قال نبيل فرحات الشريك في شركة الفجر للأوراق المالية إن أداء أسواق المال كان متواضعاً من حيث حركة الأسعار المتراجعة وحجم التداول الضعيف خلال الأسبوع الماضي.

ولعل من أهم التطورات بشأن أسواق المال كان تأكيد معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي، مع نهاية الاسبوع، انه ليس هناك حاجة لإعادة الضمان الحكومي للودائع مما أعطى اشارة ايجابية على ان البنوك المحلية اصبحت قادرة على مواجهة المخاطر النظامية الحالية نظراً لارتفاع مستوى كفاية رأس المال الى مستويات عالية (كفاية رأس المال بلغت 21% وبلغ الشق الاول 16.7%) .

كما انه رغم خروج ودائع كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية الا ان وضع السيولة في البنوك جيد من حيث المخاطر النظامية على عكس ما كانت عليه حال خلال خروج السيولة في عام 2008.

والتطور الثاني المهم كان قيام شركة الدار العقارية بسداد التزامات الصكوك القابلة للتحويل في ميعادها حسب مصادر من داخل الشركة.

مما يوحي بأنه من خلال دعم الحكومة للشركة ومجلس الادارة الذي تم تحديثه مؤخراً فإن قدرة الشركة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية القادمة من تردي وضع النشاط العقاري والحجم العالي لقروضها فإن الأمور قد بدأت بالتحلحل تدريجياً الى الأحسن.

وأضاف فرحات: كنا نتمنى أن تقوم الشركة بالإفصاح عن سداد مستحقات هذه الصكوك القابلة للتحويل نظراً لأهميتها لمساهمي الشركة وانعكاسها معنويا وايجابيا على الاسواق المالية.

 

مؤشرات معاكسة

وتابع فرحات قائلاً: في مقابل هذه الاخبار الايجابية ظهرت اخبار سلبية منها قيام شركة مورجان ستانلي بحذف شركة الدار العقارية وصروح من مؤشر مورجان ستانلي للأسواق الرئدة مما اعطى اشارة إلى ان أسهم هذه الشركات لن تدخل ضمن مؤشر الاسواق الناشئة في حالة تم ضم الامارات لمؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة.

وفي ظل هذه المعطيات استمرت البنوك جامحة في تخفيض حجم القروض وخصوصاً للأفراد والشركات المتوسطة والصغيرة غير الحكومية من حيث خفض حجم الائتمان وتسييل محافظ القروض المتعثرة.

وبالطبع فإن ذلك ينعكس سلبياً على الأسواق المالية من حيث انخفاض احجام التداول وانخفاض الأسعار. وهذه السياسة التي تتبعها اجهزة ادارة المخاطر في البنوك تؤدي الى ارتفاع احجام المخاطر وليس خفضها كما هو معتقد من حيث ان التسييل لعملاء سيؤدي مستقبلًا الى التأثير السلبي على الأصول الأخرى المرهونة لعملاء آخرين لدى البنك.

واذا لم تتوقف البنوك عن هذه الممارسة فإنها ستتبلور الى كرة ثلج لا أحد يستطيع ايقافها. واعتماد البنوك على اسواق الأسهم لتحسين اوضاعها في ظل الظروف الحالية مفهوم خاطئ لأن احجام التداول انخفضت الى معدلات ضعيفة بحيث لاتستطيع ان توفر السيولة للمستثمرين الصغار فما بالك بالنسبة للمؤسسات المالية الكبيرة.

لقد حان الوقت لوضع حد لهذه الادارة السيئة للأمور لأن تأثيرها السلبي بدأ يتغلغل وقد يشكل تهديداً على امن الاقتصاد الوطني. حيث ان الاستمرار في هذه الادارة سيؤدي حتماً الى عودة المخاطر النظامية مرة اخرى الى البنوك (تسييل للحصول على مليون درهم في حين تنخفض القيمة السوقية 2 مليار درهم) .

وبالتالي هذه المرة ستكون تكلفة معالجة الأمور اكبر مما كانت في الماضي، حيث ان استمرار حدوث هذا النوع من الأزمات قد يقضي على اي ضوء في نهاية النفق اذا لم يتم اصلًا القضاء على النفق والذين فيه.

 

ركب الصعود

ومن جانبه كتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق المال المحلية: رغم الحلول السياسية الاقتصادية التي تم التوصل لها من قبل زعماء الدول الأوروبية، والتي أدت إلى إيجاد حلول دائمة لأزمة الديون الأوروبية، والتي كان لها كبير الأثر في عودة مؤشرات الأسواق العالمية للارتفاع، إلا أن أسواق الإمارات ظلت متخلفة عن ركب الصعود العالمي.

فأسواقنا المحلية تعاني من تفاقم المشكلات الاقتصادية المحلية، والتي تنعكس على الأسواق بصورة أداء ضعيف متراجع، سواء من حيث المؤشرات أو من خلال قيم التداول المتراجعة بصورة متواصلة.

