واصلت أسواق المال في الإمارات تراجعها منذ بداية شهر أكتوبر الحالي تحت ضغط تراجع قيم التداول، والتي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ منتصف عام 2004، حيث بلغ معدلها اليومي 126 مليون درهم بالمقارنة مع الأشهر السابقة، حيث كان المعدل 134 مليون درهم في سبتمبر، 185 مليون درهم في أغسطس، 160 مليون درهم في يوليو، 257 مليون درهم في يونيو و258 مليون درهم في مايو.
وذلك رغم تواصل ارتفاعات الأسواق العالمية التي بدأت منذ يوم الأربعاء 5 أكتوبر الحالي وحققت ارتفاعات قوية وصلت حتى يوم الأربعاء 12 أكتوبر إلى ما نسبته 5.88% لمؤشر ناسداك و5.5% لمؤشر ستاندر أند بورز و5.29% لمؤشر داوجونز. ويتساءل المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي عن أيهما مسؤول عن ضعف الآخر:
هل تراجع مؤشر أسواق الإمارات يقود إلى انخفاض قيم التداول فيها أو أن انخفاض قيم التداول هو سبب تراجع المؤشر وبالتالي تراجع القيمة السوقية؟ ويؤكد الدكتور الشمّاع: مما لا شك فيه أن هناك ترابطاً وثيقاً بين المؤشر العام لسوق الإمارات والقيمة السوقية من جهة وبين قيمة التداول من جهة أخرى. ومن الواضح أن ضعف وانخفاض قيم التداول هو الذي يدفع المؤشر نحو التراجع.
طلبات الشراء الجديدة والمدورة
وأوضح الشمّاع: قيم التداول تمثل في جزء كبير منها السيولة الإضافية التي تدخل السوق، وبالتالي فهي تعبر إلى حد كبير عن طلبات الشراء الجديدة وليس طلبات الشراء المدورة. طبعا يمكن أن ترتفع قيم التداول كنتيجة لتدوير الأسهم عدة مرات في الجلسة، ولكن سرعة هذا التدوير تتوقف في نهاية الأمر على وجود سيولة جديدة وطلبات شراء بسيولة جديدة. وفي ظل انخفاض قيم التداول تبرز ظاهرة بطء ورتابة التداول والتي تؤثر سلبا في أداء المؤشر، فهذا البطء والرتابة المملة في التداولات.
وما يترتب عليهما من صعوبة كبيرة في تدوير تسييل الأسهم وإعادة هيكلة المحفظة الاستثمارية وإعادة ترتيب المراكز في ضوء التحليل الأساسي هو بحد ذاته سبب كاف لإبعاد المستثمرين عن السوق، فالمستثمر في الغالب عندما يشتري سهما معينا يفكر في ذات الوقت في سهولة بيعة في ضوء المتغيرات الأساسية للسوق. وعندما تتناقص قدرة الأسهم على التسييل، تتراجع رغبة المستثمرين في الدخول إلى الأسواق وبما يقلل من طلبات الشراء ويدفع المؤشر للتراجع.
وأضاف: من ناحية ثانية، فإن انخفاض قيم التداول يرفع من قدرة تأثير التداولات محدودة القيمة على المؤشر العام للسوق. وبالتالي فإن أي توجه للخروج من السوق تحت تأثير الإشاعات أو الأخبار العالمية يمكن أن يدفع المؤشر نحو التراجع القوي.
وبالعكس فإن الدخول المحدود من حيث القيمة يفترض أن يرفع المؤشر بقوة أيضا، ولكن في الظروف الحالية، فإنه نادرا ما تظهر دوافع ومحفزات قوية للدخول، وفي اغلب الأحيان يتسم الدخول للأسواق بالحذر الشديد خوفا من المزيد من الخسائر.
تداولات محدودة وتغيرات محسوسة
وفي ظل انخفاض قيم التداول تبرز ظاهرة ثانية تؤثر سلبياً على أداء المؤشر، وهي تراجع مقسوم قيم التداول على القيمة السوقية، والذي يعني ان تداولات محدودة تؤدي إلى تغيرات محسوسة في القيمة السوقية والمؤشر، سواء بالتراجع أو بالارتفاع. ففي نهاية العام 2007 والأربعة اشهر الأولى من العام 2008 كان هناك ثلاثة فلوس تداول مقابل كل درهم من القيمة السوقية، انخفضت إلى فلس واحد في الأشهر الثمانية الأخيرة من عام 2008.
وارتفعت إلى فلسين في 2009 والى فلس واحد في 2010 والى اقل من 0.08 من الفلس في الأشهر الخمسة الأخيرة من 2011، وطبيعي أنه لو كان هناك تفاؤل وثقة بالأسواق لأدت هذه الظاهرة لارتفاعات قوية في المؤشر تستمر حتى تصل قيم التداول إلى المستويات السابقة. غير أن انعدام وضعف الثقة، إلى جانب عوامل أخرى، أدى لتراجع قيم التداول، وجعل هذه الظاهرة تعمل فقط في الاتجاه السلبي، أي باتجاه تأثير تداولات محدودة على تراجعات حادة في قيمة المؤشر والقيمة السوقية.
تأثير مضاعف الربحية
وتابع التقرير: لعل مما يدلل على أهمية وتأثير قيمة التداول على أداء المؤشر هو مضاعف الربحية المستخدم لاتخاذ قرار الدخول إلى السوق أو إلى سهم معين، فالمضاعف يؤشر إلى الانخفاض أو الرخص النسبي للسهم، والذي يدفع نحو ظهور طلبات الشراء ودخول سيولة إلى الأسواق وارتفاع قيم التداول.
