يتطلع الجميع إلى ما بعد عيد الفطر، أملاً في أداء أفضل لأسواق الأسهم المحلية. حيث إن الحالة التي تعيشها الأسواق لا تنسجم مع المعطيات الأساسية لاقتصاد دولة الرفاهية العليا في المنطقة العربية، وذلك بعد انتهاء أسبوع آخر من سبات الأسواق، انحدرت فيه قيم التداول إلى أدنى المستويات بمتوسط يومي 132 مليون درهم بانخفاض نسبته 2.2% عن الأسبوع السابق و56% عن الأسبوع المنتهي في 11 أغسطس و29% عن الأسبوع المنتهي في 4 أغسطس.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشماع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: تتزايد شكوى كل الأسواق يوماً بعد آخر. وشح السيولة لم يوفر نشاطاً في القطاع الخاص دون أن يمسه بتراجع في الطلب وانخفاض في قيمة المبيعات.
والتي وصلت حتى إلى السلع الاستهلاكية. والواقع أن عدم توفر البيانات والمؤشرات الاقتصادية، كما هو الحال في البلدان الغربية، كمؤشر مبيعات السلع المعمرة ومؤشرات مديري المشتريات الصناعية والخدمية ومؤشرات مبيعات التجزئة ومبيعات العقارات لكل الدولة في الإمارات، تجعل روية أوضاع الاقتصاد ضبابية، وتحول دون تشخيص الحالة بصورة دقيقة، وبما يعطل اتخاذ القرار المناسب للحد من تراجع أداء الاقتصاد في دولة كالإمارات تمتلك كل الإمكانات لتحقيق ذلك.
استخدام مؤشرات بديلة
وأوضح الدكتور الشماع: في ضوء غياب هذه المؤشرات الأساسية لا بد من استخدام مؤشرات بديلة لقياس وتقدير أوضاع الطلب في مختلف المجالات، ولعل المتاح حالياً هو مقارنة الرقم القياسي للأسعار بتغير سعر صرف الدرهم، والذي يرتبط بصورة كلية بسعر ثابت بالدولار. فالمفروض أن كل تراجع في قيمة الدرهم أو الدولار يؤدي إلى ارتفاع الرقم القياسي للأسعار.
وذلك لكون السلع المستوردة، والتي تشكل قرابة 70% من السلع المستهلكة تصبح أغلى. وبمراجعة هيكل التجارة الخارجية للدولة، فإن معظم استيراداتها تتأتي من دول الاتحاد الأوروبي ودول آسيوية، فيما تقتصر نسبة الاستيراد من الولايات المتحدة على 8.5% من مجوع استيرادات الدولة من مختلف المناشئ في العام 2010.
والتي بلغت قيمتها 485 مليار درهم. لذا فإن أي انخفاض في الدولار والدرهم يجب أن يقود إلى ارتفاع أسعار سلع وخدمات مستوردة بقيمة سنوية قدرها 132 مليار دولار. فإذا انخفض الدولار بنسبة 5% مثلاً فإن أسعار السلع المستوردة، باستثناء تلك المستوردة من الولايات المتحدة، يجب ان ترتفع بنسبة 5%.
وإذا لم يحدث ذلك فإما أن تكون أسعار السلع والخدمات المحلية قد انخفضت بنسبة اكبر من نسبة انخفاض الدولار، وإما أن يكون الطلب على السلع المستوردة قد انخفض الى حدود كبيرة أدت إلى تآكل هامش الربح للتجار والمنتجين المستخدمين للسلع والخدمات كمدخلات في إنتاجهم. وفي الظروف الاعتيادية يفترض أن يكون معامل ارتباط الرقم القياسي للأسعار مع مؤشر الدولار سالباً لكي يعكس العلاقة العكسية بين التضخم وسعر صرف العملة، التي كلما تراجعت ارتفعت أسعار السلع المستوردة.
والحقيقة أن هناك ارتباطاً عكسياً، وإن كان ضعيفاً، بسبب تأثير انخفاض أسعار العقارات والإيجارات خلال العامين 2009 و2010، ولكنه تحول إلى ارتباط طردي موجب قوي إلى حد ما في العام 2011 بعد أن تراجعت وتيرة هبوط العقارات والإيجارات في العام الحالي بسبب بلوغها القاع تقريباً.
