تودّع اسواق المال المحلية بعد ايام قليلة عاما من التعاملات التي سيطر عليها التراجع للعام الثالث على التوالي وخسر فيها الكثير من المتداولين جزءا من استثماراتهم بعد ارتفاع وتيرة الانخفاض، وعلى نحو غير مبرر لا تنسجم مع الاداء الجيد للاقتصاد الوطني من جهة والنمو الذي حققته غالبية الشركات المتداولة في ربحيتها من جانب اخر.
واذا كانت القيمة السوقية لاسهم الشركات المتداولة نجحت بتعويض نحو 50 مليار درهم من قيمتها في العام 2010 الا ان اغلاقها خلال العام الجاري جاء مغايرا ومخالفا لتوقعات الكثير من المحللين، حيث بلغت خسائر الاسواق حتى منتصف شهر ديسمبر الجاري 40 مليار درهم بعد تراجع اجمالي القيمة السوقية الى 345 مليار درهم مقارنة مع 385 مليار درهم في ديسمبر السابق. مما يعني ارتفاع قيمة الخسارة الى 68 مليار درهم منذ عام 2009 والتي وصلت فيه القيمة السوقية الى 413 مليار درهم . كما تراجعت قيمة التداولات الى 55 مليار درهم وبنسبة 50% مقارنة مع العام السابق .
ومن هنا لم يكن من المستغرب ان يصف المحللون العام الجاري بانه الاسوأ مقارنة مع الاعوام الثلاثة الماضية رغم اجماعهم على ان الاداء لم يكن يعكس باي حال الوضع الاقتصادي المتميز لدولة الامارات، مما يعني ان هناك عوامل اخرى ساهمت فيما وصلت اليه الاسواق من تعثر طيلة هذه المدة الطويلة، في حين ان اسواق دول اخرى مجاورة استطاعت العودة الى التحسن وتعويض جزء من خسائرها في بعض الاحيان وتحقيق ربحية بالنسبة لبعضها الاخر.
ولعل استمرار تراجع الثقة في التعاملات كان كلمة السر فيما شهدته الاسواق المالية المحلية من تراجع متواصل خلال السنوات الثلاث الماضية وهو ما ساهم بالتالي في جميع الظواهر السلبية التي سجلت خلال العام 2011 وفي مقدمتها شح السيولة التي وصلت ذروتها الى جانب سيادة المضاربات، وتحكمها في توجيه تحركات الاسهم بواسطة سيولة ضعيفة للغاية وغياب شبه كامل للمحافظ المحلية وصانع للسوق الذي يتولى ضبط حركته وتوازنه بالإضافة الى عزوف المزيد من المستثمرين عن الاستثمار وخروجهم من قاعات التداول.
انعكاسات سلبية
ولا يمكن بالطبع عند الحديث عن تقييم اداء الاسواق المالية خلال العام 2011 تجاهل القضية المتعلقة بمحاولة البعض ايجاد رابط نفسي مع الاسواق العالمية الامر الذي كان له انعكاسات سلبية كبيرة عليها، خاصة وان عملية الربط كما يؤكد العديد من المحللين اقتصرت على التراجع فيما لم تتفاعل الاسواق في حال الايجابية التي اتسمت بها تحركات العديد من نظيراتها سواء العالمية او العربية.
وبرغم التوقعات باستمرار حالة الضبابية وعدم الاستقرار مسيطرة على التعاملات إلا أن خبراء ماليين يتوقعون أن تشهد أسواق الأسهم المحلية بعض التحسن خلال العام القادم خاصة في ظل انخفاض الاسعار الى مستويات مغرية مقارنة مع الاسواق المجاورة.
وبرغم تفاؤل الخبراء بحدوث تحسن في التعاملات خلال العام القادم الا انهم طالبوا بضرورة قيام المحافظ المحلية باخذ دور الريادة في اعادة النشاط الى قاعات التداول وعدم الاعتماد على دخول سيولة اجنبية والتي عادة ما يكون هدفها جني الارباح السريعة وليس الاستثمار، مشيرين ايضا الى ان محاولة البعض تصوير ان الانضمام الى المؤشرات العالمية سيساهم في دعم الاسواق واخراجها من ازمتها هو اعتقاد خاطئ، وذلك لان تنشيط الاسواق بالاعتماد على الداخل يعتبر الاساس الذي سيجذب المستثمر الاجنبي للاستثمار فيها كما كان يحدث في الاعوام التي سبقت 2007.
