ارتفع مؤشر سوق الإمارات المالي الأسبوع الماضي لأول مرة منذ بداية يونيو 2011 بنسبة تزيد على 1%، وذلك بتأثير قرارات قمة الدول الأوروبية التي أوشكت على وضع نهاية لما سمي بأزمة الديون الأوروبية، كما ارتفعت قيم التداولات عن مستوى المعدل اليومي الذي ساد في الأربعة أيام الأولى من الأسبوع لتصل إلى قرابة المائتي مليون درهم.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: هذا الأداء المتأثر بالأسواق العالمية، والذي قاده مضاربون على أمل جني الأرباح في الأسبوع القادم، لا يمكن اعتباره تحسناً قابلاً للاستدامة، فالأسواق تواجه مخاطر كبيرة حاول المضاربون تجاوزها يوم الخميس للاستفادة من فرصة الطفرات السعرية التي تحققت في الأسواق العالمية، إلا أن السمة الرئيسية التي لازمت أسواق الإمارات خلال الفترة الماضية ستبقى مستمرة لحين إيجاد حلول جذرية للمشكلات ذات الطبيعة المالية والنقدية التي تواجه اقتصاد الدولة، فالتراجع في الأداء وقيم التداول على حد سواء لازم وسيلازم الاسواق ما لم تطرأ تغيرات جوهرية.
فقد وصل المعدل اليومي لقيم التداول إلى رقم غير مسبوق تاريخيا، شكل بحد ذاته هاجسا لمخاوف المتداولين من أن يكون هذا التراجع نذيراً بوجود أزمة حقيقية تتجاوز حدود الشركات وأدائها لتصل إلى النظام المالي والمخاطر المالية التي تواجهه كنتيجة لتراجع الودائع، والتي تراجعت منذ مايو الماضي بقيمة 61 مليار درهم، وهو ما أعاد للذاكرة الوضع المالي والمصرفي الذي خلفه انسحاب ودائع غير مقيمة (أموال ساخنة) بقيمة زادت على 170 مليار درهم في نهاية العام 2008، وخصوصا أن انسحاب الودائع هذه المرة والمرة السابقة تزامن مع خروج الأجانب من الأسواق المالية.
تراجع قيم التداول
وأضاف الدكتور الشمّاع: كنتيجة لهذه المخاوف التي أكدتها بيانات المصرف المركزي فقد تراجعت قيم التداول في سوقي أبوظبي ودبي الماليين لتصل إلى مستويات غير مسبوقة المقارنة مع الدول الخليجية المناظرة للإمارات حيث وصلت خلال الأسبوع الماضي إلى 85 مليون درهم وهي تعادل 1 إلى 70 من قيمة تداولات السوق السعودي خلال نفس الفترة، والتي كان معدلها اليومي 5.9 مليارات ريال سعودي، كما تشكل 1 إلى 5 من قيمة تداولات سوق الكويت والتي كان معدلها اليومي يعادل 303 ملايين درهم.
وانحدار المعدل اليومي لقيم التداول إلى 85 مليون درهم الأسبوع الماضي من 125 مليون درهم للأسبوع الذي قبله ومن 134 مليون درهم لشهر سبتمبر و185 مليون درهم لشهر أغسطس و278 مليون درهم خلال الفترة من بداية 2011 وحتى نهاية يوليو و411 مليون درهم خلال العام 2010 و972 مليون درهم خلال 2009 و2192 مليون درهم خلال 2008 و4888 مليون درهم خلال الفصل الرابع من 2007، هذا الانحدار الهائل يثير بحد ذاته القلق من وجود بوادر لازمة جديدة في الأسواق.
تراجع الودائع
وتابع الشماع قائلاً: أعاد تراجع الودائع، التي كشفت عنها بيانات المصرف المركزي، بقيمة تزيد على 61 مليار درهم خلال الفترة من نهاية مايو وحتى سبتمبر الماضيين، الفجوة بين القروض والودائع إلى الوجود، وذلك بعد أن تقلص الفارق بين الودائع والقروض في أغسطس إلى اقل من 22 مليار درهم هبوطا من 74 مليار درهم في ابريل من هذا العام.