تباطؤ القطاع الخاص
وقال الدكتور الشماع: ما تقدم يمكن ان يشكل دليلاً آخر على وجود تباطؤ مقلق في أداء القطاع الخاص. ولعل مما يسهم في تعميق جمود الأسواق كافة وتباطؤ حركتها غياب الأدوات المالية التي تخلق فرصاً لانتقال الأموال من مجال لآخر وفق تطورات الأوضاع الاقتصادية.
فالفرص الاستثمارية المتاحة للمستثمر في الأسواق الناشئة، ومنها الإمارات، لتوظيف مدخراته أو ثروته، عدا الاستثمار التخصصي الإنتاجي في التجارة والصناعة والزراعة، تنحصر إما في العقار وإما في الأسهم وإما الإيداع الثابت في المصارف.
وبسبب ظروف الأزمة المالية وشح السيولة فضل المستثمرون الإيداع المصرفي الآمن، خصوصاً بعد ان ضمنت الدولة هذه الودائع التي تربو مبالغها على التريليون درهم. ولعل هذا ما يفسر العلاقة العكسية بمعامل ارتباط سالب قدره -0.74 بين مؤشر السوق المالي وودائع المقيمين.
وأضاف: المستثمر في الإمارات، كغيره من المستثمرين حول العالم، يفضل الابتعاد عن المخاطر في أوقات الأزمات، ولكنه لا يجد أمامه سوى الودائع البنكية ذات العائد الثابت. فهو يتجه إليها مرغماً، مهما تدنى إيرادها، بسبب استغلال المصارف ظروف عدم وجود الأدوات الاستثمارية البديلة لتوظيف الأموال. بينما في العالم المتقدم، وفي الولايات المتحدة بالذات، يؤدي تعدد الأدوات المالية المتاحة للاستثمار الى محدودية نمو الودائع الثابتة وشبه النقد في أوقات الأزمات بالمقارنة مع نمو الودائع تحت الطلب.
الودائع الجارية والثابتة
وأوضح الدكتور الشماع: يعود نمو الودائع الجارية بنسب تفوق نسب نمو الودائع الثابتة في الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية إلى الحاجة للسيولة، التي تتجه للاستثمارات البديلة في مختلف البورصات، وإلى الأدوات ذات العائد الثابت البديل للودائع البنكية الثابتة ذات المردود الأدنى من مردود سندات الخزينة. ولذلك تتجه إليها الاستثمارات، خصوصا لكونها ذات قابلية تسييل عالية.
فعندما تلوح في الأفق بوادر أزمة قد تطيح بأسواق الأسهم، يسارع المستثمرون للخروج من أسواق المال والتحول إما إلى أسواق السلع أو إلى سندات الخزينة، وفي أغلب الأحوال توزيع الاستثمار على سلال البدائل المختلفة، ولذلك فقد ازداد الطلب على سندات الخزينة الأميركية عندما بدأت أزمة أثر التخفيض الائتماني للولايات المتحدة، حيث توقع المستثمرون تراجع أسواق الأسهم فسارعوا للخروج منها واتجهوا لشراء سندات الخزينة ذات العائد الثابت.
وقال: يمثل العائد على سندات الخزينة الأميركية الفرصة البديلة للاستثمار الخطر في الأسواق المالية، وعندما تظهر بوادر أزمة يتجه المستثمرون لشراء سندات الخزينة بسعر أعلى، وهو ما يؤدي لانخفاض العائد عليها، وعلى العكس من ذلك تضعف العلاقة بين مؤشرات الأسواق وعائد سندات الخزينة إلى أدنى المستويات عندما تكون أسواق المال في ارتفاع متواصل.
كما خلال الفترة من نهاية أغسطس وحتى نهاية ديسمبر 2010 قبل ان تتصاعد أزمة الديون الأوروبية، حيث كانت الأسواق ترتفع بصورة مطردة بدعم من سياسات التخفيف الكمي. وقد حال وجود الأداة الاستثمارية البديلة المتمثلة في سندات الخزينة الأميركية دون وجود الظاهرة التي يعاني منها اقتصاد الإمارات، وهي نمو متواصل للودائع الثابتة «شبه النقد» على حساب الودائع تحت الطلب «النقد السائل».
