استمرت تداولات ما بعد العيد على نفس وتيرتها السابقة، واتضح أن الأمل في رؤية تحسن كبير على قيم التداول بعد انقضاء فصل العطلات وشهر رمضان الفضيل مجرد تمنيات لا تستند للحقائق الاقتصادية.
وتؤكد أرقام تداولات ما بعد العيد ان مشكلة السيولة تتعمق بصورة متواصلة في كل الأسواق. فبعد السبات الذي مرت به الأسواق في شهر رمضان، الذي انحدرت فيه قيم التداول إلى ادنى المستويات، أكدت تداولات الأسبوع الماضي حالة عدم التناسب مع المعطيات الأساسية لاقتصاد الإمارات، دولة الرفاهية العليا في المنطقة العربية. فشكوى كل الأسواق تتزايد يوماً بعد اخر، وشح السيولة لم يترك نشاطاً في القطاع الخاص دون أن يمسه بتراجع في الطلب وانخفاض في قيمة المبيعات، والتي وصلت حتى إلى السلع الاستهلاكية.
والواقع أن عدم توفر البيانات والمؤشرات الاقتصادية، كما هو الحال في البلدان الغربية، كمؤشر مبيعات السلع المعمرة ومؤشرات مديري المشتريات الصناعية والخدمية ومؤشرات مبيعات التجزئة ومبيعات العقارات في الإمارات، يجعل رؤية أوضاع الاقتصاد ضبابية، ويحول دون تشخيص الحالة بصورة دقيقة بما يعطل اتخاذ القرار المناسب للحد من تراجع أداء الاقتصاد في دولة تمتلك كل الإمكانات لتجاوز الوضع الراهن، المتمثل في شح السيولة في الأسواق كافة.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: تعكس الأرقام التي توفرها أسواق الأسهم عن قيم التداولات، والتي لا تنسجم مع معطيات اقتصاد الدولة، وجود مشكلة لابد من البحث عن الحلول لها، حيث أن أرقام تداولات أسواق الأسهم مرآة لأرقام تداولات ومبيعات كل الأسواق الأخرى، مما يعطيها الأهمية القصوى ويجعلها أداة المقارنة مع بقية الاقتصادات الخليجية.
مقارنة مع السعودية
وقال الدكتور الشمّاع: بالمقارنة مع السعودية، فان قيم التداول في أسواق الإمارات تقل عن نظيرتها في السعودية، ليس بالصورة المطلقة فحسب، وإنما بالمقارنة النسبية والتي تعطي صورة واضحة عن عدم الانسجام بين المعطيات الاقتصادية الكلية المتطورة للدولة وبين أداء أسواقها، فقيمة التداول في الإمارات للعام 2010 تقل بصورة نسبية قرابة الخمس مرات عن قيمة التداول في السعودية (نسبة قيمة التداول إلى الناتج المحلي) كما أن نسبة تداول الفرد إلى دخله 52% في السعودية بينما هي 12% في الإمارات في العام 2010.
وهذه النسبة ازدادت تراجعا في الربع الأول من العام الحالي لتزيد نسبة التداول إلى الناتج في السعودية عشرة أضعاف مثيلتها في الإمارات. وتتطلب هذه الحالة منا التفسير اولا وصولا الى التشخيص والعلاج ثانيا. فاقتصاد الإمارات، الذي يشكل قرابة ثلثي اقتصاد السعودية، لا تصل قيمة تداولاته إلى سبع تداولات السعودية في العام 2010 والى اقل من عشرها في الربع الأول من العام الحالي.
وأضاف: من دون شك فإن تفسير عدم التناسب هذا بين المعطيات الكلية للاقتصاد الإماراتي وبين قيم التداول في أسواق الأسهم ومن ثم في كل أسواق الإمارات، يعود إلى أن اقتصاد الإمارات كان الأكثر تأثراً بالأزمة المالية العالمية.
فعدا عن التأثير المرتبط بالنفط، فان الإمارات هي أكثر الدول الخليجية ارتباطا بالعالم الخارجي من خلال حجم صادراتها غير النفطية وإعادة التصدير. كما ان الإمارات تمتلك اكبر صندوق سيادي لاستثمار الفوائض المالية الناتجة عن مبيعات النفط، إضافة إلى ان أسواق المال والأنظمة المصرفية في الإمارات من أكثر الأسواق والنظم انفتاحا على نظيراتها الدولية.
وهو ما يمكن تلمسه من قلة القيود على الاستثمار في أسواق المال، وقلة القيود، إن لم يكن انعدامها، على التحويلات المصرفية الداخلة والخارجة، مما سهل في كثير من الأحيان دخول الأموال الساخنة، ومن ثم خروجها بسرعة تهدد السلامة المالية للنظام المصرفي. ولعل هذا الجانب الأخير كان ولا يزال يلقي بظلاله على أوضاع السيولة في الاقتصاد من خلال دفع السلطة النقدية للتشدد.
