رصد محللون اتجاه الكثير من الحكومات إلى الاحتماء بالذهب للتحصين ضد مخاطر أزمات الاقتصاد العالمي بما واكبها من تراجع للتصنيف الائتماني للاقتصاد الأميركي، وتعثر دول أوربية عن تسديد ديونها كاليونان، وتوقعوا تواصل نمو مشتريات القطاع الحكومي خلال العام الحالي في ظل توجه البنوك المركزية نحو الذهب كوسيلة لتنويع احتياطياتها في أصولٍ لا تحمل مخاطر ائتمانية أو مخاطر تعثر في السداد، وهو ما طرح تساؤلات حول ما إذا كان الذهب قد أصبح الخيار الاستثماري الرشيد بالنسبة للحكومات والمصارف المركزية، وما هو التأثير المحتمل لاندفاع الحكومات نحو اقتناء الذهب على أسعاره.

واعتبر مراقبون أن اندفاع الحكومات نحو شراء الذهب، وتحول المصارف المركزية لأن تصبح مشتريا صافيا للذهب، بأنه يدخل ضمن إستراتيجية التأهب لسيناريو «الانهيار الوشيك للدولار» حيث أضحى الاقتصاد العالمي قريبا من هذا السيناريو المظلم أكثر من أي وقت مضى، وباتت المصارف المركزية أكثر تشككا في قدرة الدولار على الاستمرار في شغل مكانة عملة الاحتياط الدولية.

ففي الربع الأول العام الجاري، قامت الحكومة المكسيكية بشراء كميات ضخمة من الذهب بلغ حجمها حوالي 100 طن، الأمر الذي أثار دهشة واستغراب المحللين والمراقبين حول مغزى هذا التحرك من جانب الحكومة المكسيكية، بيد أن المكسيك لم تكن الدولة الوحيدة التي تعمل على زيادة احتياطياتها من الذهب، حيث سار على هذا الدرب الكثير من الدول، منها الصين والهند وروسيا والكويت والمملكة السعودية، وهو أمر من شأنه أن أثار تساؤلات بشأن المزايا التي تجنيها هذه البلدان من الاستثمار في الذهب مقارنة بالأوعية الاستثمارية الأخرى.

ولفت مجلس الذهب العالمي إلى أنّ مشتريات البنوك المركزية من الذهب في النصف الأول من العام الجاري فاقت إجمالي مشترياتها منه في 2010 بأكمله، مع تسارع وتيرة تحول مرتقب منذ فترة في ما يسمى بمبيعات «القطاع الرسمي، ورصد تقريره الأخير صعود مشتريات البنوك المركزية خلال الربع الأخير من عام 2010 إلى 129 طناً، ليتجاوز مجموع المشتريات الصافية خلال ثلاثة الأرباع الأولى من عام 2010 مجتمعة. وأكّدت «جي.أف.أم.أس» لبحوث المعادن أنّ «البنوك المركزية العالمية اشترت 73 طنا من الذهب في 2010. في حين بلغ صافي مبيعات القطاع الرسمي 34 طنا في 2009 و235 طنا في 2008.

خصائص الذهب الفريدة

وعلق خوان كارلوس أرتجاس مدير بحوث الاستثمار في مجلس الذهب العالمي لـ«البيان الاقتصادي» بقوله إن الذهب لعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي منذ مهد الحضارة الإنسانية، فاستخداماته كأصل مالي متنوع ومُوَثَّقَ على نحو جيد ـ فهو صورة لحفظ الثروة وأصل نقدي وتغطية ضد التضخم وحماية ضد مخاطر الانهيار على سبيل المثال لا الحصر. الآن، ومع كل ذلك، يوجد جدال دائر بشأن خصائص الذهب الفريدة والتي تجعله مميزًا بالفعل عن السلع الأخرى.

وتحدث خوان كارلوس عن تميز الذهب عن غيره من السلع بقوله: عزز التغير المفاجئ وغير المتوقع للأسواق في الدول المتقدمة، وانخفاض أسعار السلع الأساسية في شهر مايو من العام الجاري وجهة النظر القائلة بتميز الذهب عن السلع الأخرى، حيث انخفضت أسعار معظم السلع بشدة خلال شهر مايو، كما أن كلاًّ من التغييرات التنظيمية في أسواق المشتقات ومتطلبات الهامش الأعلى للفضة والمخاطر الجيوبوليتيكية المتزايدة وعدم اليقين الاقتصادي الكلي والأحوال الجوية السيئة اجتمعت معًا وأدت إلى حدوث انخفاض في أسعار السلع، وشهدت مؤشرات السلع الرئيسة تدفقات خارجية مفاجئة، في الوقت الذي تمت فيه المضاربة بالسلع الفردية بتهور، مع انخفاض النفط بنسبة 13% والفضة بمقدار الربع تقريبًا، الأمر الذي أدى إلى حدوث ضربات كبيرة للمَحافظ المؤسسية.

