تشير دراسات حديثة إلى أن حصة المشاريع الصغيرة والمتوسطة من القروض الإجمالية للمصارف الخليجية لا تزيد على 2%، مقارنة بنحو 27% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي حصة ضئيلة خاصة مع عودة نمو حجم القروض في البنوك خلال العام الحالي، ففي الإمارات مثلاً أظهرت بيانات حديثة صادرة عن المصرف المركزي نمو حجم القروض في البنوك، بنسبة 4.5% مع نهاية الربع الثالث من 2011 بالمقارنة مع بيانات الفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس ازدياد أهمية دور قطاع الائتمان في نشاط البنوك التي بدأت في تنظيم هيكلياتها وعملياتها لتعطي هذا القطاع الاهتمام الذي يستحقه بهدف تعزيز أرباحها، وتعد نسبة مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات الأعلى في دول مجلس التعاون.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه قطاع البنوك في هذه الآونة، تشير دراسة قامت بها شركة أكسنتشر، المتخصصة في مجال الاستشارات الإدارية، إلى أن قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة سيكون من أهم محركات نمو النشاط المصرفي في الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي حتى عام 2015. وتبعاً للأرقام الرسمية، تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة نسبة 95% من كافة شركات دبي، كما توظف 42% من القوى العاملة وتساهم بنسبة 40% من الناتج الإجمالي المحلي للإمارة.

نموذج إقراض مستقر

وفي ظل التوقعات بزيادة نشاط البنوك في مجال إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، يشير خبراء إلى أن هناك تحديات تبرز على السطح تتعلق بضرورة أن تتبنى البنوك نموذجاً مستقراً في إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يقوم على وجود إدارة فاعلة للمخاطر في البنوك، ويعزز كفاءة المصارف من خلال تطبيق أوسع للتقنيات الحديثة التي تساهم في ضبط عمليات الإقراض والحد من الإقراض غير المسؤول أو المدروس، في حين يتعين على الشركات تبني نموذج ناضج يرفع من مستوى الشفافية والحوكمة في عمليات الشركة، ويدفع عجلة تلك الشركات لتأخذ دورها الهام في إنماء اقتصاد الدولة.

الشفافية والحوكمة

ويقول نيكولاس ليفيت، رئيس إدارة الخدمات المصرفية التجارية في بنك اتش اس بي سي الشرق الأوسط، الذي أعلن مؤخراً أنه ينوي رفع حصة عوائد البنك من إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة من 25% حالياً إلى 40% في السنوات القادمة، أن هناك عاملين يكمنان في صميم إدارة المخاطر عندما يتعلق الأمر بإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة بالنسبة للبنك، أولهما وجود مستوى جيد من الشفافية والحوكمة في عمليات الشركة المعنية لأن تلك العوامل سوف تساعد تلك الشركات على ضمان تحقيق شرط وجود أسس قوية لأعمالها التجارية، وفي حين أن هذه العوامل قد لا تضمن النجاح للشركات إلا أنها ستساعدها على تحقيق ذلك بكل تأكيد.

ويضيف ليفيت : يشير عامل الشفافية إلى قدرة البنك على فهم طبيعة الشركة وكيفية قيامها بتنفيذ ومزاولة أعمالها، وجزء من ذلك يتطلب تدفق المعلومات وإعدادها بالشكل الصحيح وفي الوقت المناسب. ولضمان تحقيق ذلك، فإن الشركة بحاجة لأن يكون لديها مستوى كاف من البنية التحتية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر لا يقتصر على وجود حسابات مدققة، ولكن أيضاً قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على تحقيق توقعاتها المالية، وأن يكون لديها فهم لمسار أعمالها في أي وقت محدد، سواء من حيث المبيعات أو النفقات أو النمو أو التمويل أو مستوى كفاءة رأسمالها وما إلى ذلك.

