أكد الخبير المالي الدكتور همام الشماع وجود مؤشرات قوية على استرداد وتيرة النمو قريباً في سوق الإمارات وذلك رغم التأثيرات السلبية لأوضاع الاقتصاد العالمي على أداء الأسواق مما أحدث المزيد من التضييق على نطاق التحرك السعري، وبما انعكس على المزيد من التراجع في قيم التداول. فإضافة لشح السيولة.
وانسحاب أعداد كبيرة من المستثمرين وتفضيلهم الودائع البنكية وتجنبهم مخاطر الأسواق بعد أن فقدوا الأمل بإمكانية حصول ارتداد مستدام لفترة معقولة، فإن التهويل الإعلامي العالمي لما يجري في الساحة الأوروبية من تحركات تتعلق بالديون السيادية، يعمق قلق من تبقى في الأسواق المحلية من المتداولين.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: الأسواق المحلية، وكدأبها منذ الأزمة المالية العالمية تلاحق المؤشرات الأميركية في حالة الهبوط، وتتخلى عن هذا الارتباط معها عندما تكون في حالة ارتفاع. وتفسير هذه الظاهرة هو أنه عندما تتماثل المشكلات الاقتصادية من حيث التحسن او التباطؤ فإن أداء الأسواق يتماثل.
وعندما يتباين أداء الاقتصاد يتباين أداء الأسواق هي الأخرى، ذلك لان الأسواق هي مرآة الاقتصاد تعكس أوضاعه ومشكلاته. وهذا ما يدفع المتداولين لتتبع ومحاكاة الأسواق الأميركية في أوقات تماثل أداء الاقتصاد. وخلال الفترة الممتدة من بداية يوليو الماضي تراجعت الأسواق المحلية بنسبة 4.7%، بأقل من تراجع الأسواق الأمريكية، والتي كانت قد ارتفعت بنسب كبيرة خلال الفترة السابقة، فيما كانت أسواق الدولة مستقرة تقريبا منذ بلوغها القاع في مارس 2009.
وأضاف: غير أن هذا التطابق في الأداء يزول عندما تكون أوضاع الاقتصاد غير متشابهه. ولعل الكثيرين من المستثمرين والمتداولين يشكون من أن الأسواق المحلية تحاكي الأمريكية فقط في أوقات الهبوط، وهذا صحيح فقط منذ ما بعد الأزمة، حيث استمرت آثارها على الاقتصاد الإماراتي.
فيما تراجعت نسبيا في الولايات المتحدة نتيجة الخطط التحفيزية القوية المالية والنقدية، حيث ارتفعت مؤشراتها فيما بقيت المشكلات التي خلفتها الأزمة المالية قائمة في الاقتصاد المحلي، وبما أبقى الأسواق على حالها دون تحسن بعيدا عن أداء الأسواق العالمية كنتيجة لحالة الحذر الشديد التي تجعل المتداولين لا يبقون في الأسواق إلا فترات قصيرة قد لا تزيد على اليوم الواحد، وبما يجعل الأسواق تتذبذب في نطاق ضيق وتبقى في مسار شبه أفقي.
الإمارات ومؤشر داو جونز
وخلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين كان معامل ارتباط مؤشر سوق الإمارات بمؤشر داو جونز الموجب القوي 0.89 غير ان هذه العلاقة تحولت إلى عكسية عندما كانت السوق الأميركية في حالة ارتفاع، أو عندما كانت الأسواق الإماراتية في أحسن أوضاعها نتيجة الأوضاع الاقتصادية النشيطة في 2007 والربع الأول من 2008. ولعل الفترة ما بين نهاية مايو ونهاية أغسطس من العام 2010 تمثل حالة التعاكس.
في ظل تحسن أسواق الولايات المتحدة وتراجع أسواق الإمارات، فيما كانت الفترة من بداية أكتوبر 2007 وحتى منتصف 2008 فترة تعاكس بمعامل ارتباط سالب -0.79 بسبب أوضاع الطفرة التي كانت مستمرة في الاقتصاد الإماراتي، وأوضاع التراجع التي كانت قد بدأت في الاقتصاد الأميركي.
وقال الدكتور الشمّاع: قد لا تعدو أوضاع التراجع في الاقتصاد الأميركي، والتي انعكست على اداء مؤشرات الأسواق المالية، ان تكون حالة عابرة ومؤقتة نتيجة لافتعال التهويل لأزمة الديون السيادية الأوروبية، وبما سيؤول لتحقيق نتائج ايجابية للاقتصاد الأميركي تتمثل بالدرجة الأساسية في إحداث خفض ملموس وكبير في أسعار فائدة الرهن العقاري.
فمنذ ما يزيد على العام والأسواق تتفاعل مع أزمة الديون الأوروبية تارة في اليونان وأخرى في البرتغال وثالثة في اسبانيا ورابعة في ايطاليا وايرلندا، وبين الحين والآخر تطل علينا وكالات التصنيف الائتماني مهددة تارة بخفض التصنيف للمدينين وأخرى للدائنين.
