عادت هيمنة الأداء الروتيني على تداولات أسواق الأسهم المحلية خلال أول جلستين من الأسبوع الماضي، وذلك مع غياب الحوافز وخيبة الأمل التي تعلقت بها آمال المضاربين في إدراج الأسواق المحلية ضمن مؤشر مورغان ستانلي للأسواق الناشئة، واتسمت التداولات بالرتابة المملة، والتي تشعر المستثمرين بأن الأسواق دخلت فيما يشبه الموت السريري. فقد تذبذبت الأسعار في نطاق ضيق يعبر عن حركة محدودة، وعن عمليات بيع وشراء حذرة بدورها، تؤشر إلى غياب الثقة في إمكانية حصول تحسن على المدى المنظور. أما في بقية جلسات الأسبوع فقد سادت حالة من البيع غير المبرر على وقع مخاوف تطلقها أخبار غير دقيقة، أو شائعات أو تفسيرات غير صحيحة، لأحداث أو لإجراءات تم اتخاذها، دون التأكد من صحتها، ومن مدى دقتها. وقد كان الخروج من الأسواق يومي الثلاثاء والأربعاء مثالاً على هذا السلوك الجمعي، الذي هو في الواقع، وتحت ضغوط نفسية متراكمة، أصبح ميالاً لتصديق الأخبار السلبية، لتكون بمثابة الذريعة للخروج من الأسواق.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: انتكاسة الأسواق التي أعقبت قرار تأجيل ضم أسواق الدولة لمؤشر مورغان ستانلي غير منطقية، لا من حيث التوقعات، التي كانت تشير أصلاً إلى أن التأجيل أمر شبه حتمي، ولا من حيث الأهمية المتوقعة لهذا الإدراج. فدول الخليج، والإمارات من بينها، ليست من الدول التي يعتمد اقتصادها على الاستثمارات الأجنبية. فالإمكانات الذاتية كبيرة بحيث تمكنها من الاستغناء عن الاستثمار الأجنبي. ولعل من المفارقات التي يجب أن نتذكرها بمناسبة تأجيل إدراج أسواق الإمارات ضمن المؤشرات العالمية أن قيمة الاستثمارات الإماراتية في دول العالم المختلفة بمئات المليارات من الدولارات، فيما لا تزيد قيمة الاستثمارات الأجنبية، بما فيها العربية للمقيمين وغير المقيمين في أسواق الدولة، على 28.1 مليار درهم، تشكل 8.1% من القيمة السوقية الإجمالية لسوقي دبي وأبوظبي الماليين. ولو استبعدنا المستثمرين العرب، والذين هم في غالبيتهم مقيمون بالدولة، فإن استثمارات الأجانب في أسواق المال في الدولة لا تشكل سوى نسبة 3.1% من القيمة السوقية، ولا تزيد قيمتها على 10.7 مليارات درهم حالياً. وعلى هذا الأساس، وبموجب هذه الأرقام، فإن إدراج الأسواق ضمن مؤشر مورغان ستانلي ما كان سيضيف سيولة كبيرة للأسواق؛ لا تتمكن القدرات الذاتية للدولة من ضخها في الأسواق.

قابلية التسييل السريع

وقال الدكتور الشمّاع: ما لم تتحسن قابلية الأسهم على التسييل السريع فليس من المتوقع أن يدخل الأجانب والمحافظ والصناديق إلى السوق ليظلوا فيها عالقين إلى أجل غير مسمى. لقد كان من المتوقع في حال إدراج الأسهم المحلية ضمن المؤشرات العالمية أن تدخل صناديق التحوط نظراً للانخفاض الكبير في مضاعف الربحية لأسواق الدولة ومضاعفات ربحية معظم الأسهم التي يحق للأجانب الدخول إليها. وليخرجوا بعد ذلك بعد أن ترتفع الأسهم لمستويات مجزية، محملين بالأرباح. غير أن إدراك الوكالات العالمية لأوضاع السيولة في دول الخليج عموماً وأسواق الإمارات خصوصاً جعل هذه الوكالات تحجم عن إدراج الأسواق الخليجية، التي كانت موعودة بالإدراج، متوخية في هذا التأجيل عدم توريط الصناديق والمحافظ الكبيرة في أسواق منعدمة السيولة. كما أن هذه الوكالات تدرك تماما أن أوضاع القطاع العقاري وارتباطه بالقطاع المالي سيحولان دون تحسن وارتفاع الأسواق. كما تدرك أن أي ارتفاع قد ينجم عن دخول سيولة أجنبية سوف يتم استيعابه من قبل المستثمرين المحليين المتعطشين للسيولة، بسبب ما عليهم من التزامات وديون في العقارات، والتي ستدفعهم للتسييل حال ارتفاع الأسواق لمستويات مجزية لهم، وقبل أن يقوم الأجانب بجني الأرباح الناجمة عن دخولهم للأسواق. وهذا يعني أن إدراج أسواق الأسهم في الوقت الحاضر قد يؤدي إلى خسائر للمستثمرين الأجانب بدلا من التربح المستهدف.

