مرة أخرى يؤكد الأداء المتراجع للأسواق ووصول مؤشر سوق الإمارات قرب قاع السوق، الذي كانت قد بلغته في بداية العام 2009، أن أوضاعها ليست مرتبطة بأوضاع الأسواق العالمية والأزمات التي تثيرها المخاوف المتعاظمة بقدر ما يرتبط بالأوضاع الاقتصادية المحلية، وخاصة ما يتعلق بنزيف التدفقات النقدية للقطاع الخاص، والذي وصل معدله السنوي خلال الأعوام 2009 و2010 و 2011 إلى 36 مليار درهم.

وقد ارتفعت مؤشرات الأسواق العالمية، وعلى الرغم من التهويل الإعلامي والتصريحات المتضاربة التي تصدر عن هذا الوزير أو المسؤول حول العالم، على مدى أسبوعين قبل أن تصحح ليوم واحد في بداية الأسبوع الماضي قبل أن تعاود الأداء الجيد منذ يوم الاثنين. وعلى العكس من ذلك واصلت الأسواق الإماراتية مسارا هابطا طوال جلسات شهر أكتوبر الحالي، سواء في قيم التداول أو في المؤشر.

وبلغت خسائر الأسواق المحلية من القيمة السوقية أكثر من 60% توزعت بصورة غير متساوية على الأسهم المتداولة، وتركزت معظمها في الأوراق المالية ذات النسبة العالية من الأسهم الحرة، والتي تتيح للأجانب التملك فيها بنسب مرتفعة، والتي هبط العديد منها إلى أدنى من القيمة الاسمية، ومنها سهم الدار العقارية، الذي كان قد لامس مستوى 14 درهماً في 2008.

 

على عاتق القطاع الخاص

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: خسائر القيمة السوقية للأسهم المحلية، والتي تبلغ 473 مليار درهم منذ نهاية 2007، ليست موزعة بنسب متساوية على كل المستثمرين في الأسواق. فحملة الأوراق المالية ذات الأعداد الكبيرة من الأسهم الحرة والمتداولة في الأسواق تحملوا العبء الأكبر من الخسائر، فيما تحمل حملة الأسهم التي تمتلك فيها الحكومات نسبة كبيرة خسائر محدودة، بل في بعض الأحيان حققوا مكاسب.

 وبهذا فإن معظم الخسائر في القيمة السوقية، والتي هي ثروة المجتمع، وقعت على عاتق القطاع الخاص من الأفراد والصناديق، فيما كانت خسائر المحافظ الحكومية، خصوصا في أبوظبي، محدودة بسبب عدم انخفاضها، والناجم بدوره عن عدم تسييلها بنفس الدرجة والكميات التي تم بها تسييل الأسهم التي لا تمتلك فيها الحكومة حصة كبيرة، أو تمتلك فيها حصصاً صغيرة. وبغض النظر عن أسباب ذلك، فإن النتيجة هي تناقص المقدرة المالية للقطاع الخاص، ليس لأنه خسر جزءاً مهماً من ثروته في الأسهم والعقار فقط، ولكن لأنه لا يزال ينزف من دخلة الجاري في تسديد التزامات مالية تجاه المصارف في كل الأسواق، وليس في سوق الأسهم وحده.

 

حلقة مغلقة

وأضاف الدكتور الشمّاع: المستثمرون يجدون أنفسهم أمام حلقة مغلقة، فالخسائر وإن كانت ورقية، فهي تقلل قدرة الأفراد والشركات على تقديم الضمانات للمصارف، وبالتالي الحصول على القروض المناسبة لتطوير الأعمال، وحتى على القروض التي يتطلبها تسيير الأعمال، ناهيك عن التمويل للتداول على المكشوف في أسواق الأسهم. فالعديد من المؤسسات الإنتاجية بحاجة إلى رأسمال تشغيل ولكنها لا تجد الضمانات الكافية التي تمكنها من الحصول على القروض، خصوصا في ظل التشدد المصرفي القائم.

في الجانب الآخر، فإن تراجع الإنفاق بهاجس تقليل التكاليف وتقليص الخسائر يعمق من المشكلة على الصعيد الكلي، فمنشأة الأعمال التي تتراجع مبيعاتها تسعى للتقليل من إنفاقها لغرض تسوية التزاماتها وتقليل خسائرها، أو في أحسن الأحوال تحسين أرباحها، وهو ما ينعكس على المؤسسات الإنتاجية والخدمية المزودة لها بالخدمات والسلع.