وأوضح الدكتور الشمّاع: منذ بداية نوفمبر ولحد الخامس عشر منه ارتفعت مؤشرات الأسواق الأميركية والأوروبية بنسب مختلفة، فيما كان نصيب مؤشر سوق الإمارات هو التراجع.

والواقع أن شح السيولة في أسواق العالم المختلفة لم يحل دون ارتفاع مؤشرات أسواق المال وظهور ملامح تحسن في قطاع العقار، خصوصاً في دول العالم المتقدم، وبالأخص في الولايات المتحدة، حيث وصلت مؤشرات أسواق الأسهم لمستويات مقاربة لما كانت عليه قبيل النصف الأول من 2008، وذلك بخلاف حال النقص الهائل في السيولة في الإمارات، الذي ما انفك يدفع القطاعين المالي والعقاري نحو التراجع.

 

أعباء تداعيات المديونية

وأضاف الشماع: صحيح أن السيولة قد شحت في العالم بأسره بدليل تفجر أزمات الديون والديون السيادية، إلا أن عمق المشكلة في الإمارات يتجاوز حدود عمقها في مختلف بقاع العالم، حيث انصبت كل تداعيات المديونية العالية على القطاع الخاص دون الحكومة والقطاع العام.

القطاع الخاص دخل في حلقة متصاعدة من تراجع السيولة، حيث تراجعت القروض المقدمة للقطاع الخاص بمقدار 11 مليار درهم منذ نهاية 2008 وحتى الآن، فيما ارتفع إجمالي القروض في نفس الفترة بمقدار 32.2 مليار درهم، مما يعني أن القروض الجديدة التي منحت لغير القطاع الخاص، أي للحكومة والشركات والكيانات المرتبطة بها، يصل خلال الفترة ذاتها إلى 43.2 مليار درهم.

وبهذا تكون التدفقات النقدية للقروض للحكومة وكياناتها موجبة، فيما تكون التدفقات النقدية للإقراض للقطاع الخاص سالبة.

وهذا يعني أن القطاع الخاص وحده قد تحمل تداعيات المديونية الإجمالية العالية، حيث لا يزال يخدم رصيد قروض يبلغ أكثر من 718 مليار درهم بفوائد سنوية تصل الى قرابة 142 مليار درهم بنهاية العام الجاري ومنذ نهاية 2008، مضافاً إليها ما يدفعه للمصارف من رسوم وعمولات تتعلق بالقروض هذه والتي تقدر بـ 15 مليار خلال ذات الفترة.

 

تحذيرات واجبة

وأضاف الشماع: المصارف توقفت عن إقراض القطاع الخاص، فيما تتجه كل الزيادات في الودائع لإقراض الحكومة والكيانات المرتبطة بها. وفي حالة لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بوقف سحب السيولة من القطاع الخاص فإن السنوات القادمة وحتى العام 2014 ستكون أكثر قسوة على القطاع الخاص من السنة الحالية، كما أن احتمالات حدوث المزيد من الانهيار في أسواق الأسهم، وما يترتب عليه من تداعيات في القطاع العقاري وبقية الأسواق، سيكون غاية في الخطورة.

فالقروض الحكومية والخاصة بالشركات الواجب سدادها في العام القادم تبلغ 71 مليار درهم، 95% منها ديون خاصة بشركات مرتبطة بالحكومة. وفي العام 2013 ستكون 69.4 مليار درهم وفي 2014 تبلغ 83 مليار درهم. وهذه الأرقام تؤكد حقيقة التراجع في السيولة المتاحة للقطاع الخاص، والتي تنعكس على أداء الأسواق كافة.

وقال: إن محاولة العبور من فوق الواقع دون تقديم الدلائل الرقمية المقارنة نوع من تحسين الصورة غير المبرر، ومن يعتقد أن الشح في السيولة أمر طبيعي فعليه أن يجد تفسير لاستمرار تراجع كل الأسواق، وليس سوق الأسهم فقط، وكذلك تراجع أرباح الشركات المدرجة في الأسواق بعد استبعاد الأرباح شبه الاحتكارية للمصارف، والتي تقوم بسحب السيولة من القطاع الخاص وتوجيهها لصالح الكيانات المرتبطة بالحكومة.

هذا السحب للسيولة الذي تمارسه المصارف يتم بصورة استرداد قروض من القطاع الخاص وسحب الفوائد السنوية منه والعمولات التي تتقاضاها مقابل الخدمات التي تقدمها لأنشطته الاقتصادية. وتقدر المبالغ التي تم سحبها بحدود 57 مليار درهم خلال السنوات من نهاية 2008 وحتى يونيو 2011.

 

دلالات ضعف التداولات

وتابع الشماع: قيم التداول المتراجعة باستمرار، والتي هي أحد مظاهر شح السيولة في الاقتصاد الخاص، تعبر عن توقف دخول أموال جديدة للاستثمار في الأسواق المالية، ولكنها تعبر قبل ذلك عن استمرار خروج الأموال من هذه الأسواق نتيجة للحاجة للسيولة، سواء لتسديد التزامات على حملة الأسهم أو لقيام بعض المصارف والدائنين بتسييل أسهم ضامنة لقروض المستثمرين.