ذرائع وهمية

وأضاف الشماع: لا تعلن «مورغان ستانلي» وغيرها، التي تستهدف مصلحة المستثمرين الأجانب، أن سبب التأجيل يتعلق بسيولة الأسواق وبالمشكلات الاقتصادية التي تحيط بالاقتصاد، بل تتذرع بشتى الذرائع التنظيمية، حيث كانت الذريعة هذه المرة، وكما ورد في بيانهم، تتعلق بالمخاوف فيما يخص فعالية إطار نظام التسليم مقابل الدفع في حماية الأصول بصورة كاملة، في ظل ظروف معينة، إلى جانب استمرار تأكيدهم على نظام البيع على المكشوف، وذلك بالرغم من إقرارهم بما قامت به هيئة الأوراق المالية من نشر مشاريع تسمح بالبيع على المكشوف والاقتراض والتسليف بضمان الأسهم.

وأوضح: الحقيقة أن أسباب التأجيل لا تتعلق بالبنية التنظيمية لأسواق الإمارات، والتي بفضل الجهود الكبيرة لهيئة الأوراق المالية والسلع أصبحت مطابقة لأفضل مواصفات البورصات العالمية، وإنما في المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد، والتي تجعل أسواق الأسهم غير مغرية وغير مستقطبة، لا للاستثمار الأجنبي ولا المحلي. ويأتي على رأس هذه المشكلات الصلة المترابطة والوثيقة بين أسواق الأسهم والعقار، وما يترتب عليها من استمرار تراجع قيم الأصول، وبالتالي عجز وتعثر الشركات الحكومية والعامة والخاصة والأفراد عن الوفاء بالالتزامات والديون المستحقة، واضطرارهم لسحب السيولة من الاقتصاد ودورة الأعمال لسداد جزء من هذه القروض، وتدوير الأخرى نحو سنوات قادمة، والذي بدوره يقود إلى تعميق الركود الاقتصادي وجعل آفاق المستقبل غير واضحة.

التمويل لقروض مستحقة

وأضاف الشماع: من جهة أخرى فإن إعادة التمويل لقروض مستحقة بقروض جديدة سواء من داخل الاقتصاد أو من خارجه لا تتم إلا بكلفة عالية وفوائد ترهق كاهل الشركات، التي تقوم بإعادة تمويل قروضها. فأسعار الفائدة التي تتحملها سندات أصدرتها سلطة جبل علي ومركز دبي المالي العالمي، رغم أنها قصيرة الأجل، إلا أنها تتحمل فوائد عالية جدا ترهق قدراتها المستقبلية، وتحل مشكلة على المدى القصير لتوقعها بمشكلة اكبر في المدى البعيد. وارتفاع أعباء الاقتراض وإعادة التمويل في ظل الوضع المالي العالمي الراهن يزيد صعوبات التمويل، بالاعتماد على الأسواق العالمية، ويضع اقتصاد البلد أمام خيارات صعبة أسهلها إعادة تمويل الديون، وبما يعنيه ذلك من تأجيل دفعها لعدة سنوات للأمام. هذا الحل الأسهل نسبيا كان سيكون مقبولا لو أن الديون واجبة التسديد تنتهي العام المقبل، أو حتى عام 2013. غير ان الواقع يشير إلى أن الديون المستحقة على الشركات المملوكة للحكومات والشركات العامة، بما فيها المصرفية تمتد لما بعد العام 2022.

