عادت الأسواق المحلية في النصف الثاني من الأسبوع الماضي إلى أدائها المتراجع، وذلك بعد يومين من التحسن في الأداء عقب قمتي دول الاتحاد الأوروبي التي اتفقت على وضع آليات أنهت أو تكاد أزمة الديون الأوروبية، وبالإضافة إلى السبب الرئيسي وراء تراجع الأسواق وهو سحب السيولة من دورة الأعمال، فإن الأسواق المحلية التي يغيب فيها التطلع الاستثماري متوسط وطويل الأمد، والتي يهيمن عليها الأداء المضاربي فقط، تتحسس العوامل الخارجية السلبية دون العوامل الإيجابية فتتراجع بأكثر من الأسواق العالمية في حالة الأزمات ولا تتفاعل مع الارتدادات القوية عندما تحدث.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: إن التباطؤ المتوقع في نمو اقتصاد الإمارات لن يكون بسبب الاقتصاد العالمي وإنما بسبب عوامل محلية. فالتحديات الأساسية التي واجهت الدول الخليجية والإمارات بعد الأزمة المالية العالمية قد تم تجاوزها من خلال استعادة أسعار النفط لمستويات ما قبل الأزمة والتي ارتفع متوسطها السنوي إلى اعلى من المتوسط خلال الأربع سنوات الماضية على الإطلاق. كما تمكنت الإمارات بفعل قدراتها المالية وحكمة قيادتها من تجاوز الكثير من التحديات التي فرضتها الأوضاع المالية الشحيحة في أسواق المال الدولية والتي حالت دون إمكانية تدوير القروض الهائلة التي التزمت بها الشركات الإماراتية الخاصة والمرتبطة بالحكومة خلال فترة الطفرة والتي استخدمت لتطوير القطاع العقاري والبنى الارتكازية في الدولة حيث استطاعت دبي إعادة جدولة ديونها بنجاح.

المشكلات القائمة

وقال الدكتور الشمّاع: بالنسبة للمشكلات التي لا تزال قائمة، والتي تشكل التحدي الأساس وهو شح السيولة في الاقتصاد والذي يمكن ان يقود للتباطؤ، فيما لو لم تتخذ الإجراءات التي توقفه، فإن تفعيل قانون الدين العام سيكون هو الحل لمشكلة صعوبة الولوج لأسواق المال الدولية خصوصاً بعد أن أعطت وكالة مودز للتصنيف الائتماني الإمارات أعلى تصنيف سيادي وهوAA2 والذي سيمكنها في حالة تفعيل قانون الدين العام من الولوج لأسواق المال الدولية إلى جانب الأسواق المحلية لإيجاد الأموال الأزمة لرفع مستويات الإنفاق العام بما يعوض الدورة الاقتصادية عن السيولة التي تسحبها المصارف.

كما أن تفعيل قانون الدين العام وتطوير أسواق السندات من خلال إلزام الشركات شبه الحكومية والعامة على إدراج سنداتها في الأسواق المحلية سيشكل في ذات الوقت الحل للمشكلات المرتبطة بأدوات السيولة والتي يجب توفيرها للإيفاء بمتطلبات بازل 3 حيث سيكون بإمكان المصارف أن توظف جزء من سيولتها وفق لمتطلبات بازل في السندات عالية الجود الحكومية والخاصة. وهذا سيكون أيضا إحدى أهم الوسائل التي تحقق إدامة السلامة المالية خصوصاً مع اقتراب فترة انتهاء ضمان الودائع بانقضاء الثلاث سنوات.

ملاذ آمن للمصارف

وأضاف الشمّاع: السندات الحكومية ستكون ملاذاً آمناً للمصارف لتوظف السيولة بدلًا من سحبها وتوظيفها في استثمارات خارجية تضر بالاقتصاد الوطني وتقلص دورة الأعمال. سندات الدين العام والتي ستوفر قدرة مالية أكبر للحكومة الاتحادية ستزيد من درجة اندماج اقتصاديات الإمارات وستتيح في نفس فرص زيادة الإنفاق العام والذي يمكن ان يعوض الدورة الاقتصادية وبما ينعش الحياة الاقتصادية من خلال الإنفاق العام الذي سيشهد زيادات كبيرة بفعل إصدار السندات والدين الحكومي والتي ستعوض الدورة الاقتصادية عن سحب السيولة الذي تقوم به المصارف من دورة الأعمال. الأمر الذي يتأكد يوما بعد آخر من خلال البيانات التي تفصح عنها المصارف فبيانات الربع الثالث تشير إلى ما كنا قد نبهنا إليه مراراً من خطورة استمرار سحب السيولة من دورة الأعمال من قبل المصارف التي تحقق أرباحها على حساب الاقتصاد الوطني. فبدلًا من أن ينمو الاقتصاد وينتعش بسبب ارتفاع أسعار النفط التي تولد ثلث الناتج المحلي للدولة، فإن الاقتصاد يتباطأ وقد يستمر تباطؤه للعام 2012 وفقا لما أدلى به معالي محافظ المصرف المركزي.