أما المتبقي من الأسهم التي يتم تداولها، والمناورة بها حاليا من قبل مضاربين أفراد أو محافظ، فإنها تلتزم جانب الحذر في البيع والشراء، ولكن الأهم هو أن قيمة هذه الأسهم تتناقص تدريجياً مع استمرار تراجع مؤشرات الأسواق، وهو ما يؤدي إلى استمرار تراجع قيم التداول.

وأوضح: يحمل شح السيولة هذا، والذي أدى ويؤدي إلى تفاقم تراجع قيم التداول، معه مخاطر كبيرة ستتزايد من تزايد سحب البنوك للأموال من القطاع الخاص، حيث سيقود تزايد شح السيولة لدى القطاع الخاص لمخاطر أكبر لا تقتصر في أثرها على أسواق الأسهم والمستثمرين فيها والعاملين على خدمتها فحسب، وإنما تمتد لكل الاقتصاد الوطني عبر تهديدها للسلامة المالية والنظام المالي والمصرفي.

الخطورة تكمن في أن تداولات هامشية محدودة من حيث القيمة يمكن أن تغير المؤشر العام وتسبب خسائر أو مكاسب غير مبررة. وبعبارة أخرى فإن شراء أسهم بمبلغ لا يزيد على 65 مليون درهم كحد أقصى، على سبيل المثال، حقق مكاسب في القيمة السوقية بمقدار ملياري درهم في يوم 13 نوفمبر الجاري.

 والعكس صحيح وهو أن بيع بمقدار 85 مليون درهم سبب خسائر في القيمة السوقية بمقدار 2.6 مليار درهم يوم أول نوفمبر الجاري. وهذا يعني أن شراء بثلاثة أعشار الفلس الواحد يرفع القيمة السوقية بمقدار درهم واحد، أي ما يعادل 33 ضعف قيمة الشراء، فيما أدى بيع بثلاثة أعشار الفلس أيضا إلى خسائر بمقدار درهم واحد.

 

خطران لنزعة التسييل

وتابع الشماع: هذه الحقيقة، التي نحاول تجسيدها في أرقام، تعكس خطرين في حالة استمرار أو نزوع البعض نحو التسييل. الخطر الأول هو أن البيع في هذه الظروف ليس مضراً بالسوق وبالمستثمرين فحسب، ولكنه مضر بالبائع نفسه إذا كانت لديه أسهم في السوق، وثانياً ان التسييل بمبالغ بسيطة سرعان ما سيفقد السوق جزءاً كبيراً مما تبقى من قيمته السوقية، وبالتالي سيؤدي إلى جفاف السوق.

في العام 2008 كان المتوسط الحسابي للشراء يتراوح بحدود الفلسين والتي ترفع القيمة السوقية بدرهم واحد وتخفضها بدرهم واحد. وبهذا فإننا في الوقت الراهن، وفي ظل الانحسار الهائل لقيمة التداول، أمام احتمالات تحقق خسائر هائلة في القيمة السوقية.

فمن لديه أسهم بقيمة مليون درهم مثلا فإن ثروته على كف عفريت، حيث يمكن أن تتبخر وتضيع في أية لحظة بمجرد أن تقرر المصارف، أو مصرف يعاني من ضغوط تراجع الودائع لديه، البدء بعملية تسييل. ورغم معرفة المصرف بأن التسييل لن يمكنه من سحب سيولة تسد وإن جزءا يسيرا من اصل القرض إلا انه مع ذلك قد يقوم بهذا الإجراء تحت ضغط مجابهة المخاطر النظامية.

وذلك من خلال بيع وتسييل أسهم مرهونة لديه. مثل هذه الاحتمالات تتزايد إذا ما واجهت المصارف جميعها ضغوط السيولة. وخلال الربع الثالث واجهت المصارف ضغوطا تمثلت في تراجع الودائع الثابتة بقيمة 30 مليار درهم، والودائع تحت الطلب أو الودائع الجارية بمقدار 6.6 مليارات درهم، وبما مجموعه 36.6 مليار درهم، فيما تراجعت الودائع الحكومية بمقدار 22.1 مليار درهم.

وقد كان نصيب المصارف الوطنية من انسحاب الودائع هو 39.7 مليار درهم. ومن الخطأ اعتبار هذا التراجع في الودائع حالة طبيعية وتحت السيطرة، وذلك لأن القروض التي بحوزة المقترضين هي قروض عالقة في قطاعي الأسهم والعقار.

ولأن المصارف غير قادرة على توفير سيولة كبيرة في حالة ما إذا بدأت حركة سحب كبيرة للودائع بعد أن انقضت فترة الضمان وعدم تجدده، أو بسبب حاجة المودعين الأجانب للسيولة، وقد تتعدد الأسباب التي يجب التحسب لها، خصوصاً وأن المصارف لا تمتلك أصولًا سائلة بشكل سندات عالية الجودة تمكنها من مواجهة الظروف الطارئة. ومن هنا تبرز مخاطر قيام المصارف بالتسييل في حال استمر التراجع في الودائع.