تتعرض الأسواق المالية لضغوطات خارجية سواء من شركات التصنيف الائتماني - التي أصدرت تقارير تشير إلى تحديات قد تواجه البنوك وبعض الشركات شبه الحكومية العام المقبل- أو من شركة مورجان ستانلي - والتي أجلت للمرة الثالثة إضافة الإمارات إلى مؤشر الأسواق المالية الناشئة معللة ذلك بأشياء إضافية جديدة لم تكن في الحسبان.
وقال نبيل فرحات الشريك في شركة الفجر للأوراق المالية: أصبحت مهزلة شركات التصنيف ومورجان ستانلي تعمل على إبعاد المستثمر الأجنبي عن أسواق المال المحلية. وتعطي سمعة سيئة كل عام مما حتى أصبح يؤثر على تدفق الاستثمار المحلي أيضاً إلى السوق المحلي.
ولذلك قررنا أن نواجه هذه التحديات بإطلاق مؤشر الإمارات للاعتماد على النفس للأسواق الناشئة. وذلك لأنه أصبح واضحا لدى المتعاملين بالأسواق المالية - سواء المستثمرين أو المشرفين عليها- أننا أصبحنا لعبة بيد مؤشر مورجان ستانلي وان انتظار الأجانب لدعم الأسواق المالية أصبح مهزلة مع التنازلات التي نقوم بها يوما بعد يوم لاستيفاء شروطهم.
سحب طلب دخول المؤشر
وأضاف فرحات: من الأفضل للإمارات في الوقت الحالي أن تسحب طلب الدخول في مؤشر هذه الشركة لأنه كل مرة يتم رفض طلب الإمارات تؤثر سلبيا على سمعة ومكانة الإمارات المالية عالميا. ولذلك ندعو المسؤولين في الدولة إلى إعادة النظر في طلب الإدراج.
ونسأل ذاتنا هل نريد أن تأتي المحافظ الأجنبية وتشتري الأسهم الإماراتية على هذه الأسعار الرخيصة (القاع) جدا بأي معيار يتم اعتباره؟ كما أن الاعتقاد ان الأجانب سيأتون وينقذون أسواقنا المالية وتحل كل مشاكلنا هو اعتقاد خاطئ. حيث انه بصرف النظر عن إيجاد الحلول الفعلية لإنقاذ أسواقنا من الانحدار اللولبي سواء في الأسعار أو أحجام التداول او الثقة والتي نتعامل معها منذ أربع سنوات.
والادهى من ذلك أن البنوك الوطنية الكبيرة تتصرف وكأننا في وضع اقتصادي طبيعي (لا يوجد هناك أزمة مالية عالمية والأمور على مايرام) في حين تقوم خفية بالحجز على أموال هذا العميل وتسييل أسهم ذاك .
ومن ثم تخفض الكردت لاين للشركة الفلانية وتلاحق قضائيا المتخلف عن السداد وشيكات بلا رصيد وسجون ومحاكم وإجازات مرضية في الخارج. وكأننا دخلنا في حرب عالمية ثالثة خفية مدارة من قبل البنوك للقضاء على اكبر قدر ممكن من الطبقة المتوسطة العاملة في القطاع الخاص.
سلطة السياسة النقدية
وتابع فرحات: إننا نلاحظ انتقال السياسة النقدية للدولة تدريجيا من يد المصرف المركزي إلى يد "المستر بابو" مدير قسم المخاطر بالبنك المحلي الوطني الكبير.
والواقع أن الجميع يعلم أن جزءاً مما تقوم به البنوك الوطنية حاليا ضد المصلحة الوطنية لدرجة أن المستثمرين المحليين والشركات المتوسطة والصغيرة أصبحت تبحث عن قشة تتمسك بها لإنقاذها من الغرق في انحدار الدورة الاقتصادية مثل التعويل على الأجانب لإنقاذ أسواقنا المالية. وكانت الرسالة التي نستلمها من الأجانب في كل مرة "عليك أن تساعد نفسك أولا".
لذلك ولضمان انضمامنا إلى مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة مستقبلا يجب أن ننضم أولا إلى مؤشر "الاعتماد على النفس للأسواق الناشئة" لأننا نصنع قدرنا بيدنا. ولا يجب أن نعتمد على جيم وجو وبالطبع ليس المستر بابو ليصنع لنا قدرنا.
