تراجعت الأسواق المحلية خلال الأسبوع الماضي بنسب تقل عن نسب تراجع الأسواق الأوروبية، والتي تراجعت بحدة تحت تأثير التهويل الإعلامي لأزمة ديونها. ورغم تراجع الأسواق الخليجية تحت وطأة التراجع القوي الذي شهدته الأسواق العالمية وهبوط أسعار النفط، إلا أنها كانت أكثر تماسكاً من نظيراتها الأوروبية.
فقد تراجع مؤشر فتسي بنسبة 4.24% في الفترة من 22 26 سبتمبر. كما تراجع مؤشر كاك الفرنسي في الفترة ذاتها بنسبة 2.22% وتراجع مؤشر داكس الألماني بنسبة 2%. أما أسواق الخليج فتكاد تكون متساوية في خسائرها والتي تراوحت ما بين 1% لكل من السعودية والإمارات وعمان و0.6% لكل من الكويت وقطر، فقط بورصة البحرين الوحيدة من بين البورصات الخليجية التي تحملت خسارة بنسبة 2%.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: يبدو أن الأسواق الخليجية، التي كانت قد أثقلتها التراجعات والهزات التي سببتها الأزمات المالية العالمية، باتت أكثر تحصنا من السابق، سواء بسبب تراجع نسبة الاستثمارات الأجنبية فيها، أو بسبب إدراكها للتهويل الإعلامي الذي يرافق هذه الأزمات.
فمنذ ما سمي بأزمة ديون دبي، وخصوصا بعد أن أثبتت دبي أن الضوضاء التي أعقبت طلب دبي العالمية لجدولة ديونها كانت مجرد تهويل إعلامي هدفه الضغط عليها للوفاء بالتزاماتها، أصبحت البورصات الخليجية أقل عرضة للهلع مما يسود في أسواق العالم.
الضجة الإعلامية
وقال الدكتور الشمّاع: من يتمعن فيما يتناقله الإعلام من أخبار تتصل باليونان وديونها للمصارف الفرنسية، وتخفيض التصنيف الائتماني لبنكي سوسيتيه جنرال وكريدي أجريكول، يجد أن بعضا من هذه الضجة الإعلامية مقصود، والبعض الاخر يسير في الموجة دون هدف، ودون إدراك لعمق الأزمة التي يتحدثون عنها.
وقد أثارت موجة التصعيد الإعلامي هذه حالة من القلق في أوساط المودعين الأوروبيين، خصوصا في البلدان التي لم تقم بضمان الودائع، الأمر الذي دفع وزراء المالية الأوروبيين للسعي لوضع الخطوط العامة لخطة تهدف إلى الحفاظ على الودائع في البنوك الأوروبية.
كما أدت إلى ارتفاع عائد السندات الأوروبية ليصبح قرابة الضعف عن عائد السندات الأميركية بسبب عدم الإقبال على شراء هذه السندات لخروج الأموال من اليورو وتوجهها نحو ملاذ آمن، وهو السندات الأميركية، التي يتزايد الطلب عليها وينخفض عائدها. ويعني انخفاض العائد على السندات الأميركية وارتفاعه على الأوروبية ارتفاع أسعار الفائدة على القروض في الأخيرة وانخفاضه في الولايات المتحدة.
بوادر تعافي العقار الأميركي
وأضاف: ستثبت الأشهر القليلة القادمة أن هذا اللغط الإعلامي عن احتمالات أزمة جديدة في الاقتصاد العالمي ما هو إلا بداية نهاية الأزمة وظهور بوادر تعافي قطاع العقار الاميركي بعد أن تراجعت أسعار الفائدة على الرهون العقارية في سبتمبر إلى ادنى مستوى لها في أربع سنوات ونصف السنة من 7% و6.5% للرهن العقاري لـ 30 و 15 عاماً على التوالي إلى أقل من 4.5% للثلاثين عاما و3.5% للخمسة عشر عاما.
وهذا التراجع في أسعار الفائدة ما كان سيتحقق لولا جولات التخفيف الكمي المتتالية، التي أثارت حفيظة العديد من بلدان العالم. فعندما توالت جولات طبع العملة، ووصلت إلى أرقام عالية بهدف شراء سندات الخزينة الأميركية من قبل الفدرالي الأميركي، بدأت دول العالم تبدي قلقها الشديد، ومنها الصين وروسيا بشكل خاص.