أما العامل الثاني فهو وجود هيكل حوكمة جيد، كمجلس الإدارة على سبيل المثال، سوف يتيح للشركات الصغيرة والمتوسطة إيجاد الإطار الرقابي اللازم لضبط أعمالها، ويضمن اتخاذ القرارات الهامة التي تصب في مصلحة الشركة، أما على المستوى الثانوي، فإن الحوكمة الجيدة تنطوي أيضاً على إيجاد الإجراءات المناسبة التي تمكن الشركات من رصد ومتابعة أمورها المالية في كافة الأوقات، وهذا بالتأكيد سيكون مفيداً على المدى الطويل بينما تواصل الشركة تنمية أعمالها. ويمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة اعتماد نموذج أعمال يضمن لها تحقيق النمو من خلال تحقيق فهم قوي لمنظور أعمالها المستقبلي على المستويين الخارجي والداخلي، وهذا يشمل فهم الفرص المتاحة في السوق وتحليل منظور أعمال الشركات المنافسة واكتشاف الفرص الاستراتيجية وضمان وجود المعرفة الجيدة لمجالات أعمالها، أما النواحي الداخلية، فهي تتمحور حول تحديد ورصد والتعامل مع القيود التي قد تضطر الشركة لمتابعتها بشأن تلك الخطط والفرص الخارجية.

أتمتة عمليات الإقراض

من جهته يؤكد ميشال داينين، مدير المبيعات في وحدة أعمال مايسيس لحلول الخدمات المصرفية وأسواق رأس المال في الشرق الأوسط وافريقيا، على أن الإقراض الناجم بشكل جزئي عن نقص الإجراءات القابلة للتدقيق مسؤول إلى حد كبير عن زيادة المخاطر المرتبطة بإقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مشيراً إلى أن أحد أسباب حدوث الأزمة المالية في عام 2008 كان يعود إلى الإقراض غير المدروس والاستثمار قصير النظر من قبل المؤسسات المالية في السندات المركّبة من الدرجة المتدنّية.

ويضيف: فيما دخلت الإمارات بمهارة إلى هذا القطاع المتنامي، فإنها تحتاج إلى إدارة فعالة للسوق والائتمان والمخاطر الناجمة عن عدم السداد، بالإضافة إلى اعتماد خطة أعمال لضمان النمو، ولكن قبل أن نستكشف نموذج أعمال يمكن للمصارف اعتماده، دعونا نأخذ خطوة للوراء لندرك الفروق الرئيسية بين إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة وبين وإقراض الأفراد، وتتمثل في الفرق بين معدلات القروض وحجم التدفقات النقدية المستقبلية وتصنيفات القدرة الائتمانية، وحجم السند المالي، وفيما يتعلق بمتطلبات النظام، يتمثل أحد أهم الفروق في نقطة تطبيق القرض حيث اختارت البنوك والمؤسسات المالية أتمتة عمليات الإقراض للمساعدة في تحسين هوامش الربح، وفي الأعمال المصرفية التجارية، يتسبب الضغط التنظيمي مثل معايير بازل3 في دمج الأنظمة لدى الكثير من المصارف، وبالتالي تخفيض التكاليف وإدارة المخاطر في نفس الوقت، ويمكن للمقرضين عادة إنفاق الكثير من الوقت والجهد على إجراء المعاملات، وبالتالي زيادة تكلفة إنشاء القرض، وهذا يعود بشكل جزئي إلى ثقافة الإقراض، حيث اعتمدت المصارف تاريخياً بشكل كبير على النماذج لجمع البيانات لتنفيذ التعاملات، وهذا النموذج المرتكز على البيانات استمر من زمن العمليات الورقية القديمة إلى التطبيقات القائمة على الإنترنت في يومنا هذا، وبدلاً من القلق بشأن البيانات، يتعين علينا أتمتة أكبر عدد ممكن من الخطوات من بداية تحضير القرض، وبهذه الطريقة يكون كل شيء مضبوطاً من حيث الجودة، فعلى سبيل المثال، نجد البيانات على المستند تطابق البيانات على النظام. وأضاف: يمكن أن يُحدث امتلاك العمليات المُحكمة والموظفين المناسبين والتكنولوجيا المناسبة أثراً كبيراً في تخفيف المخاطر، كما أن تكامل الأتمتة مع التحليل النوعي السليم يمكن أن يساعد في تحسين هوامش الربح ومنح المصارف الثقة للتعامل مع العملاء المناسبين.