وكانت أجواء الضبابية والتراجع التي سيطرت على أسواق الأسهم المحلية ساهمت في وجود حالة من الإرباك في أوساط جميع المتابعين ,ولم يعد من السهولة بمكان إقناع المستثمرين بالتحليلات التي تحاول تقديم تشخيص للأوضاع التي تسود الأسواق بعد الخسائر التي تكبدتها خلال السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية. وبرغم التحسن الكبير الذي سجلته الأسواق العالمية التي انطلقت منها شرارة الأزمة الاقتصادية إلا أن أسواقنا ما زالت تفقد المزيد من قيمتها يوما بعد يوم مما دفع شريحة كبيرة من المتداولين لتصفية استثماراتهم تفاديا لتحمل المزيد من الخسائر، الأمر الذي عمق من المعاناة التي تبدو جلية من خلال تراجع السيولة المتداولة الى مستويات لم تكن تسجل حتى في بداية تأسيس هذه الأسواق.
وفي ظل هكذا وضع فقد انعكست السلبيات على جميع الأطراف العاملة في السوق حيث اضطرت العديد من شركات الوساطة لتصفية أعمالها , أو وقف لنشاطها مؤقتا بعدما لحق بها من ضرر الى حين عودة النشاط وتراجع عدد الشركات العاملة في القطاع الى 57 شركة بحسب اخر الاحصائيات الصادرة عن الجهات المعنية.
أداء الأسواق
وفي التفاصيل الخاصة بآراء الخبراء بشأن اداء الاسواق خلال العام 2011 قال عبدالله الحوسني المدير العام لشركة الامارات دبي الوطني للخدمات المالية: لم يكن أداء أسواق المال المحلية عاكسا لاستقرار الاقتصاد الإماراتي، وقدرته على مواجهة الأزمة المالية التي مازالت تعصف ببعض دول العالم. حيث كان أداء الأسواق ضعيفا نسبيا وشهد انخفاضات كبيرة في أسعار الاسهم المدرجة بالرغم من النتائج الجيدة التي حققتها غالبية الشركات.
واشار الى ان أهم الملاحظات على أداء الأسواق تمثل في استمرار ضعف مستوى الثقة من قبل المستثمر المحلي والأجنبي في التعاملات وهو ما انعكس في ارتباط أسواقنا السلبي بنظيرتها العالمية، حيث شاهدنا أسواقنا تنخفض بشكل كبير في حال حدوث أي انخفاض في الأسواق العالمية، في حين لا ترتفع في حال وجود النشاط .
واوضح ربما يكون من اللافت للنظر في تعاملات العام 2011 استمرار القطاع العقاري في الاستحواذ على اكبر التداولات في السوقين بقيادة شركتي أعمار وأرابتك بالرغم من ضعف القطاع العقاري في الدولة بشكل عام، وازدياد اهتمام المستثمرين بكافة أنواعهم من أفراد ومؤسسات في قطاع البنوك والاقبال على الشراء فيه نتيجه لأداء البنوك المحلية الجيد من خلال تعاملها الحريص مع الأزمة وتجاوزها لكافة اختبارات الضغط التي قام بها المصرف المركزي.
وعلى الاتجاه المعاكس يقول الحوسني: يمكن ملاحظة انخفاض الإقبال على قطاع الاستثمار وانخفاض قدرته على قيادة السوق أو التأثير فيه عما كان عليه خلال السنوات السابقة وانخفاض أسهم القطاع إلى مستويات جديدة مثل سهم سوق دبي المالي ودبي للاستثمار.
سوق الإصدارات
ويستعرض الخبير المالي حسام الحسيني اهم الملاحظات التي شهدتها اسواق المال المحلية منها ما هو ايجابي واخر سلبي، وعلى الجانب الايجابي فقد نجحت معظم القطاعات بالاستمرار في تحقيق أرباح جيدة خلال العام الجاري لاسيما القطاع البنكي الذي استطاع تحقيق نمو في ربحيته بنسبة 20% ، كما شهد القطاع العقاري العودة الى الربحية وكما هو معروف فان هذين القطاعين لهما اكبر تأثير على حركة الأسواق المالية .
كما شهدت أرباح معظم الشركات المدرجة تقاربا كبيرا من توقعات المحللين الأمر الذي يعزز وضوح الرؤية المستقبلية لنشاطات هذه الشركات وربحيتها.
كذلك فان العام الجاري شهد هذا العام أكثر من عملية إدراج جديدة خصوصا في سوق ابوظبي الأمر الذي من شأنه ان يبعث الحياة من جديد في سوق الإصدارات الأولية . وذلك الى جانب اصدار أدوات الدين من بعض الشركات والبنوك التي تم تغطيتها بأكثر من مرة الأمر الذي يدل على ثقة المستثمرين بهذه الشركات و البنوك في الوقت الذي تعاني منه دول كبرى من أزمات مالية .
