توقع خبراء قضائيون واقتصاديون صدور قانون الإفلاس الاتحادي في نهاية العام المقبل (2012)، مشيرين إلى أن الأوضاع التي تمر بها دول العالم منذ العام 2008 باتت تستدعي تحديث القواعد القانونية التي تنظم إجراءات الإعسار والإفلاس.

وأكدوا أنه في ظل ارتفاع المخاطر التجارية في عالم الأعمال والاستثمارات، أصبح من الضروري توفير الثقة والائتمان على مستوى الأسواق المحلية والدولية، وهو ما يعتبر أهم شرط لجذب المستثمرين إلى الدولة. 

جاء ذلك خلال ندوة «قوانين الإعسار وإعادة الهيكلة» التي نظمها معهد «حوكمة» ـ محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي، وأقيمت في دبي أمس، وحضر اللقاء أحمد محمود الحمادي الوكيل المساعد لشؤون التدقيق الداخلي المشترك في وزارة المالية وممثلون عن هيئات قضائية محلية وإقليمية وعالمية.

 تنظيم الإعسار والإفلاس

وأكد الحمادي أهمية وجود قواعد قانونية تنظم الإعسار والإفلاس بشكل يضمن للمستثمر أقل نسبة ممكنة من المخاطر، من خلال حماية حقوق الدائنين، واتباع استراتيجيات مرنة تهدف إلى إنقاذ الأعمال التجارية عندما تواجه صعوبات مالية، حيث يعد ذلك من أهم العوامل التي تساعد المستثمر على اتخاذ قراره باختيار الأسواق وتفضيل دولة معينة على غيرها.

وقال الحمادي: «أدركت دولة الإمارات هذه الأهمية، وأن هناك ضرورة لمواكبة التطورات الاقتصادية التي شهدتها الدولة خلال العقود الأخيرة، آخذين بالاعتبار وجود الهيئات المالية وأسواق المال؛ وظهور العديد من النشاطات المالية المتطورة التي تحتاج إلى أحكام ومعايير قانونية ذات طبيعة خاصة؛ ووجود تكتلات اقتصادية دولية حديثة على مستوى الشركات الكبرى، بعضها قد اتخذ من الدولة مقراً مهماً لمزاولة نشاطاته الاقتصادية».

 ملامح القانون

وأضاف ان وزارة المالية انتهت من إعداد مشروع القانون، وتمت إحالته إلى اللجنة الفنية للتشريعات خلال شهر نوفمبر الماضي. ومن أبرز الأسس الحديثة التي اهتم بها مشروع القانون ضرورة توفير إجراءات واضحة وسهلة تسمح بإعادة هيكلة الديون بطرق مرنة وتضمن حقوق وواجبات جميع الأطراف، وإضافة الأشخاص الطبيعيين من غير التجار وأصحاب المهن، وذلك حتى يستفيدوا من تطبيق قواعد الإعسار والإفلاس عليهم.

كما راعى مشروع القانون ضرورة مساعدة المدين على وضع خطة إعادة هيكلة أعماله وعلى تنفيذها حيثما أمكن، وإلى ضرورة مساعدته على الوفاء بالتزاماته عن طريق تصفية أصوله كحل أخير.

وأوجد مراحل تسبق إجراءات الإفلاس وتصفية الأصول، من خلال إجراءات إعادة التنظيم المالي التي تتم خارج المحكمة، يليها الصلح الواقي من الإفلاس، ثم إجراءات إعادة الهيكلة، حيث راعى تحقيق التوازن الحذر بين التصفية وإعادة هيكلة أعمال المدين والسماح بالتحول في الإجراءات من إجراء إلى آخر، ومنع الدائنين من التصرف بسرعة في أصول المدين، وذلك لتفادي نقصان قيمة أصول المدين، مما سيؤدي إلى زيادة فرصة الدائنين بتحصيل واسترداد ديونهم، أو أكبر قدر منها بأي شكل مالي ممكن.

