أكد اقتصاديون ورجال أعمال إماراتيون أهمية الحذر مما يعرف اقتصادياً "بالخطر الأخلاقي" وعدم التهاون بأمر الديون والاقتراض من البنوك الذي هو مجرد وسيلة يتبعها الفرد للتعامل مع الموارد المحدودة وعلى المدى القصير وألا يستدين لأمور كمالية لا حاجة لها وأن يقتصر على مـا تدعـو إليه الضرورة فقط، مشيرين إلى أن الدين ذل بالنهار وهم بالليل. وشدد الحضور خلال ندوة أقيمت في دبي أمس في ندوة الثقافة والعلوم على أهمية نشر الوعي في الإمارات حول مخاطر الاقتراض وضرورة تحمل "المسؤولية المالية"، محذرين في الوقت نفسه من "الخطر الأخلاقي" والتفكير بأن القروض سيتم في النتيجة تسديدها من قبل الحكومة في المستقبل. واقترح الحضور خلال الندوة تأسيس هيئة وطنية في الإمارات مهمتها نشر الوعي حول ثقافة الادخار بين المواطنين وتنظيم عملية الاقتراض.

وحضر الندوة المستشار المالي صلاح الحليان الأمين العام لاتحاد هيئات الأوراق المالية العربية والدكتور عبدالرزاق الفارس المدير التنفيذي لوحدة السياسات والشؤون الاقتصادية في مجلس دبي الاقتصادي وعيسى يوسف السويدي مدير شركة "بي تو بي" لإدارة الفعاليات وعدد من رجال الأعمال في الدولة.

وألقى الحليان خلال الندوة محاضرة بعنوان "مشكلات الإقراض في الإمارات" أكد خلالها وجود علاقة طردية بين الادخار من ناحية وبين الإنتاج والتنمية من ناحية أخرى وذلك في اقتصادات التنمية والتخطيط وبأن خفض معدل الادخار يؤثر سلباً على التنمية.

وشدد الحليان على ضرورة نشر الوعي بين أفراد المجتمع الإماراتي حول "المسؤولية المالية" ووجود خطة مالية تساعد على تحقيق الأهداف المالية. وشدد الحليان على ضرورة أن تقوم الأسر بتحديد بنود وأبواب الصرف والأهداف المالية للعائلة والتعامل مع مشكلات التضخم وزيادة الأسعار بفعالية وترشيد الصرف وعمل ميزانية لأفراد الأسرة وحساب للطوارئ وعدم استخدام بطاقات الائتمان إلا للضرورة وفي حالات السفر وأن لا يتجاوز إجمالي الالتزامات المالية كالقروض من الراتب نسبة 35%. وأشار الحليان إلى أن القروض الشخصية ازدادت في الإمارات بنسبة 125% خلال السنوات الأربع الأخيرة وهو ما يبرز أهمية نشر ثقافة التوفير في الدولة.

نظم وقوانين

وأضاف الحليان: "البنية المالية التحتية من تشريعات ونظم وقوانين لم تدخل مرحلة النضوج في الدولة بعد ولا يزال هنالك نقص في القوانين من المهم إلى أهمية وجود قوانين تنظم إجراءات الإفلاس والائتمان بهدف ضبط التصرفات المالية للفرد ومؤسسات داعمة لتلك القوانين مثل مكتب الائتمان الذي يسجل الالتزام أو مخالفات السداد ويكون معياراً لمنح القروض وعدم الإسراف فيها". ولفت الحليان إلى أن الاقتراض هو وسيلة لتلبية الاحتياجات المالية خصوصاً في ظل التضخم المالي وزيادة الأسعار ومحدودية الدخل وصعوبة التوفير والادخار، مشيراً إلى أن الإمارات أولت أهمية خاصة منذ نشأتها للتعاون والادخار، حيث قضت المادة (24) من الدستور المؤقت لدولة الإمارات بأن (الاقتصاد الوطني أساسه العدالة الاجتماعية وقوامه التعاون الصادق بين النشاط الخاص، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج ورفع المستوى المعيشي وتحقيق الرخاء للمواطنين في حدود القانون ويشجع الاتحاد التعاون والادخار).

وأشار الحليان إلى ان الاستهلاك أصبح في عصرنا الحالي ظاهرة عالمية وليس مرتبطاً فقط بالمجتمع الإماراتي، مشيراً إلى أن في العالم اليوم "موجة استهلاك عارمة" وأن معظم شعوب العالم أصبحت استهلاكية وغير قادرة على الادخار. ولفت الحليان إلى أن نسب الادخار في ألمانيا لا تتجاوز 16% والصين 50% والولايات المتحدة 6% فقط خلال العقود الأربعة الماضية، في حين أن تلك النسبة اليوم هي سلبية، أي أن المواطن الأميركي بشكل عام لم يعد قادراً على الادخار. وأضاف: "بعد الأزمة المالية الأخيرة أصبح أصحاب الشركات في الإمارات والعالم مدركين لضرورة تقنين الاستهلاك وخفض التكاليف، ولذلك يقومون بتعهيد احتياجاتهم مثل التسويق والعلاقات العامة إلى شركات أخرى وهذا بدوره يدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في المجتمع".

أمثلة ناجحة

وذكر الحليان أن الملياردير الأميركي وارن بفيت اشترى مزرعة صغيرة في سن الرابعة عشرة من ادخاره في توزيع الجرائد اليومية ما يجعله من الأمثلة الناجحة في حسن الإدارة المالية، مضيفاً لأنه وعلى الرغم من ثروته الطائلة إلا أن لم ينجر وراء الإسراف ودرب أولاده على ضرورة الادخار وتحمل مسؤولياتهم المالية الخاصة.

في سياق ذلك قال عبدالرزاق الفارس خلال النقاش ان الدين في مجتمع الإمارات أصبح يأخذ أبعاداً مهمة وحتى خطيرة في بعض الأحيان، مشيراً إلى أنه لا يكاد يخلو منزل في الدولة من الدين الذي تجاوز مفهوم الاستثمار، مشيراً إلى أن آخر إحصاءات المصرف المركزي تشير إلى أن القروض المستحقة على المواطنين البالغة 48 مليار درهم تتراوح فيها نسبة القروض المتعثرة أو شبه المعدومة من 20 -30%. وأضاف الفارس: "لم يعد الدين وسيلة للاستثمار أو تلبية الاحتياجات الآنية أو الطارئة بل أصبح قضية اجتماعية تثقل كاهل المواطن والأسرة ومن ثم أصبحت الدولة معنية لأن الكثير من المواطنين يقومون بالاقتراض من دون معرفة كاملة بشروط الدين والسداد وهو ما يعقد من المشكلة".

وأشاد الفارس بقرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، المتضمنة إنشاء صندوق برأسمال 10 مليارات درهم يتولى دراسة ومعالجة قروض المواطنين من ذوي الدخل المحدود، متمنياً أن تكون هذه المكرمة حافزاً للمواطنين لإدارة التزاماتهم المالية بفعالية وحكمة أكبر في المرات المقبلة، وعدم التورط في الديون إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، والحذر مما يعرف اقتصادياً "بالخطر الأخلاقي"، بمعنى الابتعاد عن أخذ القروض والتفكير بأن القروض سيتم تسديدها في المستقبل من قبل الحكومة أو خلاف ذلك.