تمكنت أسواق الأسهم من تحقيق مكاسب محدودة في أول يوم تداول بعد عطلة عيد الأضحى المبارك متأثرة بارتفاع الأسواق العالمية، والتي استفادت من انجلاء بعض المظاهر الرئيسية لأزمة الديون اليونانية، إلا أن التراجع الحاد الذي شهدته بورصة وول ستريت يوم الأربعاء، إثر تفجر الأزمة السياسية في إيطاليا نتيجة مطالبة الاتحاد الأوروبي بتشكيل حكومة ائتلافية قادرة على تطبيق البرنامج الأوروبي للإنقاذ، أعاد المخاوف للمضاربين المحليين، الذين يتعاملون بكل حذر في حالة وجود محفزات، وبكل الهلع في حالة وجود مخاوف.

وانخفض مؤشر سوق الإمارات المالي خلال الأسبوع الماضي، والذي شهد جلستي تداول فقط عقب انتهاء عطلة عيد الأضحى المبارك، بنسبة 0.13% ليغلق على مستوى 2,398.80 نقطة. وانخفضت القيمة السوقية خلال الأسبوع بقيمة 480 مليون درهم لتصل إلى 353.31 مليار درهم. وقد تم التداول بقيمة إجمالية بلغت 181.90 مليون درهم توزعت على 2610 صفقات.

 

نتاج شح السيولة

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: هذا الحال، الذي دأبت عليه الأسواق المحلية منذ فترة لم تعد بالقصيرة، هو نتاج شح السيولة، ليس على صعيد السوق ذاتها فحسب، وإنما على صعيد الاقتصاد الوطني ككل، والذي ينعكس على أداء أسواق الأسهم. والبيانات التي صدرت عن المصرف المركزي لا تدعو للتفاؤل، وقد أذنت بدق ناقوس الخطر من قبل أسواق الأسهم بسبب تراجع الودائع، والتي أدت إلى تراجع السيولة التي يُعبر عنها بعرض النقد الواسع، والذي تراجعت مكوناته الرئيسية المتمثلة بشبه النقد، وهو الودائع الثابتة أو الزمنية وعرض النقد الضيق ن 1.

وإذا كانت البيانات التي أفصح عنها المصرف المركزي خالية من فقرة عرض النقد الواسع ن 3 خلافاً لما سار عليه المصرف طيلة السنوات الماضية، فإن البيانات الخليجية المناظرة لم تظهر تراجعاً في السيولة، وهو ما يؤشر إلى أن هذه الحالة إماراتية وليست عامة، بل على العكس فقد ارتفع عرض النقد الواسع في السعودية بنسبة 0.68% والكويت بنسبة 1.64% وقطر بنسبة 4.68% وارتفع بنسبة 5.62% في سلطنة عمان.

إخفاء البيانات

وقال الدكتور الشمّاع: الواقع أنه لا يمكن تفسير سبب تراجع الودائع، وبالتالي السيولة، طالما أن المصرف المركزي يخفي بيانات ن 3 منذ يونيو الماضي، وهو آخر شهر صدرت فيه النشرات الإحصائية التي توضح تفاصيل الوضع المصرفي والمالي.

وبغض النظر عن الجهة التي تقوم بسحب الودائع والتأثير سلباً على المعطيات النقدية والسيولة الكلية، فإن المخاطر التي تترتب على استمرار تراجع مستويات السيولة وجفاف مصادرها في النشاط الخاص لا تقتصر على أسواق الأسهم، وإنما تنسحب غلى النظام المالي بأسره.

وحتى الآن لا تزال المصارف في غالبيتها ملتزمة بنصيحة المصرف المركزي بعدم تسييل الأسهم المرهونة لديها. هذه الأسهم المرهونة للمصارف يصعب تقدير قيمة القروض الممنوحة مقابلها، والتي تشكل القروض الشخصية لأغراض تجارية جزءاً كبيراً منها، وهي في كل الأحوال عشرات المليارات، وربما مئات المليارات من الدراهم.

 

أكبر خطر

وأضاف: إن أكبر خطر يتهدد الاقتصاد والنظام المالي هو قيام المصارف بتسييل الأسهم المرهونة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن ومنذ أن توقفت موجة التسييل القوية التي أعقبت انهيار بنك ليمان برذرز، ووصل المعدل الشهري لمؤشر سوق الإمارات لأدنى مستوياته عند 2379 نقطة.