واللتان بدأتا تطرحان بشكل علني موضوع إيجاد العملة الاحتياطية البديلة، ليس فقط لأن الولايات المتحدة لديها الوسيلة الفعالة للخروج من الأزمة المالية دون بقية دول العالم، وإنما لأن التمويل عن طريق العجز الممول بإصدار الأرصدة النقدية قد يؤدي في النهاية إلى تآكل الأرصدة الصينية والدولية الأخرى الموظفة بالدولار في سندات الخزينة الأميركية.
استغلال القلق العالمي
وتابع الدكتور الشمّاع قائلاً: لذلك فإن الجولة الرابعة من التخفيف الكمي، والتي اعلن عنها الفدرالي الأميركي بطريقة خجولة وبمبلغ 400 مليار دولار، جاءت في أثناء تصاعد قلق دول العالم من أزمة عالمية ثانية قد تترتب على أزمة الديون الأوروبية.
وسواء كانت الولايات المتحدة والفدرالي الأميركي قد استغلا مخاوف وقلق العالم من انهيارات مالية جديدة تعمق الكساد والمشكلات، أو سواء كانت أزمة الديون الأوروبية هي أصلا مفتعلة ومبالغ فيها من قبل الإعلام، الذي تديره بصورة خفية الولايات المتحدة، فإن النتيجة واحدة.
وهي أن الولايات المتحدة نجحت في تمرير جولة رابعة من التخفيف الكمي دون أن يكون هناك أصوات عالية تعارض هذا التوجه على الصعيد العالمي. وسينتج عن هذه الكميات الضخمة من السيولة النقدية، التي يزود بها البنك الفدرالي الأميركي الأسواق المالية عبر طبع المزيد من النقود، زيادة كبيرة للمعروض النقدي في الأسواق، مما يؤدي إلى تحسن اسواق الاسهم وارتفاع القيمة السوقية، وفي نفس الوقت تراجع الفائدة بين المصارف والفائدة على الرهن العقاري، وكذلك عائد سندات الخزينة الأميركية.
استبعاد وقوع أزمة جديدة
واستنادا على هذه الحقائق الرقمية المتصلة بالاقتصاد الأميركي، يؤكد الدكتور الشمّاع أنه ليس من المتوقع على الإطلاق ان يكون هناك أزمة مالية عالمية جديدة، وأن ما يبدو وكأن العالم مقبل على ركود قد لا يتجاوز حدود بعض البلدان الأوروبية، التي تعاني من ثقل ديونها ومن البرامج التقشفية التي ستكون مضطرة لاتباعها من أجل الوفاء بالتزاماتها.
كما أن الاقتصاد الأميركي سيكون من المستفيدين بالمزيد من التراجع في أسعار الفائدة للرهن العقاري، وبما يسهم في حلحلة أوضاع هذا القطاع، الذي كان ولا يزال يشكل عقبة أمام التعافي، سواء في الولايات المتحدة أو في الإمارات.
وتابع الدكتور الشمّاع: كما أن أسعار النفط، التي هوت خلال هذا الأسبوع لما دون الثمانين دولاراً للبرميل، سوف تعود في غضون الأشهر القادمة، وقبل انقضاء العام الحالي، إلى مستويات ما قبل تفاقم التشاؤم بشأن أزمة ديون اليونان. ولعل المقارنة بين التراجع الذي حدث في أسعار النفط في الأشهر الماضية وبين انهيار أسعاره في الاشهر الخمسة التي أعقبت انهيار بنك ليمان برذرز في عام 2008.
وكذلك مقارنة انهيار مؤشرات الأسواق المالية في هذه الفترة مع التراجع الذي شهدته خلال الأشهر الماضية غير صحيحة. في عام 2008 هوت أسعار النفط بزاوية 45 درجة، في حين أن التراجع يكاد يكون متذبذباً بصورة أفقية في الفترة الأخيرة، علما أن تراجع الأسعار جاء في الشهرين الماضيين بفعل تضافر المخاوف مع تزايد المعروض النفطي، ليس من قبل الدول المنتجة فقط، وإنما بفعل قيام وكالة الطاقة الدولية بضخ حوالي مليوني برميل يوميا، رغم أن هذا الإجراء يتناقض مع أهداف التخزين الاستراتيجي الذي يخصص للاستخدام في أوقات الأزمات.