تباطؤ الاقتصاد

وتابع قائلاً: لعلنا نتفق في أن الاقتصاد الإماراتي سيستمر بالتباطؤ بسبب استمرار المصارف في سحب السيولة من دورة الأعمال والدخل القومي وليس بسبب الأوضاع الاقتصادية العالمية وتأثيراتها السلبية. ففي الوقت الذي يضيف قطاع النفط الخام موارد مالية إضافية متزايدة، فإن المصارف تسحب هذه الموارد لتسدد بها التزامات خارجية او توظفها في استثمارات خارجية مولدة بذلك الآثار الانقباضية على دورة الأعمال. لقد جمعت المصارف سيولة بشكل أرباح قبل المخصصات وصلت خلال التسعة اشهر الماضية إلى أكثر من29.3 مليار درهم في الوقت الذي تقلصت فيه القروض التي قدمتها خلال الفترة ذاتها بمقدار 8.3 مليارات درهم وهذا يعني أن المصارف قد سحبت سيولة من دورة الدخل بشكل تدفقات نقدية خارجة من دورة الأعمال بلغت 37.6 مليار درهم. وخلال الفترة من بداية 2009 ولحد الآن سحبت المصارف من دورة الأعمال مبلغ 117 مليار درهم، وما يثبت للمشككين في أن التباطؤ يعود لعوامل محلية تتمثل بسحب السيولة من قبل المصارف، هو تراجع نسبة أرباح كل الشركات المدرجة في الأسواق المالية بما فيها شركات الاتصالات التي لا تتأثر أرباحها بالانكماش والتباطؤ بنفس درجة تأثر الشركات الأخرى. فبعد أن كانت أرباح الشركات غير المصرفية تشكل نسبة 150% من أرباح المصارف المدرجة خلال التسعة اشهر الأولى من 2008 انحدرت هذه النسبة إلى متوسط 50% خلال الأرباع الثلاثة الماضية من العام الحالي. وهذا يعني مداخيل الشركات المدرجة والتي تمثل افضل نموذج لقطاع الأعمال الخاص في تراجع وهو ما يعني بدوره تراجع مبيعات منتجاتها وخدماتها. والشركات المدرجة في الأسواق والمتكونة من خليط موزع على معظم قطاعات الاقتصاد تقريبا تعكس في ارباحها حالة الاقتصاد حيث ان تراجعها كنسبة من ارباح المصارف يعكس صحة الفرضية التي تقوم على ان المصارف هي المتسبب في تباطؤ الاقتصاد.

التحليل الاقتصادي للبيانات

وأضاف الشماع: التحليل الاقتصادي للبيانات المالية للمصارف للربع الثالث يظهر أن المصارف، التي كانت قد أوقعت الاقتصاد في فخ الإفراط في المديونية، لا تزال تجد من الوسائل التي تحول دون التطبيق الجوهري لقرار المصرف المركزي باحتساب الفوائد على فروض السيارات والشخصية والسحب على المكشوف بأسلوب القسط المتناقص. فالمفروض أن يؤدي هذا القرار الى تراجع كبير في أرباح المصارف وما تسحبه من سيولة من دورة الأعمال، إلا أن الواقع هو غير ذلك فبدلًا من احتساب فائدة 4% على قروض السيارات مثلا والتي كانت المصارف تتقاضاها قبل قرار المركزي، أصبحت بعد تطبيق القرار تتقاضى نسبة 8% وهكذا بالنسبة للأنواع الأخرى من القروض التي شملها قرار المصرف المركزي. لهذا السبب لم تنخفض الفائدة الكلية التي تستوفيها المصارف على رصيد القروض في الربع الثالث عما كانت عليه في الربع الثاني وهي 6.51%.

مسؤولية السلطة النقدية

واختتم الشماع قائلاً: السلطة النقدية لا تقف في مسؤوليتها عند حدود السلامة المصرفية بل هي مسؤولة أيضاً عن النمو وهو مهمة المصارف المركزية في العالم. والموائمة بين متطلبات النمو والاستقرار الاقتصادي ومتطلبات السلامة المالية أمر جوهري يجب أن تحرص عليه السلطة النقدية. وإذا كانت المصارف الإماراتية بحاجة للسيولة المستقرة لضمان السلامة، فإن التباطؤ في هذه الظروف قد يعطل السلامة المالية والبلوغ السريع لمتطلبات بازل 3. المصارف الإماراتية وفي تشددها في السياسة الإقراضية تحاول أيضا مواجهة ظروف عدم قدرة المقترضين على تسديد القروض والناجم بدوره عن تراجع قيم الأصول الضامنة لهذه القروض. ولذلك فإن المصارف لا تريد التوسع في الإقراض من اجل توفير موارد تمكنها من سداد التزامات مالية ترتبت عليها نحو دائنين دوليين خلال فترة الطفرة عندما كانت تقرض بأكثر مما لديها من ودائع مقيمة. غير ان تعظيم الارباح بهذه الطريقة التي تسحب فيها السيولة من دورة الأعمال وتترك الاقتصاد الوطني يعاني من التباطؤ أمر غير مقبول. لذا يقع على عائق المصرف المركزي باعتباره الملاذ الأخير للمصارف أن يشرف على جدولة التزامات المصارف تجاه دائنيها ومن ثم يضع قواعد متفق عليها لإقراض المصارف بهدف تسديد التزاماتها في الأوقات المحددة دون الإضرار بالسيولة المحلية ودون خرق الأنظمة والتعليمات التي يصدرها بغية المحافظة على مستويات الأرباح.