني من مشكلة نمو. فالمفروض أن المصارف قد انتهت من تنظيف دفاترها في نهاية عام 2008 حيث أظهرت نتائج 2008 خسائر كبيرة لكل المصارف المحلية، واستمرت بعملية تنظيف الدفاتر من الديون المتعثرة في 2009 حيث ظهر التشدد في الإقراض المصرف بصورة جلية. وعلى ذلك فقد كان من المفترض في ظل تراجع نمو القروض المصرفية إلى أدنى المستويات أن نشهد تراجعا في نمو المخصصات يتناسب مع النمو المتواضع في القروض المصرفية. غير أن عدم التناسب بين نمو القروض المتواضع ونسب نمو المخصصات الخاصة الكبيرة ، يدل على استمرار تعثر أعداد كبيرة من المقترضين (الرسم البياني). ومع توقع استمرار تراجع قيم الأصول العقارية والمالية ، فإن التعثر في تسيد القروض قد يتزايد في العام المقبل. وذلك لأن المصارف لا تعتبر القرض متعثراً إلا إذا توقف عن تسديد الفوائد المستحقة عليه، وطالما أن العميل مستمر في دفع الفوائد دون تأخير يزيد على 90 يوما وفق تعليمات المركزي ، فإنها لا تضع القروض وتصنفها ضمن المتعثرة. من هنا فإن ارتفاع أرباح المصارف لا يعني نظافة الدفاتر المصرفية من كل القروض المتعثرة، فالكثير منها متعثرة ولكنه لا يزال قادراً على تسديد الفوائد في مواعيد استحقاقها. غير أن حجم السيولة التي تتناقص في الأسواق، قد يؤدي إلى عجز المزيد من المقترضين عن دفع الفوائد. فالفوائد تحتسب حاليا على قروض لا تدر عوائد. فأي قرض يفترض ان يدر عائداً سنوياً رأسمالياً او جارياً يزيد على قيمة الفائدة الواجبة الدفع، وإلا تعثر القرض لأن سداد أصل القرض وفوائده يجب ان تتم من العوائد التي حققها الاستثمار الذي تم توظيف القرض فيه.

تسوية رضائية

أن يستمر بدفع الفوائد حيث يقوم بتسييل ما لديه من أصول غير مرهونة. هذه الحالة تنطبق بشكل خاص على المقترضين الأفراد الذين يلجؤون إلى إجراء تسوية رضائية مع المصرف. وخلال سنوات الأزمة المالية لم تتعرض المصارف لتحقيق خسارة، إلا في الربع الرابع من عام 2008 حيث اضطرت لأخذ مخصصات عالية جداً تحت ضغط المصرف المركزي. غير ان الاستمرار في التعثر قد يرفع من مستويات المخصصات إلى حدود تهدد الأمن المالي.

والمشكلة التي يواجهها الاقتصاد وكل الأسواق، وليس فقط أسواق الأسهم والتي لا تقتصر على الإمارات وإنما تشمل كل الدول الخليجية وإن بدرجات متفاوتة، هي في الواقع نتاج سياسات عالمية انساقت وراءها المصارف والشركات العامة والخاصة والحكومية في موجة من الإفراط في التمويل على المستوى العالمي بحيث شجعت هذه المؤسسات على الاقتراض من أسواق المال العالمية والإقراض على المستوى المحلي وبما قاد بدوره إلى فقاعات تفجرت في الأزمة وأدت إلى قلب السياسات المصرفية العالمية والمحلية رأساً على عقب، من سياسات مفرطة في التوسع إلى سياسات مفرطة في التشدد. كما أدى إلى قلب الدورة الاقتصادية من دورة توسعية إلى دورة تقلص. وعلى مستوى الدولة فإن التشدد المصرفي في وقت حان فيه أجل سداد الالتزامات المستحقة على الشركات والمصارف للخارج حول التدفقات النقدية للقروض المصرفية والتدفقات النقدية لدورة الأعمال إلى تدفقات سالبة. وتعني التدفقات النقدية السالبة للقروض المصرفية أن الفوائد المستحقة على المقترضين من أفراد وشركات عن قروضهم المستحقة عن السنة السابقة، أصبحت أكبر من القروض السنوية التي تمنحها البنوك في السنة اللاحقة. كما تعني التدفقات النقدية السالبة لدورة الأعمال أن ما يخرج من هذه الدورة لتسديد مستحقات عن قروض سابقة هو اكبر مما يدخل إليها من قروض جديدة رغم سعي العديد من الشركات الحكومية والخاصة والعامة لإعادة التمويل من خلال إصدار سندات. (الشكل التوضيحي).