جوهر المشكلة في الإمارات
ويؤكد الدكتور الشماع أن جوهر المشكلة في الإمارات يكمن في أن غياب الأدوات الاستثمارية قد جعل السيولة تتجمع لدى المصارف في شكل ودائع ثابتة وادخارية تشكل قرابة 70% من السيولة الكلية في الاقتصاد. ويعود السبب في ذلك إلى نقص البدائل التي تتمتع بثقة عالية وتصنيف ائتماني عال ويسهل الوصل إليها من قبل المستثمرين والمدخرين.
وتتجه نسبة من المودعين إلى أسواق الأسهم بجزء من ودائعها، فيما تفضل نسبة عالية من المودعين البقاء في المصارف بعائد ثابت على ودائعهم الزمنية والادخارية. وهذا ما يفسر العلاقة العكسية بين أداء الأسواق المالية وتغير نسبة الودائع الجارية من جهة.
والعلاقة الطردية بين أداء مؤشرات الأسواق وتغير نسبة الودائع الثابتة والادخارية من جهة أخرى. وأوضح: يعني ارتباط الودائع الثابتة بصورة عكسية مع مؤشر السوق أن لا مفر للمستثمرين عندما يتراجع السوق سوى إيداع أموالهم في وديعة ذات عائد ثابت في المصارف، أما ارتباط الودائع الجارية طردياً مع مؤشر السوق فيعني أن ارتفاع الأسواق يدفع المستثمرين لإيداع نسبة اكبر كوديعة جارية بعد أن سحبوا جزءاً من الودائع الثابتة. وهكذا تظهر ضرورة وجود قناة أو قنوات استثمارية بديلة تحول دون تركز الأموال المدخرة في قناة واحدة، وهي الودائع الثابتة والادخارية لدى المصارف.
سندات الدين العام
وقال الدكتور الشماع: اتجهت الدولة قبل اشهر نحو إنشاء مكتب للدين العام، وتمت مباركة هذه الخطوة التي اقرها المجلس الوطني، وأجاز للحكومة إصدار سندات بنسبة تصل إلى ربع الناتج المحلي. ولكن الأمر تأجل لأسباب غير معروفة نأمل، بعد أن تم توضيح أهميتها، الإسراع في إطلاق هذه السندات قبل نهاية العام الجاري بهدف تحقيق قدر من التحريك والإنعاش للأسواق ولأنشطة القطاع الخاص الراكدة.
وأضاف: هذه الضرورة تزداد إلحاحاً لكون المصارف تتشدد في الإقراض وتتحفظ على إقراض القطاع الخاص، فقد أصبح هناك حبس للسيولة لا يمكن إطلاقه إلا من خلال خلق بدائل للاستثمار البنكي الثابت، تكون في نفس الوقت الاستثمار البديل لأسواق الأسهم في أوقات الأزمات. وبهذا يمكن ان تتحرر السيولة من المصارف وتنطلق في رحاب الاقتصاد لتحرك الساكن والراكد فيه من القطاعات، التي تعاني من شح السيولة. والمفروض ان الزيادة في الودائع تؤدي إلى زيادة في القروض. فجوهر عمل المصارف هو الوساطة بين المدخرين والمستثمرين من خلال جمع الادخارات وإعادة إقراضها.
والقول إن مستوى القروض المقدمة مناسب في مثل هذه الظروف أمر مجاف لمنطق النظرية الاقتصادية. فالمناسب من القروض هو ما يساوي قيمة الادخارات الوطنية. ولا يوجد رقم يمكن ان يكون مناسباً في أي ظرف من الظروف إذا كان اقل من الزيادة الشهرية في الودائع، وإلا فإن الفرق سيكون اقتطاع من الدورة الاقتصادية في ظروف التباطؤ الاقتصادي وتراجع معدلات النمو، وهو أمر كابت للنمو وسير على عكس التيار.
فالسياسيات النقدية في أي مكان في العالم تسعى للتخفيف والتيسير النقدي في ظل ظروف التباطؤ والركود. وتابع قائلاً: يرجح استمرار انخفاض أسعار الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور) في شهر يوليو عن شهر يونيو بنسبة 10% احتمال استمرار زيادة الودائع في شهر يوليو واستقرارها في شهر أغسطس بسبب استمرار تراجع الإيبور خلال يوليو، واستقراره في أغسطس، وبما أن العلاقة عكسية بين الودائع ومؤشر السوق، فإن ذلك يفسر بصورة جزئية التراجع الذي شهدته الأسواق خلال شهري يوليو وأغسطس.