ولكن إذا ما بدأت لعبة الدومينو وشعرت المصارف أن أحدها لم يعد يلتزم بنصيحة المصرف المركزي بضغط من حاجته للسيولة نتيجة لاستمرار تراجع الودائع لديه، فإن بقية المصارف قد تدخل في سباق ماراثوني في ما بينها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القروض الممنوحة برهن الأسهم.

وطبيعي أن المصارف ليست متساوية، لا في استقطابها للودائع ولا في خروج الودائع منها، فالمصارف التي خرجت منها ودائع بمبالغ كبيرة قد تضطر للتسييل، خصوصاً وأنها واقعة تحت ضغط آخر، وهو تطبيق معايير بازل 3، والتي يسعى المصرف المركزي لتهيئة المصارف لها منذ الآن من خلال رفع نسبة الأصول القابلة للتسييل ذات الجودة العالية.

ووفقاً لآخر البيانات التي صدرت عن المصرف المركزي فإن الودائع الجارية للمصارف لدى المركزي قد زادت خلال الربع الثالث بنسبة 18.2%.

تبخر الثروة المكتنزة

وتابع الدكتور الشمّاع: طبيعي أن عملية التسييل تعني تبخر الثروة المكتنزة في قيمة الأسهم، فلو افترضنا جدلاً بيع كل الأسهم الموجودة في السوق، والتي تبلغ قيمتها السوقية الحالية 354 مليار درهم، فإن المحصلة لن تكون مساوية للقيمة السوقية هذه، بل ستكون اقل من هذا الرقم بكثير.

ولعدم توفر بيانات مجمعة عن عدد ونوع الأسهم المرهونة لدى المصارف، فإنه لا يمكن لأحد أن يقدر قيمة تأثير التسابق المحتمل بين المصارف لتسييلها. ولا شك أن المصارف تدرك خطورة القيام بتسييل الأسهم المرهونة لديها.

ولكن السعي الانفرادي الذي قد يقوم به مصرف ما، واقع تحت ضغوط الحاجة للسيولة، يمثل نقطة الضعف التي يجب سدها للحيلولة دون انهيار السد الذي حال حتى الآن دون انزلاق أسواق الأسهم لما دون قاع مارس 2009. حتى الآن.

ورغم كل التراجعات التي شهدناها في الأشهر الماضية، لا يزال مؤشر سوق الإمارات أعلى من أدنى نقطة بلغها بعد انهيار ليمان برذرز، وهو ما يطمئن المصارف بأن أحداً منها لم يخرق الاتفاق الضمني بعدم تسييل الأسهم المرهونة لديها. ورغم أن مؤشر سوق دبي المالي قد كسر حاجز قاع بعد ليمان برذرز عدة مرات، إلا أن مؤشر سوقي دبي وأبوظبي معاً لم يكسر هذا الحاجز.

ولهذا فإن كسر مؤشر سوق الإمارات المالي للحاجز النفسي، وهو قاع ما بعد ليمان برذرز، عند 2396 نقطة قد يدق جرس البدء بجولة جديدة من الهبوط في المؤشر العام للسوق، وبما يدفع المصارف لخرق التوافق الضمني والمباشرة في سباق التسييل الماراثوني، والذي بدوره قد يدفع ما تبقى من الأجانب والمضاربين نحو التسابق مع المصارف في سلوك جمعي نحو الخروج.

 

تسعة إجراءات فورية مطلوبة لمعالجة الوضع الراهن

 

 

 

أكد الدكتور همام الشمّاع أن التحذير من مخاطر كامنة أهم وأفضل لصناع القرار من تزيين وتحسين صورة البيانات، وأفضل بالتأكيد من إخفائها. حيث ان معرفة الحقيقة هي نصف الطريق إلى حل المشكلة القائمة.

وإخفاء الحقائق والإشادة بالموجود عمل ضد مصلحة البلد وضد مصلحة أبنائه وأولي الأمر فيه. وقال: من هذا المنطلق فإن الإجراءات المطلوبة لمعالجة الوضع الراهن يمكن ان تندرج تحت تسعة إجراءات فورية تتخذ خلال أشهر قليلة قادمة وهي :

قيام المصرف المركزي بإصدار تعليمات ملزمة للمصارف بعدم تسييل الأسهم تحت أي ظرف كان، وتيسير تقديم تسهيلات الحصول على السيولة في الحالات الاضطرارية التي قد تواجهها المصارف.