ترك الأمور على غاربها

وقال الشماع: إن ترك الأمور على غاربها، وترك كل شركة تجتهد في إيجاد الحلول لأوضاع مديونيتها، وبالطريقة التي تعتقد أنها مناسبة لها، ينطوي على الكثير من الآثار السلبية على أوضاع الاقتصاد والسيولة. إن موضوع الديون، وبالذات الجزء الخارجي منها، هو مسألة سيادية تخص الدولة ككل، ويجب أن يتم التعامل معها على الصعيد الاتحادي وليس على صعيد المايكرو لكل شركة على حدة، أو على الصعيد المحلي. فارتفاع مخزون الوحدات السكنية إلى مئات الألوف، مع توقع ارتفاع هذا العدد، يشكل خطرا محدقا، ليس باقتصاد إمارة أو شركة، وإنما بالأمن الاقتصادي للدولة بأسرها. واستمرار تزايد المخزون من الوحدات السكنية خلال السنوات الماضية، في وقت تتناقص فيه السيولة نتيجة تسديد الديون خلال السنوات المقبلة، يعني المزيد من تراجع قيم الأصول العقارية والمالية في أرجاء الدولة، حتى في المناطق التي لا يوجد فيها فائض كبير من الوحدات السكنية. المزيد من التراجع في أسعار العقار يعني انخفاض قيمة الضمانات المقدمة لقروض تصل قيمتها ألى أكثر من 161 مليار درهم حتى يونيو 2011. وتراجع قيم الضمانات العقارية يتطلب من المصارف تجنيب مخصصات بنسب الانخفاض الجديدة في حالة لم يتمكن المقترضون من تقديم عقارات إضافية لضمان مبلغ القرض. وهو ما قد يعرض المصارف للمخاطر النظامية التي قد تعجز عن مواجهتها، خصوصا في ظل غياب التأمين على الودائع.

البنوك والعقاب الجماعي

ومن جهته قال نبيل فرحات، الشريك في شركة الفجر للأوراق المالية: بدا واضحاً خلال الأسبوع الماضي؛ العقاب الجماعي الذي تقوم به البنوك من حيث التسييل، ما أعطى انطباعاً بأن هناك خللاً ما في البنوك التي تقوم بعمليات التسييل، الأمر الذي يعزز بدوره ما تم نشره في بعض التقارير الصادرة عن إحدى شركات التصنيف الائتماني، التي كانت تشكك في قدرة الجهاز المصرفي على توفير السيولة الكافية لسداد هذه الديون من دون مساعدة المصرف المركزي أو التدخل الحكومي. فحسب الأرقام الصادرة عن وكالة بلومبرغ فإن هناك قروضاً تصل إلى 109 مليارات درهم مستحقة خلال العام 2012 (تشمل قروضاً حكومية وشبه حكومية وللشركات المدرجة)، ما يعني أن الإمارات قد تواجه صعوبة في التعامل مع هذه الاستحقاقات. خصوصاً وأن مصدر السيولة من البنوك المحلية ضعيف جداً، نظراً للعجز بين القروض والودائع، الذي يبلغ حوالي 10.5 مليارات درهم منذ شهر أكتوبر الماضي، في حين ان الأسواق المالية العالمية أغلقت أبواب الإقراض لديها نتيجة لأزمة اليورو والتخوف من سلامة استثماراتها في الخليج، لتداعيات الربيع العربي. او بمعنى آخر انه يجب توفير أكثر من 109 مليارات درهم على الأقل من السيولة الجديدة داخل بنوك الإمارات لضمان قدرة البنوك على تغطية أو التعاطي مع استحقاقاتها خلال العام المقبل. وهذا فقط من دون الأخذ بعين الاعتبار تمويل نمو الأنشطة الاقتصادية الأخرى. وأضاف فرحات: لقد شكك المحللون بالتالي في القدرة على سداد هذه القروض من دون مواجهة صعوبات في حالة بقاء وضع البنوك على حالها (عجز بين القروض والودائع، انسحاب مستمر للودائع، عدم القدرة على استقطاب ودائع جديدة نتيجة لأزمة الديون السيادية العالمية، وتباطؤ الاقتصاد المحلي، الانكماش في حجم الإقراض، والانخفاض اللولبي في أسعار الأصول). كما انه من المتوقع لأسعار النفط ـ حسب التحليلات الجديدة ـ الانخفاض خلال العام 2012 إلى ما دون 85 دولاراً للبرميل (تقديرات صندوق النقد تقول إن ميزانية الإمارات تحتاج لأن يكون السعر حوالي 82 دولاراً للبرميل)، نتيجة للانكماش الاقتصادي العالمي بعد تطبيق سياسة التقشف، مصحوباً ببدء التباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي في الصين وأوروبا والولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على النفط، وبالتالي انخفاض الأسعار. وكل هذه العوامل مجتمعة ما هي إلا وصفة تؤذن بالاستمرار في دوامة الانكماش الاقتصادي اللولبي وتأثيره السلبي على أسواق الإمارات، إذا لم نكن سباقين في احتواء هذه الأزمة قبل حصولها.