اما فيما يتعلق بالملاحظات السلبية يقول الحسيني فقد تمثلت في ضعف المستويات السعرية التي بلغتها الاسهم والتي وصلت بموجبها الى قيعان تاريخية جديدة وكذلك تدني احجام التداولات التي شهدت بدورها انخفاضات قياسية تاريخية ايضا.
وبالإضافة الى استمرار غياب العمق السوقي ممثلا في المؤسسات المالية العالمية والمحلية حيث انخفضت حصة هذه الشريحة من الاستثمار الى مادون 3% بعد ان كان نسبته فوق 15% عام 2008 فقد استمرت الفجوة الحاصلة بين وجود الأساسيات الايجابية سواء على صعيد الاقتصاد الكلي والجزئي واداء الشركات و بين ترجمة هذه الأساسيات على اداء السوق . كذلك فقد استمر الارتباط وخاصة في الشق السلبي مع اداء الاسواق الاجنبية .
وقال الحسيني ان ما وصلت اليه الاسواق الاماراتية ليس وليد عامل واحد او وليد فترة زمنية قصيرة بل جاء نتيجة اسباب متراكمة لذا فان العمل على إخراجه من ازمته يتطلب تضافر اكثر من جهد ومن اكثرمن جهة و يجب ان تعطى هذه الجهود وقتها للتأثير.
وعلى صعيد آلية عمل الاسواق هنالك العديد من الاجراءات والآليات والتي تم بدء العمل بجزء منها وبانتظار الجزء الاخر مثل أنظمة التسويات وانظمة الهامش والبيع على المكشوف ونظام صانع السوق وانظمة الصناديق وغيرها. وكما هو معلوم فان لمثل هذه الاليات دورا كبيرا في اعطاء عمق اضافي للاسواق وجذب استثمارات جديدة.
شركات الوساطة
وقال د.همام الشماع رئيس شركة الفجر للأوراق المالية إن فكرة إنشاء بورصة للشركات الصغيرة يجب ان تحظى باهتمام هيئة الأوراق المالية التي ندعوها لتشكيل فريق عمل من ممثلين عن الأسواق وعن الهيئة وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الى جانب شركات الوساطة لدراسة الفكرة وإمكانية تطبيقها. والموضوع يستحق بالفعل أن يحظى باهتمام جميع الأطراف.
فالعديد من المؤسسات الخاصة التي تحتاج الى التمويل ولا تجد أمامها غير القروض الباهظة الكلفة ستنتهز هذه الفرصة للحصول على التمويل الى جانب فرص النمو من حيث الحجم. ويجب عدم إغفال الكفاءة والخبرة التي يتمتع بها أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي ستنعكس على أداء مؤسساتهم التي ستكبر عند تحولها إلى مساهمة عامة.
كما أن تأسيس بورصة اتحادية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة سيسهم في إيجاد حل فعال وسريع لمشكلة شركات الوساطة المتمثلة بتراجع قيم التداول. والسوق الأولية للإصدار. والاكتتابات في السوق الأولية ستسحب بصورة مؤقتة جزءاً من السيولة المودعة لدى المصارف بصورة ودائع ثابتة وادخارية واللتان تشكلان نسبة 69% من أجمالي الودائع الخاصة بدون الحكومية لتعود.
بعد ذلك إلى المصارف مجددا بشكل ودائع جارية قبل ان تتحول بعد حين مجددا إلى ودائع زمنية ثابتة وادخارية. وفي هذه الأثناء وخلال فترة سحب جزء من الودائع الثابتة من المصارف ستضطر المصارف لرفع أسعار الفائدة على الودائع وبما يؤدي إلى توازن التوجه نحو سوق الإصدار الثانوي مع سوق الودائع المصرفية. واعتقد أم ما تقدم هو اهم ما يمكن انجازة والعمل عليه لمعالجة الأوضاع الراهنة.
نتائج فورية وسريعة
اما في الجانب الإداري الذي يمكن ان يكون ذا نتائج فورية وسريعة. وتتضمن الاجراءات التدخل المباشر من خلال تخصيص محافظ تعمل على أسس استثمارية تموّل بصورة مشتركة من السلطات العامة والقطاع الخاص بنسبة محددة وتقوم ادارتها بتوزيع تداولات هذه المحافظ على جميع شركات الوساطة التي تمارس فعلا وبصورة متساوية بهدف إعادة بناء القدرات المالية لهذه الشركات والتي تراجعت بسبب الخسائر التي تحملتها في السنتين المنصرمتين وبما يجعلها قادرة على استحصال التراخيص الضرورية لممارسة نشاط التداول على الهامش.