وفي خضم كل هذه الموجات من المد والجزر، بين أخبار سلبية وأخرى اقل تشاؤما، تتحرك المعطيات الاقتصادية الرئيسية، ويتحرك المستثمرون والمستهلكون على وقع التوقعات التي تخلقها هذه الاخبار، وبالتالي تتحرك على وفقها الأسواق العالمية، وبالذات الأميركية.
عكس التوقعات
وتابع الدكتور الشمّاع: عندما أثيرت أزمة بين الكونجرس الأميركي والرئاسة بشأن سقف الدين وأوشكت الوكالات على تخفيض التصنيف الائتماني لأكبر مدين في العالم، وهو الحكومة الأميركية، توقع المستثمرون انهياراً شاملاً في كل الاسواق، عدا سوق الذهب وسوق السندات التي تعتبر الملاذ الآمن الوحيد. وقد كانت المفاجأة في تزايد الإقبال على شراء السندات الأميركية.
وبما أدى إلى بيع كميات اكبر من سندات الخزينة الأميركية، وبما يوفر للاقتصاد الأعظم في العالم السيولة التي تمكنه من معالجة التباطؤ. فالذي حدث كان عكس التوقعات ويتطابق مع ما نشير له من أن هناك تهويلاً إعلامياً ربما يكون مقصوداً لتحقيق أهداف محددة. فخلال الأيام الأربعة التي أعقبت تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، باعت الخزانة الأميركية ما قيمته 32 ملياراً من السندات من فئة الثلاث سنوات بأدنى أسعار للعائد عليها وهو 0.5%.
والذي كان 5.25% عندما كانت الموازنة الأميركية تحقق فائضاً خلال السنوات 1998- 2001، وهذا يعني أن القيمة السوقية لسندات الخزينة قد ارتفعت نتيجة لارتفاع الطلب عليها. والمعيار الذي يقاس عليه شدة الإقبال على سندات الخزانة هو العروض التي تقدم على كل دولار من السندات المعروضة في المزاد الذي تباع فيه السندات.
وقد وصلت هذه العروض (الطلبات) إلى مستوى غير مسبوق وهو 3.29 دولارات عروض لكل دولار من السندات الـ 32 مليارا، وهو رقم قياسي يزيد عن الرقم القياسي الذي تحقق عندما باعت الخزانة الأميركية 2.249 تريليون دولار سندات في العام الماضي، والتي كانت أعلى كمية مباعة على الإطلاق، حيث وصلت عروض الشراء 2.99 دولار لكل دولار من السندات المعدة للبيع.
ليس مصادفة
وأضاف الدكتور الشمّاع: ارتفاع الطلب على سندات الخزانة بعد تخفيض التصنيف الائتماني ليس مصادفة، بل هو نتيجة محسوبة ومستهدفة. فقد تزامنت أزمة سقف الدين والجدل في الكونجرس حول شروط رفعه مع صدور إشارات قوية بتراجع معدلات النمو، ومع إطلاق خزين استراتيجي نفطي بمعدل مليوني برميل يومياً.
وهو ما أدى إلى خروج السيولة من بورصات السلع والمال والتوجه نحو سندات الخزينة بحثاً عن الملاذ الآمن. وبطبيعة الحال فإن تأثير تراجع عائد سندات الخزينة سيكون واضحاً على أسعار الفائدة للرهن العقاري، خصوصاً مع وجود إشارات مسبقة صادرة عن رئيس الفيدرالي الأميركي بصدد جولة جديدة من التخفيف الكمي.
تأثير الاقتصاد العالمي
لم يعد أداء الأسواق المحلية، والذي تراجعت فيه تداولات الأجانب، يرتبط بأداء الأسواق العالمية، وإنما يتأثر بالعوامل الاقتصادية المحلية التي بدورها تتأثر بالاقتصاد العالمي، سواء في مجال مباشر كالنفط، أو غير مباشر كأسعار الصرف أو الفائدة، بسبب ارتباط الدرهم بالدولار. لذا فليس مهماً مراقبة أداء أسواق المال العالمية وتتبع حركتها، بل المهم تتبع حركة العوامل الاقتصادية العالمية وتتبع تأثيراتها على أداء الاقتصاد الإماراتي.
فحركة الدولار مؤثرة على أسعار النفط بصورة عكسية، ومؤثرة في أسعار الفائدة المحلية، ومن خلال ذلك في السيولة المحلية. ووفقاً لآخر البيانات التي أصدرها المصرف المركزي، فقد تراجعت الودائع في شهر يوليو بمبلغ 12.4 مليار درهم، أي قرابة أربعة مليارات دولار، وهو مبلغ كبير يثير الاهتمام، ويتطلب تفسيراً لمعرفة ما يمكن ان يترتب عليه من نتائج.