ووضع مشروع القانون قواعد واضحة تضبط وتنظم الملكية وأولوية المطالبات والضمانات والحقوق المتنافسة الخاصة بنفس الأصول، وضرورة تخفيض أسباب الحبس كوسيلة لمعاقبة المديونين، وإلى زيادة الشفافية والإفصاح عن البيانات المالية، ونشر الوعي حول إجراءات الإفلاس.

 مداولات ونقاشات

وأكد عصام التميمي الشريك الرئيسي في مكتب «التميمي وشركاه» للمحاماة في دبي، الذي اطلع على مسودة «قانون الإفلاس الاتحادي» أن القانون حالياً تتم مناقشته من قبل لجنة الصياغة التشريعية بإشراف وزارة المالية، وستقوم بعرضه على أصحاب الشأن، ومن ثم وزارة العدل، وبعد ذلك سيتم رفعه لمجلس الوزراء للموافقة.

مشيراً إلى أن عرض القوانين على أصحاب الخبرة قبل إصدارها لإبداء الرأي والملاحظات قبل اعتمادها هو توجه جديد في دولة الإمارات، وأن القانون تم إجراء العديد من التعديلات عليه بعد عرضه على أصحاب الشأن منذ طرح مسودته قبل ثلاث سنوات، متوقعاً صدور القانون الجديد في نهاية العام المقبل.

مشيراً إلى أن مركز دبي المالي العالمي سيكون مألوفاً للمستثمرين، لأنه يعتمد على قانون الإعسار المالي للمملكة المتحدة رقم 57، كما أنه متطور للغاية ومتقدم في مواده التي يبلغ عددها 370 مادة، وهو متخصص وتفصيلي جداً.

وقال الدكتور جمال السميطي مدير معهد دبي القضائي ان لجان تابعة للمجلس الوطني الاتحادي تقوم في الوقت الحالي بمناقشة مسودة القانون ليتم عرضها بعد ذلك على الجهات المعنية وأصحاب المصلحة كالمحاكم والقضاة والمحامين والشركات لإبداء الرأي، وبعد أن يتم اعتماد القانون بصيغته النهائية من قبل المجلس الوطني سيتم رفعه إلى مجلس الوزراء للاعتماد، ليتم بعد ذلك المصادقة عليه من قبل رئيس البلاد.

وأشار السميطي إلى أن القوانين التي تحكم الإفلاس في الوقت الحالي هي مجرد مواد قانونية يبلغ عددها حوالي 250 مادة تندرج ضمن قانون المعاملات التجارية، ولكن سيتم فصل هذه المواد تحت مسمى «قانون الإفلاس الاتحادي».

وأوضح السميطي أن مفهوم الإفلاس هو جزاء أنزله المشرع على كل تاجر ثبت أنه قد توقف عن دفع ديونه التجارية. وأن الديون وفقاً لقوانين دولة الإمارات تصنف إلى ثلاث فئات، هي الديون الممتازة مثل رواتب الموظفين والرسوم الحكومية والعمليات البحرية، وديون أصحاب الرهون، ثم الدائن العادي.

 مفهوم

قال أحمد عناني المحامي في شركة لاثام وواتكنز للمحاماة ان من عوائق تطبيق قوانين الإفلاس في الدولة أن الإفلاس ارتبط في ثقافتنا بنوع من وصمة العار، في حين أن قوانين الإعسار هي بمثابة «الفلتر» الذي يساهم في استمرار دورة الائتمان ويعزز الثقة بين الدائن والمدين، مضيفاً أن هنالك نقصاً في وضوح تطبيق المواد القانونية الحالية الخاصة بالإعسار في الدولة ـ في الوقت الحالي القانون يحمي الدائنين ـ مشيراً إلى أن الدائن في قانون الإفلاس الإماراتي لا يعتبر مفلساً إلا في المراحل الأخيرة من الإجراءات.