وانسحاب الودائع، والتي يحجم البنك المركزي عن الإفصاح عن الجهة التي تقوم بسحبها عبر التقارير الإحصائية التي لم تصدر منذ شهر يونيو، والتي درج المصرف المركزي على إصدارها بصورة منتظمة، يتزامن مع اقتراب موعد انقضاء الثلاث سنوات لضمان الودائع، والتي لم يصدر تطمين رسمي بشأن تجديدها، يقلق المتداولين، ليس في أسواق الأسهم فحسب، وإنما في كل الأسواق، من احتمالات مواجهة مخاطر نظامية تهدد النظام المالي.
وأوضح الشماع: على الرغم من أن الانسحاب الحالي للودائع هو على الأرجح نتيجة لازمة الديون الأوروبية، فإن اقتراب موعد انقضاء فترة الثلاث سنوات مع استمرار وجود تعثرات في القروض، بدلالة ظهور ديون معدومة في مصرف دبي، قد يدفع باتجاه استمرار سحب ودائع مقيمة وغير مقيمة على حد سواء، مما قد يعرض النظام المصرفي لمخاطر نظامية متزايدة.
عوامل تزايد المخاوف
وقال الشماع: المخاوف من احتمالات سحب المزيد من السيولة تتزايد بسبب عاملين، الأول هو أن تراجع البنوك الأوروبية وحاجتها للسيولة سيدفعها إلى العودة لأسواقها المحلية وحماية نسب رأس المال التي يتطلب رفعها وفق قرار القمة الأوروبية التي عقدت يوم الأربعاء الماضي.
وفي ذات الوقت فان على المصارف المدينة لمصارف أوروبية أن تلتزم بتسديد الاستحقاقات للمصارف الأوروبية، التي كانت قد مولت قبل الأزمة المالية العالمية في 2008 نحو 50% من القروض المجمعة الخارجية في الشرق الأوسط، والتي كانت حصة مصارف الإمارات منها كبيرة، أي ان فرص إعادة التمويل أصبحت محدودة في وقت يحتمل أن ترتفع فيه احتمالات سحب الودائع. والعامل الثاني الذي يؤجج المخاوف لدى الأسواق هو عودة المخصصات الخاصة، التي تجنيها المصارف للارتفاع بعد ان كانت قد تراجعت في الربعين الأول والثاني من العام الحالي.
وأضاف أن أرباح المصارف، التي كانت تحسنت في الربعين الأول والثاني من العام الحالي بسبب تراجع المخصصات، ليست دليلا على التعافي، ولا هي مصدا واقيا من المخاطر النظامية، وإنما هي مؤشر لقنبلة موقوتة قد تتفجر مع استمرار غياب الحلول، فأرباح المصارف متأتية من ضخامة رصيد قروضها، والذي يتجاوز التريليون درهم، وهي في معظمها قروض عالقة قام المدينون بإعادة جدولة قسم منها والاتفاق مع المصارف على تسوية رضائية، فيما يسعى الآخرون من المدينين لإجراء مباحثات مع البنوك الدائنة لإعادة جدولتها أو ما تبقى منها، وهي في الغالب الجزء الأعظم من أصل القرض، بحيث يحصلون على فترة سماح لعدة سنوات على أمل أن تتحسن أوضاع الأصول ويتمكن المدينون من الوفاء بالتزاماتهم.
وخلال فترة السماح هذه، والتي تتراوح بحسب الحالات بين أربع إلى عشر سنوات، يستمر المدينون في سداد الفائدة على أن تجري جدولة المبالغ وفقاً لهذه الترتيبات.
خفايا تزايد أرباح المصارف
وتابع الشماع قائلاً: المشكلة التي تكمن وراء هذه الأرباح المتصاعدة بصورة متواصلة هي سحب السيولة من الأسواق، مما يؤدي إلى استمرار تراجع قيم الأصول الضامنة للديون (العقار والأسهم) وهذا بدوره يؤدي إلى مزيد من الإعسار لدى المدينين.