قروض أعوام الطفرة
وأوضح الدكتور الشمّاع: لم تقتصر آثار الانفتاح على الاقتصاد العالمي على الآثار المباشرة، وإنما شملت بعض الجوانب غير المباشرة، والتي تتمثل في الإفراط في الإقراض المصرفي والذي حاكت فيه المصارف الإماراتية نظيرتها الأميركية خلال فترة الطفرة الممتدة من عام 2006 وحتى منتصف عام 2008، حيث بلغت قيمة القروض الممنوحة في هذه الفترة 493.8 مليار درهم تشكل نسبة 55% من إجمالي القروض الممنوحة خلال الفترة الممتدة من بداية 2001 وحتى النصف الأول من العام الجاري.
أي أن المصارف الإماراتية أقرضت في غضون سنتين ونصف ما يزيد على نصف ما أقرضته خلال أكثر من عقد من الزمان. وعندما حلت بصورة مفاجئة الأزمة العالمية كان جمع هائل من المستثمرين مكبلين بقروض غير قادرين على تدويرها بقروض جديدة، أو غير قادرين على نقلها إلى غيرهم كما اعتادوا أن يفعلوا قبل ذلك التاريخ. وأصبحت القنوات الاقتصادية الرئيسية والفرعية، التي كانت تجري فيها السيولة، التي تضخها المصارف كقروض قبل الأزمة، ناضبة من هذه السيولة لتنتشر من خلال جفافها، حالة من شبه الجفاف في كل قنوات أنشطة القطاع الخاص.
وأضاف: لولا استمرار تدفق الإنفاق الحكومي النشيط والقوي لكانت آثار نضوب السيولة في قنوات القطاع الخاص كارثية. ولكون تأثير الأزمة المالية لم يكن من خلال أداء مؤشرات أسواق المال حيث ضعف التأثير والارتباط، فإن البحث عن العوامل المؤثرة سلبا في أداء الاقتصاد الإماراتي عبر أداء الاقتصاد العالمي، وبما يؤثر على مستويات السيولة والوفرة المالية، يجب ان ينصب على الجوانب المؤثرة في السيولة.
تحكم الاقتصاد الأميركي
وقال الدكتور الشمّاع: لابد من التذكير هنا بان الاقتصاد الأميركي، الذي يقود العالم، هو الذي يتحكم في مستويات السيولة سلبا أو إيجابا في كل أنحاء العالم. فأسعار الذهب مثلا، وهي واحدة من العوامل المؤثرة في مستويات السيولة عالميا ومحليا، هي من نتاج الفعل والتأثير الأميركي بالدرجة الأساسية، كما أن لسياسة التخفيف الكمي .
واستمرار تزايد عجز الموازنة وتراكم الدين العام اثارها الواضحة في وفرة السيولة وتراجع أسعار الفائدة وتغير أسعار صرف الدولار والعملات الرئيسية، والتي بدورها تمارس تأثيرا كبيرا على التجارة الدولية وأسعار السلع الأساسية. من هنا تبرز ضرورة متابعة التغيرات المتلاحقة في المعطيات الكلية للاقتصاد الأميركي، وتوقع ما سيترتب عليها بهدف وضع التصورات للحد من انعكاساتها السلبية والاستفادة القصوى من جوانبها الإيجابية.
وأضاف: بعد جولتين من التخفيف الكمي، تتجه الولايات المتحدة لجولة ثالثة بهدف تسريع وتيرة النمو التي تعثرت في الآونة الأخيرة. ولان اقتصاد الخليج والإمارات ليس بمنأى عن التأثيرات التي يعكسها الاقتصاد الأميركي على العالم، كرد فعل من المؤشرات المالية على سياسة التخفيف الكمي.
فإن من المتوقع أن نشهد استمرار انعكاس هذه الآثار على اقتصادنا المحلي، الأمر الذي يتطلب تحديد اتجاهات هذه الآثار وسبل الاستفادة مما هو ايجابي منها، وتجنب ما يمكن ان يعمق التباطؤ الذي تمر به اقتصادات المنطقة. ففي ظل وفرة في السيولة، التي يتسبب بها التخفيف الكمي، فإن أول المتأثرين هو سعر الفائدة ما بين المصارف (الليبور)، والعائد على السندات، ومنها سندات الخزينة، والتي تؤشر إلى سعر الفائدة طويل الأجل.
أسعار الفائدة
وفيما يتعلق بأسعار الفائدة، قال الدكتور الشمّاع: شهدت أسعار الفائدة انخفاضا واضحا اثر الجولتين الأولى والثانية من سياسة التخفيف الكمي، وسيكون ذلك واحدا من الدوافع الرئيسية وراء إطلاق برنامج جديد لإدامة التحسن النسبي الذي شهدته النشاطات الاقتصادية في قطاع المنازل الأميركي، الذي عانى من التعثر بعد الأزمة بصورة خاصة.
وعلى الرغم من دلائل التحسن الطفيف الذي طرأ في الفترة الأخيرة على أنشطة قطاع المنازل، إلا أن القطاع لم يظهر أي علامات استقرار، وثبت أن القطاع قد يحتاج إلى مزيد من الوقت لتحقيق الاستقرار، ولهذا فإننا نعتقد أنه لولا البرنامج التحفيزي الثاني لكان قطاع المنازل في حالة أسوأ بكثير مما هو عليه، وقد يظهر تحسنا اكبر مع إطلاق جولة ثالثة من التحفيز الكمي.