وبهذه الآلية تنتشر آثار ركودية في كل الاقتصاد من خلال علاقات المستخدم والمنتج، فكل مؤسسات الأعمال ترتبط ببعضها بعلاقات أمامية وخلفية، ففي الوقت الذي تشتري سلعاً وخدمات من مؤسسات تقع خلفها في السلم الإنتاجي، فإنها تبيع أيضا سلعاً أو خدمات لمؤسسات تقع أمامها في هذا السلم. وعندما تقلص مؤسسة نفقاتها تحت ظروف الحاجة لتسوية التزامات مالية فإنها تؤثر سلبا في السلسلة الإنتاجية بأكملها.

 

نزيف الدفعات السنوية

وتابع الشماع قائلاً: غير أن تناقص الضمانات للحصول على القروض وتراجع الإقراض المصرفي ليس السبب الوحيد الذي يدفع لانتشار الآثار الركودية، بل إن هناك سبباً جوهرياً أهم يتمثل بنزيف الدفعات السنوية الهائلة، التي يدفعها المقترضون في القطاع الخاص للمصارف كفوائد سنوية عن رصيد القروض المتراكم، والتي تجاوزت مبالغها 108 مليارات درهم خلال السنوات الثلاث الماضية، فالقطاع الخاص، أفرادا ومؤسسات، مثقل بديون وصل رصيدها في يونيو 2011 إلى أكثر من 718 مليار درهم.

وهذه الديون هي التي تشكل الثقل الأساسي، والذي يدفع الأفراد ومؤسسات الأعمال لتقليص نفقاتها، فلا القطاع الخاص قادر على تسديد القروض العالقة في العقار والأسهم، ولا بيئة الأعمال تدر إيرادا يغطي قيمة أقساط القروض الواجبة التسديد، الأمر الذي يدفع المقترضين لإبرام تسويات مالية مع المصارف تقضي بتسديد الفوائد المستحقة فقط، وهو أمر درجت عليه المصارف في السنوات الثلاث الماضية لتجنب بيع الأصول المرهونة من أسهم وعقار، والتي سيؤدي بيعها بالمزاد بالنسبة للعقار، أو تسييلها بالنسبة للأسهم، إلى انهيارات مالية في الأصول وفي المصارف على حد سواء.

وقال: ما تستوفيه المصارف من فوائد هو في الحقيقة تدفقات نقدية خارجة من القطاع الخاص وصل معدلها السنوي خلال الأعوام 2009 و2010 و 2011 إلى 36 مليار درهم، باحتساب صافي الفائدة التي يدفعها القطاع الخاص بعد استبعاد الفوائد المقبوضة منه لقاء ودائعه في المصارف. وبهذا تكتمل الدائرة المغلقة من العلاقات السببية والتي تبدأ من تراجع قيم الأصول بعد الأزمة المالية العالمية، التي توقفت على إثرها القروض المصرفية، ومن ثم علقت في الأسواق لنصل إلى انعكاس قيم التدفقات النقدية الخارجة من المقترضين مرة أخرى على أداء الأسواق كافة، بما في ذلك أسواق الأسهم والعقار، والتي تفتقر إلى السيولة التي يمكن أن تكسر هذه الحلقة الدائرية المفرغة.

وأضاف: ما لم تنتعش قطاعات أخرى عدا العقار والأسهم العالقين في الدائرة المفرغة، لتوفر للمقترضين القدرة المالية على الوفاء بالالتزامات وكسر جمود هذه الحلقة المفرغة، فإن تحسن أداء العقار والأسهم سيبقى بطيئا لفترة قد تكون طويلة. وعندما يتم تشخيص العلة ونتائجها، فان الحلول والمعالجات تصبح أمراً لا بد منه في مثل هذه الظروف، التي وصلت نسبة انخفاض مؤشر السوق فيها إلى 97% عن مستواه في نهاية 2007.

مؤسسات تمويل

وحدد الدكتور الشمّاع الإجراءات المطلوبة في المجال المالي والنقدي أولها كسر الحلقة المفرغة عبر إطلاق مؤسسات تمويل تتولى توريق القروض العقارية وضخ المزيد من السيولة التعويضية في الاقتصاد.

وأوضح قائلاً: كما في أي ماكينة احتراق ذاتي، فإن انطلاق المحرك يحتاج إلى بطارية تولد الشرارة الأولى بعد أن توقف المحرك خلال فترة الأزمة المالية (انقطاع القروض خلال الأعوام 2009 و2010 و2011) والبداية لابد أن تكون مع الاستثمار في العقار، والذي إذا ما ارتفعت أسعاره فإنه سيحرر سيولة تدفع المصارف للعودة للإقراض، لينعكس ذلك على أسواق الأسهم، وعندما ترتفع أسواق الأسهم، فإن عشرات المليارات من القروض برهن الأسهم سوف تتحرر، وإذا ما تحرر جزء من القروض بضمان الأسهم فإن السيولة الإضافية التي تحررت يمكن أن تتجه لسوق العقار مرة أخرى، وهكذا تبدأ الماكينة توليد حركتها الذاتية.