إن الانحدار اللولبي في أحجام التداول وأسعار الأسهم والثقة الذي تمر به الأسواق المالية منذ العام 2008 إلى الآن، والذي يزداد سوءاً عاما بعد عام، من المتوقع له الاستمرار في العام 2012 إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية لإعادة الوضع الطبيعي إلى ما كان عليه قبل الأزمة، أو على الأقل لنلحق بما حققته الأسواق المالية الإقليمية والعالمية من تحسن منذ نهاية الربع الأول من العام 2009، والذي لم تواكبه أسواقنا المحلية إلى الآن.
التأجيل الثالث
ومن جهته كتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: تراجعت أسواق الأسهم المحلية في جلسة نهاية الأسبوع بقوة اكبر من المعتاد لسلوكها الذي تحاكي به الأسواق العالمية، وذلك على وقع التأجيل الثالث لمورجان ستانلي في إضافة أسواق الإمارات لمؤشر الأسواق الناشئة، وكأن هذا التأجيل لم يكن متوقعا.
والواقع أن هذا القرار لم يكن مستبعدا في ظل تباطؤ اداء الأسواق المحلية وانخفاض قيم التداول وأحجامه وتراجع سيولة الأسهم، التي أصبح من العسير بيعها وشراؤها بالسرعة التي تتطلبها المؤشرات العالمية للأسواق.
وخلال كامل الأسبوع، وعدا عن جلسة آخر الأسبوع، كان التقلب في أداء مؤشر أسواق الإمارات وفق تقلب أداء الأسواق العالمية يوحي خطأ بأن الحالة التي تسود في العالم من قلق بشأن مستقبل الديون الأوروبية ومستقبل اليورو والإجراءات المتخذة في دول الاتحاد الأوروبي هي التي تؤجج المخاوف في أسواقنا المحلية.
وواقع الحال مختلف تماما، حيث ان الأسواق المحلية، التي تخلو من المستثمرين القادرين على البقاء في السوق حتى لبضعة أيام، تتأرجح يوميا على وقع مخاوف المضاربين اليوميين من خسائر غير قادرين على تحملها، خصوصا وأن قسماً كبيراً منهم يتداول بأموال لا يمتلكها (شراء على المكشوف).
وبالتالي فإن لا أحد من هؤلاء يمكنه تحمل انتظار بضعة أيام. ولعل ما يدلل على أن أداء المضاربين اليوميين ينتابه الحذر، الذي يعبر عن محدودية مواردهم وعن عدم امتلاكهم لمعظم أموال المضاربة التي يتداولون بها، هو التراجع المتواصل في قيم التداول، التي ما انفكت تتراجع ربعاً بعد آخر وسنة بعد أخرى منذ تفجر الأزمة المالية العالمية.
وتراجع قيم التداول يعبر بالأساس عن نضوب السيولة في أيدي المضاربين اليوميين ولدى المصادر التي تمول الشراء على المكشوف، ويعبر أيضا عن عدم رفد الأسواق بأي سيولة جديدة.
المشكلة في السيولة
وقال الدكتور الشمّاع: المشكلة التي تواجهها أسواق الأسهم هي تجسيد لعمق المشكلة التي يواجهها الاقتصاد كنتيجة لتفاقم مشكلات السيولة.
نقص السيولة والتداول وتراجع الطلب في كل الأسواق، بما فيها أسواق التجزئة، ناجمة عن استمرار خروج السيولة من دورة الأعمال، أو دورة الدخل القومي، سواء لتسديد التزامات الحكومات والشركات المرتبطة بها والشركات العامة المدرجة في الأسواق، أو لتسديد الفوائد على رصيد القروض الممنوحة للقطاع الخاص، والتي تصل إلى أكثر من 46 مليار درهم سنويا.
سحب السيولة من الاقتصاد بصورة عامة ومن القطاع الخاص بصورة اخص أدى ويؤدي إلى تراجع وتقلص دورة الدخل والإنتاج وإلى الركود الاقتصادي. وأسواق الأسهم، باعتبارها مرآة الاقتصاد والوحيدة التي تتوفر عنها بيانات تفصيلية عن قيم التداول، تأثرت بشكل واضح بأداء الاقتصاد المتراجع، وعكست تراجعه بصورة جلية.