حث الخطى بالتعاون مع المصرف المركزي لإنشاء نظام التأمين على الودائع بأسرع وقت ممكن قبل انتهاء السنوات الثلاث ، أو تجديد فترة الضمان لثلاث سنوات أخرى.

الاستفادة من التقييم العالي الذي أعطته مؤسسة موديز للتصنيف الائتماني للإمارات، والذي يتيح لها إصدار وتسويق سندات الدين العام في أسواق المال الدولية، على أن يسبق ذلك تفعيل أسواق السندات لتصبح أداة التمويل البديل للإقراض المصرفي، وتوجيه حصيلة السندات لمواجهة الالتزامات المالية المترتبة على الشركات الحكومية، والمتصلة بالحكومة، والتي يؤدي تسديدها حالياً إلى سحب السيولة من الاقتصاد.

إلزام الشركات العامة وشبه الحكومية بإدراج سنداتها في أسواق المال المحلية كخطوة مهمة لتطوير سوق السندات في الدولة.

تشكيل فريق عمل من ممثلين عن أسواق المال وعن هيئة الأوراق المالية وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة لغرض تفعيل استراتيجية لتطوير أسواق المال الأولية (الاكتتابات) وسوق رأس المال الثانوية (بورصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة) وذلك بهدف استقطاب السيولة المحلية والخارجية وإنعاش أوضاع أسواق المال وقدرتها على تخطي حواجز التراجع النفسية التي وصلت إليها مؤشراتها.

التدخل المباشر من خلال تخصيص محافظ تعمل على أسس استثمارية تمول بصورة مشتركة من السلطات العامة والقطاع الخاص بنسبة محددة، وتقوم إدارتها بتوزيع تداولات هذه المحافظ على جميع شركات الوساطة، التي تمارس فعلاً وبصورة متساوية، بهدف إعادة بناء القدرات المالية لهذه الشركات، والتي تراجعت بسبب الخسائر التي تحملتها في السنتين المنصرمتين.

وبما يجعلها قادرة على استحصال التراخيص الضرورية لممارسة نشاط التداول على الهامش، والذي بدوره يمّكن الاسواق من تحقيق ارتفاعات في مؤشراتها تبعد خطر قيام المصارف بتسييل الأسهم المرهونة لديها عند بلوغ المؤشر العام دون مستويات مارس 2009.

تعهد الحكومات المالكة لشركات قابضة في الدولة، تمتلك بدورها حصة في شركات مساهمة مدرجة في الأسواق، بعدم قيامها (أي الشركات القابضة) تحت أي ظرف كان ببيع أسهم الشركات المدرجة وبما يؤدي إلى تراجع الأسواق.

العمل على تطبيق مقترحات صندوق النقد الدولي بشأن زيادة شفافية البيانات الاقتصادية وضرورة عدم حجبها وعدم التأخر في إصدارها، وبما يستقطب المستثمرين والصناديق الأجنبية، ولعل وجود مؤشرات اقتصادية على غرار الأسواق العالمية من الأمور الهامة التي تعطي الثقة للمستثمرين الأجانب، وتحد من ميلهم للخروج من السوق في حالة غياب البيانات والمؤشرات كون ذلك سيجعلهم في حالة من ضبابية الرؤية ويدفعهم للخروج تجنباً لغير المرئي من الأمور.

زيادة عمق الأسواق من خلال تحفيز الشركات على إدراج أسهمها في البورصة، واعتمادها كمصدر أول لتمويل الاستثمار في الاقتصاد. وكلما ازداد عمق السوق قلت فيها التذبذبات السعرية نتيجة لاستمرار أوامر البيع والشراء، التي سرعان ما تعيد حالة التوازن للسوق.

وطبيعي أن تزايد عدد الشركات المدرجة يرفع أعداد المتداولين وبالتالي أوامر البيع والشراء، كما يتيح فرصاً أكبر لتنويع المحافظ الاستثمارية نتيجة لارتفاع عدد القطاعات المدرجة في السوق، والتي تعكس بصورة أوضح أداء الاقتصاد الوطني.