وتشمل ايضا تعهد الحكومات المالكة لشركات قابضة في الدولة تمتلك بدورها حصة في شركات مساهمة مدرجة في الاسواق ، بعدم قيامها أي الشركات القابضة ، ببيع أسهم الشركات المدرجة وبما يؤدي الى تراجع الاسواق وزيادة شفافية الأسواق بما يستقطب المستثمرين والصناديق الأجنبية ولعل وجود مؤشرات اقتصادية على غرار الأسواق العالمية هو من الأمور الهامة. ومن هذا المنطلق ،تنبع ضرورة إنشاء وإصدار مؤشرات اقتصادية كمؤشر مبيعات التجزئة ومؤشر مسؤولي المشتريات في شركات مواد البناء ومؤشر معدل نمو التوظيف ومؤشر ثقة المستهلكين وغيرها من المؤشرات الاسبوعية والشهرية التي تحرك الاسواق.
كذلك زيادة عمق الاسواق من خلال تحفيز الشركات على إدراج أسهمها في البورصة واعتمادها كمصدر أول لتمويل الاستثمار في الاقتصاد. وكلما ازداد عمق السوق قلت فيها التذبذبات السعرية نتيجة لاستمرار أوامر البيع والشراء التي سرعان ما تعيد حالة التوازن للسوق. وطبيعي فإن تزايد عدد الشركات المدرجة يرفع من أعداد المتداولين ومن أوامر البيع والشراء كما يتيح فرصاً اكبر لتنويع المحافظ الاستثمارية نتيجة لارتفاع عدد القطاعات المدرجة في السوق والتي تعكس بصورة أوضح أداء الاقتصاد الوطني.
وزيادة المنتجات المالية المقصود بها وفقا للدكتور الشماع هي تلك التي توفر الأدوات التي تجتذب المستثمرين بما توفره لهم من حماية من انخفاض الأسواق بعضها قد يسمح في الوقت نفسه بالاستفادة من أي ارتفاع قد تسجله هذه الأسواق. وفي الغالب فإن هذه الأدوات عديدة أبرزها البيع على المكشوف أو ما يسمى بالشورت والمنتجات المركبة والتي هي استثمار مركب يضم أو يجمع أداتين ماليتين مختلفتين.
الأسهم النظامية
قال جمال عجاج المدير العام لمركز الشرهان للاسهم والسندات لقد كان اداء السوق لعام 2011 من أسوأ الاعوام التي مرت على سوق الاسهم النظامية منذ تأسيسها عام 2000 واكثر الامور سوءا هو انخفاض التداولات الى مستويات غير مسبوقة نتيجة عزوف المستثمرين بسبب فقدان الثقة في الاسواق بعد التراجعات شبه اليومية للمؤشرات وابتعاد كبار المستثمرين وخاصة المحافظ الكبيرة التابعة للبنوك والشركات وتراجع القيم السوقية للأسواق لمستويات قاربت على القيمة الاسمية لها نتيجة انخفاض اسعار عدد كبير من الاسهم الى اقل من 30 % من قيمتها الاسمية لسعر السهم.
ومن الاثار التي ترتبت على تراجع الاسواق وانخفاض لأسعار واحجام التداول خروج عدد كبير من شركات الوساطة بسب انخفاض الدخل وبقاء المصاريف الرئيسية مرتفعة مما كبدها خسائر اجبرها على الخروج من السوق .
وأشار عجاج الى انه من الاجراءات التي تساعد السوق على التحسن قيام الجهات المختصة بتشجيع المحافظ الكبيرة لدخول السوق وزيادة الشفافية والوضوح، قيام مؤسسات شبه حكومية بالاستثمار في السوق المحلي من خلال محافظ استثمارية طويلة الاجل، قيام الاسواق وهيئة الأوراق المالية بمساعدة السوق عن طريق خفض العمولات الخاصة بهم ونشر دراسات مبسطة تبين مؤشرات الاسواق مثل عائد الاستثمار وريع الاسهم ومكررات الربحية ومضاعف سعر السهم، وكذلك تشجع المحافظ على دخول السوق والتسريع بنشر بيانات المالية للشركات مرفق معها المؤشرات المتعلقة بالأسهم وكذلك مساعدة شركات لوساطة للاستمرار بعملها وخاصة بعد ان انخفض عددها الى حوالي 57 شركة من اصل 100 شركة او اكثر.