ولذلك فإن المؤشر وأسعار الأسهم متغير تابع لقيمة التداول، التي تعكس وإلى حد كبير مقدار السيولة المتاحة في الأسواق. من هنا فإن تشخيص علة الأسواق بهدف وضع المعالجات لها يجب ان ينطلق من تشخيص العوامل التي تقف وراء تراجع قيم التداول. وهنا لا بد من التساؤل عن سبب تراجع قيم التداول في الإمارات بالمقارنة مع نظرائها من الدول الخليجية.
ارتفاع السيولة المحتجزة
وقال الدكتور الشمّاع: لعل واحدا من هذه العوامل، وأولها في الأهمية، يكمن في ارتفاع منسوب السيولة التي يحتفظ بها الجهاز المصرفي لدى المصرف المركزي كنسبة من إجمالي الودائع الخاصة بعد استبعاد الودائع الحكومية. ومما لا شك فيه أن اجتذاب السيولة من قبل المصرف المركزي، وفي ظل غياب السندات الحكومية.
هو من الوسائل المهمة للتحكم في الأداء الاقتصادي، وضمان استقراره، وتقليل الآثار التضخمية في حالة الطفرات والانتعاش الاستثنائي. ويلاحظ أن هذه السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي قد وصلت إلى أوجها في فترة الطفرة قبل الأزمة المالية العالمية، حيث زادت نسبتها إلى الودائع على 43%، وهي أعلى نسبة بالمقارنة مع كل من السعودية والكويت.
والسبب الرئيسي لارتفاع نسبة السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي بالمقارنة مع السعودية والكويت هو ارتفاع الاحتياطي الإلزامي حتى بأكثر مما يفصح عنه المصرف المركزي، فمن حيث المعلن فإن نسبة الاحتياطي الإلزامي على الودائع الجارية هي 14%.
ولكن من حيث الواقع فإنها أكثر من ذلك، فقد شملت الودائع الادخارية إلى جانب الودائع تحت الطلب بنسبة 14%، بحيث لو استبعدنا الودائع الادخارية المستقرة بصورة كبيرة لارتفعت النسبة الفعلية للاحتياطي الإلزامي إلى 19% في بعض الأشهر. والمعروف أن نسبة الاحتياطي الإلزامي تكون مرتفعة على الودائع ذات الطبيعة غير المستقرة، والتي يمكن أن يسحبها المودعون من المصرف.
وبما قد يسبب نقصاً غير متوقع في السيولة. ولهذا السبب تكون نسبة الاحتياطي الإلزامي على الودائع الثابتة، بغض النظر عن أمدها، منخفضة. صحيح أن الودائع الادخارية ليست بحاجة إلى إشعار مسبق لسحبها.
ولكنها لم تكن على الإطلاق غير مستقرة، بل على العكس تماما تمتعت وتتمتع باستقرار أعلى من الودائع الثابتة. وقد سارت وتسير في اتجاه صاعد دون أن تتعرض للتناقص خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يستوجب من السلطة النقدية أن تقوم بإخراجها من دائرة الشمول بالاحتياطي الإلزامي المرتفع وإعادتها إلى جانب الودائع الثابتة لتشمل بنسبة 1%.
أسعار الفائدة
ارتفاع أسعار الفائدة العامل الثاني من حيث الأهمية، والذي يحد من تدفق السيولة على الأسواق المالية وأسواق العقار، هو ارتفاع أسعار الفائدة للإقراض، حيث انه من العوامل المهمة جدا في شح السيولة في مختلف الأسواق.
المقترضين العالقين
والعامل الثالث مترتب على السابق، وهو ان المقترضين العالقين والمستمرين على دفع الفوائد للمصارف دون اصل القرض، يقومون بسحب تدريجي سنوي من التدفقات النقدية لدورة الإنتاج والدخل لصالح المصارف، التي تقوم إما باستخدامها لتسديد التزامات وقروض بدورها مستحقة على المصارف للخارج او لتمويل استثمارات خارجية.
المهم ان المستثمرين بدفعهم للفوائد والتي نقدرها بحوالي 60 مليار درهم في نهاية العام الحالي يسحبون من مدخراتهم السابقة او من تسييل أصول أو حتى من جاري مداخليهم الشخصية. وبهذا تستنفد كل مصادر السيولة التي يمكن ان ترفد الأسواق بالسيولة الجديدة وترفع من قيم التداول وترفع المؤشر.
ظاهرة »التمسك بالسيولة«
العامل الرابع يتمثل في الجانب النفسي، والذي يعمل بدوره على إبعاد المستثمرين غير المكبلين بالقروض، والذين لديهم سيولة مجمدة في ودائع بنكية، عن الأسواق. هذا الابتعاد يحدث كنتيجة لشعورهم بثقل الخسارة التي تكبدوها، والتي تخلق ميلاً لتفضيل السيولة على كل أشكال الأصول الأخرى.
هذا التفضيل يطلق عليه بسلوك الابتعاد عن المخاطر. فالخسارة الورقية لا تعمل فقط على تقليل قدرة المواطن الفرد الطبيعي والمعنوي الحالية على تقديم الضمانات للمصارف، وبالتالي الحصول على القروض المناسبة لتطوير الأعمال، وحتى على القروض التي يتطلبها تسيير الأعمال، ناهيك عن قدرة شركات الوساطة في الحصول على التمويل لتلبية متطلبات التداول على المكشوف.