تأثير سحب السيولة
وأضاف الشمّاع: من المعلوم أن دورة الدخل القومي تبدأ من تدفقات نقدية خارجة من مؤسسات الإنتاج في شكل دخول موزعة، وتنتهي بتدفقات نقدية داخلة لمؤسسات الإنتاج بشكل شراء منتجات مؤسسات الإنتاج هذه. وبموجب ذلك فإن كامل التدفقات الخارجة من مؤسسات الإنتاج السلعي والخدمي على مختلف أنواعها يجب أن يعود إليها.
وإذا لم يحدث ذلك لسبب ما، سواء بالزيادة أو النقصان، تعرضت دورة الدخل إما إلى التوسع أو إلى التقلص. وفي حالة زيادة التدفقات العائدة لمؤسسات الإنتاج (التدفقات الداخلة) عما كانت قد دفعته من دخول لعناصر الإنتاج ( التدفقات الخارجة) فمعنى ذلك أن الناتج ينمو، وإذا كانت التدفقات الداخلة أكبر بكثير من التدفقات الخارجة فسيكون هناك طفرة وتضخم، وهذا ما حدث خلال الأعوام 2006 و2007 والنصف الأول من 2008.
وعلى العكس من ذلك، أي في الحالة التي تكون فيها التدفقات النقدية الداخلة لمؤسسات الإنتاج أقل من تلك التي خرجت منها، فمعنى ذلك أن الناتج يتقلص وهناك نمو سالب أو ركود، وهو ما حدث ويحدث منذ النصف الثاني من العام 2008 وحتى الآن، وربما يستمر إلى ما بعد العام الحالي نظراً لامتداد تسديد القروض لما بعد العام 2020، وذلك في حالة عدم اتخاذ الإجراءات التي تعيد التدفقات النقدية الداخلة لمؤسسات الإنتاج لنفس مستوى ما خرج منها من دخول دفعتها كتكاليف لعوامل الإنتاج التي أسهمت في توليد الناتج المحلي.
إنكار شح السيولة
وأوضح الشمّاع: ولم يمنع إنكار شح السيولة ومحاولة إظهار نمو الاقتصاد، من خلال استخدام أرقام الأسعار القياسية غير المناسبة، تصاعد المشكلة في كل ميادين الحياة الاقتصادية، ولم يتغير من الأمر شيئاً في محاولات طمس المشكلة وإظهار الجوانب المشرقة في الاقتصاد، كل ما تمخض عن ذلك هو تضليل أولي للأمر وإخفاء للحقائق عن القيادة الحكيمة للدولة، والتي أثبتت دائما أنها الأكثر استجابة لمصالح الوطن العليا.
في العام المقبل سيتوجب تسديد استحقاقات تصل إلى 108 مليارات درهم، وبافتراض أنه سيتم إعادة تمويل نصفها بقروض جديدة أو بسندات تصدرها الجهات المدنية من شركات عامة وحكومية وهي في الواقعمجرد عملية تأجيل السداد لسنوات قادمة، فإن ما لا يقل عن 50 مليار درهم، وهي المتبقي مما يجب تسديده، سيتم سحبها من دورة الأعمال. أي أن 50 مليار درهم تدفقات نقدية أقل ستصل إلى مؤسسات الأعمال. والسؤال هو: ما هي الآلية التي سيتم بها سحب هذه السيولة من دورة الأعمال وكيف؟
والجواب هو أن السحب يتم من خلال المصارف، عبر ما تمنحه من قروض للشركات العامة والحكومية المدينة. وبدورها تسحب المصارف السيولة من القطاع الخاص، عبر ما تستوفيه سنويا من فوائد تصل إلى أكثر من 46 مليار درهم هي المستحقات على رصيد قروض يصل إلى 718 مليار درهم.
ولعل مما يثبت هذه الحقيقة المتوقع لها أن تكون جلية في العام 2012 هو تفوق القروض على الودائع في أكتوبر من العام الحالي بمقدار 10 مليارات درهم، ومن المتوقع أن تعود الفجوة للاتساع في العام 2012، وحتى مع الأخذ في الاعتبار النمو الطبيعي للودائع فقد تصل الفجوة إلى المستوى الذي بلغته في سبتمبر 2008.