سوق نشطة للسندات
وخلص الدكتور الشمّاع من التوقع باستعادة أسعار النفط العالمية لمستويات المائة دولار خلال الأشهر القليلة القادمة ونفط موربان لمستويات 110 دولارات للبرميل، وفي ظل سعي المصرف المركزي لإقرار نظام جديد بشأن متطلبات السيولة لدى البنوك في إطار تطبيق متطلبات بازل 3 بصورة استباقية في الدولة، إلى أن هذين العاملين يتطلبان سوقاً نشطة للسندات الحكومية وسندات شركات القطاع الخاص عالية التصنيف.
وقال: هذا ما سبق أن تم تناوله كأحد مستلزمات مواجهة أوضاع شح السيولة في الاقتصاد. فبغض النظر عما يجري في الاقتصاد العالمي، فإن الإمارات مؤهلة للتعافي السريع فيما لو تم اتخاذ الإجراءات الضرورية لذلك. وجوهر المشكلة في الإمارات يكمن في أن غياب الأدوات الاستثمارية قد جعل السيولة تتجمع لدى المصارف بشكل ودائع ثابتة وادخارية تشكل قرابة 70% من السيولة الكلية في الاقتصاد.
ويعود السبب في ذلك إلى نقص البدائل التي تتمتع بثقة عالية وتصنيف ائتماني عال ويسهل الوصل إليها من قبل المستثمرين والمدخرين. حيث تتجه نسبة من المودعين إلى أسواق الأسهم بجزء من ودائعها فيما تفضل نسبة عالية من المودعين البقاء في المصارف بعائد ثابت على ودائعهم الزمنية والادخارية. وهذا ما يفسر العلاقة العكسية بين أداء الأسواق المالية وتغير نسبة الودائع الجارية من جهة والعلاقة الطردية بين أداء مؤشرات الأسواق وتغير نسبة الودائع الثابتة والادخارية من جهة أخرى.
ضرورات إيجاد بدائل استثمارية
وقال الدكتور الشمّاع: إن الدور المهيمن للمصارف على مجمل الحياة الاقتصادية هو الذي يبرر ويتطلب خلق وإيجاد بدائل استثمارية للمودعين. فكل المعاملات والمبادلات والتداولات أصبحت تمر تدريجيا وبصورة متزايدة من خلال المصارف.
ومن المتوقع ان تصل نسبة الهيمنة هذه في العام 2011 الى ما يقارب 100%. وهنا تكمن المشكلة والحل في آن واحد. المشكلة هي أن المصارف التي تستلم الودائع المتكونة من تعويضات المشتغلين ومن فائض العمليات (الأجور والمكافآت، الإيجارات، الأرباح والعوائد) لا تعيدها بالكامل الى دورة الدخل. فكل الدخول المتولدة من العملية الإنتاجية تذهب الى المصارف غير ان جزءاً منها يبقى محجوباً لدى المصارف وبما يؤدي لإغلاق دورة السيولة والتي بدورها تخلق الدورة المغلقة من علاقات الدائنية والمديونية المستعصية (التهرب كل من الاخر لعدم القدرة على تسديد المستحقات).
وأضاف: إن التدفق النقدي الخارج من الأفراد والشركات (مؤسسات الإنتاج) كمستحقات فوائد أقل من القروض السنوية الجديدة والتي تمثل التدفق النقدي الداخل للأفراد والشركات. ولذا فإن ما سيعود إلى مؤسسات الإنتاج كصافي تدفق من القروض هو سالب. وهو ما يقود إلى تراجع أو تقلص دخل الأفراد والشركات.
فيما ستزداد قيمة الفوائد المدفوعة للمصارف في السنة التالية والتي تليها وهكذا دواليك. ولا تتوقف هذه الدورة الحلزونية الأخذة بالصغر سنة بعد أخرى إلا إذا قامت المصارف بضخ قروض سنوية بأكبر من قيمة الفوائد المستحقة على الأفراد والشركات من السنة السابقة. أي عندما يصبح صافي التدفق النقدي من القروض موجبا، أو في حالة حصول الشركات والمجتمع على تمويل مساو أو اكبر من قيمة الفوائد ومستحقات القرض.