الطفرة والضغوط

بالمقابل وخلال سنوات الطفرة 2005 ولحد منتصف 2008 دخل اقتصاد الدولة ومن الخارج ما لا يقل عن 500 مليار درهم بشكل قروض مباشرة أو حصيلة سندات مصدرة من قبل شركات حكومية ومدرجة في أسواق الأسهم، الأمر الذي أدى إلى توسع دورة الأعمال والدخل. وقد تضافر في زيادة جماح الطفرة والضغوط التضخمية، إفراط المصارف في الإقراض والذي رفع رصيد إجمالي القروض من286.7 مليار درهم في ديسمبر 2004 إلى 889.2 مليار في يونيو 2008 وبنسبة زيادة قدرها 210% كما ارتفع رصيد القروض الشخصية من 97.6 مليار في ديسمبر 2005 إلى 223.5 ملياراً في سبتمبر 2008 وبنسبة

زيادة قدرها 210% كما ارتفع رصيد القروض الشخصية من 97.6 ملياراً في ديسمبر 2005 إلى 223.5 ملياراً في سبتمبر 2008 وبنسبة زيادة 129% وهكذا وخلال ثلاث سنوات ونصف تم حقن الاقتصاد بسيولة من قروض خارجية ومحلية بلغت 1100 مليار درهم، حيث ارتفعت أصول المصارف المحلية بنسبة 123% من ديسمبر 2005 إلى يوليو2008 بنسبة. هذه الأرقام ذات القفزات غير المعقولة في القروض وفي أصول المصارف تعطي مصداقية كبيرة لما حدث من طفرة وتضخم ونمو خلال السنوات 2008 لمنتصف 2008 من تراجع وركود التي أعقبت النصف الثاني من 2008 ولحد الآن من تقلص في دورة الأعمال التي سيوضحها الشكل أدناه والتي يمكن اعتبارها الثمن الذي قد يكون باهظاً فيما لو لم يتم تدارك الأمور بإجراءات تعوض دورة الأعمال والاقتصاد عن نزيف تسديد الالتزامات السابقة.

واقتصاد دولة الإمارات الآن أمام دورة معاكسة في الاتجاه ومساوية لها في قوة الانكماش. فالأموال التي دخلت دورة الدخل بشكل قروض حكومية ولشركات تابعة للحكومات وللشركات العامة والمصرفية بشكل خاص، والتي تخرج لتسديد الالتزامات المستحقة تحدث أثراً معاكساً لما أحدثته الأموال عندما حقنت في الاقتصاد وأدى لتسارع وتيرة التضخم.