إنها حلقة مفرغة من العلاقة السببية لا يمكن كسرها إلا إذا ارتفعت قيم الأصول. والأخطر من ذلك أن فترة الثلاث سنوات التي ضمنت خلالها الحكومة الودائع المصرفية أشرفت على الانتهاء، الأمر الذي بدأ يولد ضغوطا على الودائع باتجاه سحب جزء منها، وخصوصا غير المقيمة، الأمر الذي سيدفع المصارف للضغط على المدينين لتسديد أقساط القروض المستحقة، وفي الحالات القصوى تسييل الأصول الضامنة.
وهنا تكمن جوانب الخطورة القصوى، أو ما يمكن أن نسميه بالقنبلة الموقوتة. فالتسييل قد يؤدي إلى مزيد من الانخفاض والتراجع الحاد في قيم الأصول، وبما قد يدفع بدوره إلى مزيد من الضغوط على الودائع المصرفية مولدا بذلك المخاطر النظامية التي تهدد النظام المالي بأسره.
ومن جانب آخر فان قيام المصارف باستيفاء الفوائد عن القروض العالقة وغير المنتجة حاليا بسبب تراجع الأصول العقارية والمالية المستثمرة بها وعدم القدرة على تسييلها والتصرف بها وانخفاض العائد التأجيري للعقارات، في وقت توقفت فيه المصارف عن إقراض القطاع الخاص، أدخل هذا الأخير في دورة من ركود الأعمال قد تتحول إلى كساد في حالة عدم إيجاد الحلول.
فالفوائد التي تستوفيها المصارف من القطاع الخاص، والمدين برصيد بلغ في نهاية يونيو الماضي 728 مليار درهم، هذه الفوائد تبلغ سنويا أكثر من 50 مليار درهم، وتشكل الأساس الرئيسي لقاعدة أرباح المصارف. ولعل تراجع أرباح الشركات المدرجة في الأسواق، بعد استبعاد المصارف وشركة اتصالات، من دلائل الركود الذي تعيشه الأسواق.
عوامل التراجع
وأشار التقرير إلى عاملين يفسران هذا التراجع، والذي يمكن اعتباره نموذجاً يعكس حالة أداء القطاع الخاص بأسره، الأول هو أن معظم الشركات المساهمة الخاصة والعامة تدفع فوائد عن قروض موظفة في استثمارات لم تثمر بعد، أو أثمرت دون أن تتمكن من بيع مخرجاتها، وهذا ينطبق على شريحة واسعة من المستثمرين في العقار وما يتصل به من تجارة ومقاولات تجهيز وتوريد وعلى أفراد عالقين في قروض الأسهم، كما ينطبق أيضا على معظم شركات القطاع الخاص والعام والشركات المرتبطة بالحكومة، والتي وظفت خلال فترة الطفرة قروضاً كبيرة في الأصول العقارية والمالية (الأسهم) عندما كانت أسعار هذه الأصول تسجل ارتفاعات سريعة متلاحقة، حيث تمت معظم هذه التوظيفات في قمة طفرة أسعار الأصول العقارية والمالية، بحيث إن الخسائر كانت كبيرة جدا لمعظم المقترضين في العام 2008، والذي شهد اكبر زيادة في قيمة القروض الممنوحة.
هذه الدفعات من الفوائد على قروض عالقة لم تعد منتجة، تقلل القدرة المالية للشركات والأفراد المقترضين والذين أصبحوا مضطرين لتنظيف دفاترهم بأخذ مخصصات على تراجع قيم الأصول. وهذا ما يؤدي إلى تراجعات حادة في ارباح الشركات ومداخيل الأفراد.
والعامل الثاني هو اضطرار معظم الشركات العامة والخاصة والعائلية وحتى الحكومية، وفي محاولة للحد من تراجع الأرباح والحد من الخسائر، لتقليص نفقاتها التشغيلية وتقليص الأرباح الموزعة، إن وجدت أرباح أصلا، الأمر الذي ينعكس بدوره على مداخيل الأفراد والدخل القابل للتصرف، وبالتالي على إنفاق المستهلكين لينعكس مرة ثانية على أرباح الشركات ومداخيل الأفراد، وبما يولد موجات متتالية من الانقباض نحو الداخل. ويؤدي تراجع الإنفاق التشغيلي وتراجع إنفاق المستهلكين في نهاية الأمر إلى تراجع مبيعات الجميع وانخفاض الإيرادات.