وهنا لابد من التذكير بأن التراجع الذي طرأ على أسعار الوحدات العقارية جعلها أكثر جاذبية لاستقطاب تمويلات البنوك، حيث إن نسبة المخاطرة في القروض حالياً قد تناقصت بالمقارنة مع سنوات الطفرة العقارية، مما سيدفع العديد من البنوك إلى إعادة النظر في قرار التوقف عن تمويل الوحدات السكنية، الذي كانت قد اتخذته عقب الأزمة في حال توفر السيولة لديها، والتي يمكن أن تتوفر من خلال مؤسسة لإعادة تمويل الرهن العقاري. وبهذه المناسبة فإن صدور مرسوم تأسيس مصرف الإمارت للتنمية خطوة مهمة في هذا الطريق، نأمل أن تتبعها خطوات أخرى في هذا المضمار.

تمديد ضمان الودائع

ويتمثل الإجراء الثاني المطلوب في تمديد ضمان الودائع، فمع اقتراب الثلاث سنوات لضمان الودائع على نهايتها، فإن المصرف المركزي يبحث في البديل والطريقة الأمثل، والتي ليست سوى التأمين على الودائع في حالة عدم تجديد الضمان الحكومي لها.

وهنا يقول الشماع: إننا ندعو الجهات المعنية لحث الخطى بالتعاون مع المصرف المركزي لإنشاء نظام التأمين على الودائع بأسرع وقت ممكن لتمكين المصارف والمركزي من اتخاذ الخطوات العملية لرفع مستويات الإقراض المصرفي. وفي حالة عدم التمكن من الوصول إلى هدف أنشاء نظام التأمين فلابد من تمديد العمل بضمان الودائع لثلاث سنوات أخرى.

تفعيل أسواق السندات

والإجراء الثالث هو تفعيل أسواق السندات لتصبح أداة التمويل البديل للإقراض المصرفي المتشدد والمتعنت إزاء خفض الفائدة، وهو ما يتطلب تضافر الجهود من أجل إنشاء سوق للسندات الحكومية والسندات المؤسسية ذات النوعية الممتازة، يستثمر فيها الأفراد المودعون بشكل ودائع ثابتة محدودة العائد، وبما يؤدي إلى سحب جزء من الودائع الثابتة المجمدة لدى المصارف.

وطبيعي أن سحب ودائع ثابتة وتوظيفها في سندات لن يمس الملاءة المالية للمصارف لأن ما سيجري هو مجرد تحويل الودائع الثابتة لدى المصارف إلى ودائع تحت الطلب، وبما يعزز السيولة في الأسواق. فالجهات المصدرة للسندات، والتي قد تكون حكومة أو شركات، لن تعيد هذه الأموال بشكل ودائع ثابتة، وإنما ستستخدمها لتمويل مشاريعها، وستتحول إلى مداخيل بشكل أجور وإرباح وعوائد لمختلف أنواع المجهزين. وهكذا تتحول هذه الأموال من ودائع شبه مكتنزة في المصارف إلى ودائع جارية وسيولة تنشط التداولات في مختلف الأسواق.

 السيولة التي سحبتها المصارف من دورة الأعمال خلال السنتين ونصف الماضيتين (بمليارات الدراهم)

السنة القروض الجديدة الودائع الجديدة صافي الإيداع الارباح المخصصات أرباح قبل المخصصات السيولة المسحوبة

2009 24 60.1 36.1 31.9 16.4 48.3 84.4

2010 13.6 67 53.4 17.3 12.1 29.4 82.8

يونيو 2011 25.5 28.8 3.3 20 4.8 24.8 28.1

 صافي التدفق النقدي لقروض القطاع الخاص

السنة إجمالي القروض القروض السنوية الفوائد السنوية صافي التدفق النقدي

2001 127,985,000,000 9,950,000,000 5759325000 4,190,675,000

2002 142,032,000,000 14,047,000,000 6391440000 7,655,560,000

2003 162,769,000,000 20,737,000,000 7324605000 13,412,395,000

2004 201,789,000,000 39,020,000,000 9080505000 29,939,495,000

2005 283,104,000,000 81,315,000,000 12739680000 68,575,320,000

2006 342,987,000,000 59,883,000,000 15434415000 44,448,585,000

2007 491,528,000,000 148,541,000,000 22118760000 126,422,240,000

2008 729,825,000,000 238,297,000,000 32842125000 205,454,875,000

2009 723,866,000,000 -5,959,000,000 32573970000 38,532,970,000

2010 720,617,000,000 -3,249,000,000 32427765000 35,676,765,000

يونيو2011 718,895,000,000 -1,722,000,000 32350275000 34,072,275,000