هل ندع عام 2012 يكون أسوأ من سابقه؟

قال الدكتور همام الشماع ان الخطوة التي أقدمت عليها حكومة أبوظبي بشراء أصول من واحدة من كبرى الشركات العقارية المكبلة بمديونية عالية ، تندرج في إطار تعويض الدورة الاقتصادية بموارد متأتية من إيرادات الحكومة وهي في الغالب متأتية من خارج الدورة الاقتصادية (إيرادات النفط). ولكن لو كانت الأموال التي سيتم بها شراء أصول من الدار العقارية هي من قروض مصرفية استلفتها الحكومة من مصارف محلية ، فإن أثرها لن يكون تعويضا للدورة الاقتصادية وذلك لا هذا الشراء على المستوى الكلي للاقتصاد لن يعدو عن كونه إعادة توزيع للسيولة داخل الاقتصاد الواحد وفيما بين الوحدات الاقتصادية. وهكذا فإن التعويض المطلوب لدورة الأعمال والدخل يجب أن يعتمد على موارد متأتية من خارج الدورة الاقتصادية لعموم الاقتصاد الوطني. ومع استبعاد الحل السهل والذي يدعو إليه الكثيرون وهو لجوء الحكومة إلى الصناديق السيادية لسداد ديون كيانات حكومية تستحق العام المقبل ومع استبعاد بيع الأصول أيضا في هذه الظروف الدولية غير المناسبة ، فإن الحلول الوحيدة والبديلة السريعة والممكنة حاليا تكمن في جانبين هما: الإدارة الاستراتيجية «على مستوى اتحادي من قبل جهة ليست لها الصفة الرسمية» للديون المستحقة على كافة المدينين والمستحقة بالعملات الأجنبية لجهات خارجية. وهذه الإدارة الاتحادية للديون تشمل القروض والسندات والصكوك المستحقة الإطفاء. أن المبرر الأساسي والأهم لوجود جهة اتحادية تدير هذه الديون هي أن سدادها سيكون من موارد الدولة من حصيلة القطع الأجنبي وبالتالي فهي تؤثر في ميزان مدفوعات الدولة الأمر الذي يستوجب أن يكون السداد منسقا ومنتظما عبر الزمن وبأقل كلفة ممكنة من خلال ما يعطيه التعامل مع مجموع الديون من قوة تفاوضية للجهة المفاوضة تمكنها من خفض كلفة خدمة هذه الديون في حالة إعادة التمويل. كما سيكون بإمكان هذه الجهة من خلال ما سيتوفر لها من رؤية شمولية للاقتصاد والسيولة وبالتعاون مع البنك المركزي، الإشراف على أوضاع الائتمان المحلي ومراعاة عدم خروج القروض المحلية لتسوية ديون خارجية بأكثر من الموارد التعويضية للدورة الاقتصادية وبما يضمن عدم تقلص دورة الدخل القومي.

الجانب الثاني من الحلول الممكنة هو توفير موارد تعويضية لدورة الأعمال تساوي في الأقل قيمة التسديدات السنوية إذا كان الهدف الحيلولة دون المزيد من الضغوط الركودية أو زيادة الموارد التعويضية لأكثر من قيمة التسديدات إذا كان الهدف إنعاش الاقتصاد. توفير هذه الموارد يمكن ان يتم سواء من خلال تخصيص جزء اكبر من موارد النفط لتعويض الدورة الاقتصادية او من خلال اتباع سياسة التخفيف الكمي. وهذا الأخير هو البديل لكل الإجراءات غير الفعالة التي تم اتخاذها لحد الآن لدعم ملاءة المصارف والتي لم يكن لها أي اثر على معالجة شح السيولة. والتخفيف الكمي هو السياسة غير التقليدية المتبعة في كل دول العالم المتقدم لتعويض الدورة الاقتصادية عما تبخر من أموال في أتون الأزمة المالية العالمية، بهدف تحفيز الاقتصاد الوطني بعد أن عجزت السياسات التقليدية عن أداء هذه المهمة. والتمويل وفقا لأسلوب التخفيف الكمي يتم بصورة حسابية وليس من خلال طبع عملة وضخها في الأسواق. ومثل هذا الضخ الحسابي الذي يقابله سندات في أصول الجهة التي تقوم بالشراء وهي هنا المصرف المركزي ، قابل للاسترجاع. فبعد أن تعود الأوضاع لطبيعتها يمكن استرجاع السيولة المحاسبية التي تم ضخها في الاقتصاد عن طريق إعادة بيع السندات لنفس الجهة التي كانت باعتها في الأصل. أن تطبيق هذه السياسة في الإمارات لا ينطوي على مخاطر تضخمية وهناك دلائل قوية على نجاح سياسات التخفيف الكمي في العديد من دول العالم ومنها اليابان والولايات المتحدة والتي تمكنت بفضل هذه السياسة من معالجة الكثير من جوانب الخلل التي تولدت في أعقاب الأزمة المالية العالمية. التخفيف الكمي بما له من آثار توسعية في الاقتصاد، يمكن أن يوازن الأثر التقلصي الذي يحدثه نزف الموارد الناجم عن تسيد الديون وهو بالتالي يعتبر الحل الذي يستكمل الخطوة التي بدأتها حكومة أبوظبي بشراء أصول من الدار العقارية.