وحول أهمية التقنيات الحديثة في تعزيز عمليات الإقراض للشركات الصغيرة والمتوسطة أضاف داينين: تتزايد أهمية التكنولوجيا من حيث إضافتها للقيمة في البنوك، حيث يوجد اليوم اهتمام كبير في تطبيق برمجيات تعزز وضوح الإجراءات للمصارف، فالمصارف ذات التفكير بعيد المدى في الشرق الأوسط تستثمر في برمجية وخدمات جديدة تتعلق بتوافق الإجراءات مع المعايير، ولتعزيز كفاءة المصارف، يجب منح أهمية كبيرة لتطبيق الممارسات المبتكرة المدعومة من قبل تقنيات على نفس المستوى من الابتكار، وفي الوقت الحاضر، تقوم القاعدة التقنية القوية بدور حيوي في مساعدة المصارف على زيادة أفضليتهم التنافسية، إن التوجه نحو الإقراض غير المسؤول قبل الأزمة يعود بشكل جزئي إلى نقص الإجراءات القابلة للتدقيق، فلم يكن بمقدور المصارف أن تراقب بشكل شامل بسهولة لأن توضيح الموارد المالية لمعاملة معينة كان منتشراً بشكل واسع، وبتلك الطريقة، امتد تأثير عدم السداد إلى المستثمرين الثانويين عندما كانت محافظ القروض تُحوَّل إلى أوراق مالية ويتم بيعها للمستثمرين في السوق الثانوي، وبما أن التكنولوجيا تلعب دوراً رئيسياً في دعم إجراءات المصارف، فإن كيفية الاستفادة من التكنولوجيا ستؤثر على نجاح هذه المؤسسات في التوافق مع أنظمة مثل بازل 3، وإن الهدف من مثل هذه السياسات يتمثل في توفير الاستقرار للسوق، وذلك من خلال سد الفجوات التي نجمت عن أزمة الائتمان، فيتعين على المصارف الآن النظر في كيفية تصميم وتطوير أنظمتهم لتطبيق هذه التغييرات.

العمود الفقري للاقتصاد العالمي

من جهته قال آر سيتارامان الرئيس التنفيذي لبنك الدوحة في تصريحات لـ «البيان الاقتصادي» إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي بمثابة العمود الفقري للاقتصاد العالمي، كما أنها تلعب دورًا فعالاً في الابتكار والتقدم والتنمية المستدامة عبر العالم. وأضاف: في ظل العولمة التي نعيشها في عالم اليوم، يجب أن تكون هناك تنافسية غير مسبوقة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة على مستوى العالم، ورغم فاعلية هذا القطاع ودوره الكبير في الاقتصاد العالمي، إلا أنه بحاجة إلى الدعم، إن القرن الحادي والعشرين هو قرن المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وحول الارتباط بين المخاطر وإقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة أوضح سيتارامان: تقوم البنوك برسم استراتيجيتها المرتبطة بإقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالاستناد إلى مدى شهيتها للمخاطرة، وهذا العامل يعتبر من العوامل الرئيسية في تبني نموذج أعمال معين، وإضافة إلى ذلك، تتم عملية إقراض الشركات الصغيرة بعد تقييم أدائها والشركات الأكبر ضمن شريحة المشاريع الصغيرة والمتوسطة بعد إجراء تحليل ائتماني شامل لها وذلك من أجل تأسيس أعمال مستدامة ضمن هذه الشريحة.

وأضاف: على مدار الشهور التسعة الأخيرة، شهدت البنوك نمواً وخاصة في سلسلة المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم مع زيادة في عمليات تمويل المشاريع التجارية، وفي العام 2011 شهدت معظم البنوك نمواًً على صعيد الأصول وقامت بمراجعة الرسوم، ونتوقع أن تحقق غالبية البنوك نمواًً بنسبة 20 % من حيث الإيرادات خلال 2011 مقارنة بالعام المنصرم. وحول تأثير الأزمة في أوروبا قال سيتارامان: يمكن للأزمات الأخيرة التي شهدتها كل من الولايات المتحدة وأوروبا أن تؤثر على النمو العالمي على المدى القصير والمتوسط، وهناك إجراءات يجب اتخاذها على مستويات مختلفة لضمان تعافي الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل المخاوف السائدة من تعرض الاقتصاد العالمي لكساد كبير.