وتابع حديثه بقوله: في الوقت الذي لم يكن فيه الذهب محصنًا بالكامل ضد البيع بأسعار منخفضة خلال الأسبوع الأول من شهر مايو، إلا أن سعره انخفض فقط بنسبة 4.4%، مقارنةً بمعظم السلع ومؤشراتها. فضلاً عن ذلك، فقد عاد مرة أخرى وبسرعة للارتفاع حيث بلغ أعلى معدل له على الإطلاق، فقد أنهى ربع العام بسعر يزيد عن 1500 دولار أميركي للأوقية.

ورأي خوان كارلوس أن القوة الأخيرة لسعر الذهب تدعو البعض إلى تصويرها على أنها علامات لحدوث فقاعة على وشك الانفجار. ومع ذلك، فإن الارتفاع في سعر الذهب على مدار عام 2011 يتماشى مع متوسطا ته التاريخية الطويلة الأجل على مدار العقد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الأمر تؤكده الأساسيات القوية لمعدلات العرض والطلب من كل قطاع من القطاعات الرئيسة للاستثمار والمجوهرات والتكنولوجيا والقطاعات الرسمية.

واستدرك في حديثه بقوله : في هذه البيئة الحالية، نجد أن قرارات إدارة المخاطر المتعلقة بصناديق المعاشات تأتي بعد إمعان النظر في الأمر. إن الذهب لا يشبه أية سلعة ويعرض حالة استثمارية إلزامية في عالم يتسم بوجود أسواق ذات تغيرات مفاجئة وعدم يقين اقتصادي كلي وصدمات اقتصادية مستقبلية محتملة.

وخلص خوان كارلوس إلى القول إن استقلال الذهب عن السلع يبرز قدرته على مساعدة المستثمرين في إدارة المخاطر، حيث لا يقوم فقط بتوفير مهلة للمستثمرين وسط الأسواق المتدهورة، بل إن هبوط السلع ربع السنوي والبالغة نسبته 13.4% لم يكن أقل من السلع فقط بل كان أقل من متوسطها طويل الأجل الممتد لعشرين عامًا والبالغة نسبته 15.8%.

آلية لإدارة المخاطر

وهكذا استمر الذهب في تزويد المستثمرين بآلية تعينهم على التنويع وإدارة المخاطر والحفاظ على الثروة خلال فترة عدم اليقين الاقتصادي الحالية والتغير الفجائي المتزايد في قيم معظم الأصول، ومع ذلك، وعلى نحو أكثر اتساعًا، تراجعت المرونة السعرية للذهب نتيجة ارتفاع الاستثماري الذي تقوده الهند والصين، وزيادة مشتريات المصارف المركزية، حيث يوفر الذهب مزايا لا يمكن جنيها بالاستثمار في السلع الأخرى .وهذا يدعم الافتراض الذي يقول إن الذهب يجب النظر إليه على أنه فئة مميزة من الأصول. وفي السياق ذاته، توقع جوناثان سبال مدير قسم توزيع السلع في «باركليز كابيتال»، ومؤلف كتاب «كيف تجني الأرباح من الذهب»، ومقره لندن أن تشهد الارتفاعات الحادة التي سجلتها أسعار الذهب مؤخرا المزيد من الصعود كامتداد إضافي للمرحلة الحالية، مشيرا إلى أنه من شأن عمليات شراء الذهب التي قامت بها مؤخراً البنوك المركزية لتايلاند وكوريا وروسيا والمكسيك أن تؤكد على مزايا الذهب عندما يضاف إلى محفظة متوازنة، فضلا عن بحث العديد من البنوك المركزية الأخرى، وصناديق الثروات السيادية، ومديرو الثروات، ومالكو الأراضي عن سبل لشراء الذهب.

ورأي جوناثان سبال أن العديد من المراقبين في مطلع العام عبروا عن اعتقادهم بأن الارتفاع الذي شهده الذهب قد استنفذ قواه نظراً لتوجّه أوروبا نحو حل أزمة ديونها، حيث إن التضخم سيشكل عبئاً من الناحية السياسية على منطقة اليورو، مما حذا بالبنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعاره، ناهيك عن أن الولايات المتحدة شهدت عدة بوادر تنبئ بالتضخم. وبناء على ذلك، انتشر في بعض الأوساط رأي مفاده أنه لا يوجد سبب يدعو لامتلاك الذهب، وتم تسجيل عدد من عمليات البيع أو الخروج الكبيرة من استثمارات هذا المعدن الثمين مطلع العام الجاري، وهو ما أدى لانخفاض سعر الذهب إلى ما يزيد على 1300 دولار بقليل، أي نحو 950 يورو.

واستدرك في حديثه بقوله : بطبيعة الحال، لم تدم هذه الحالة الإيجابية طويلاً؛ إذ سرعان ما انتشرت الاضطرابات العالمية المترتبة على «الربيع العربي»؛ ولم يكن ارتفاع أسعار الذهب عقب هذه الأحداث ناجماً ببساطة عن لجوء المستثمرين إلى اكتناز هذه المادة كملاذ آمن، بل كان الانكشاف على أسعار النفط هو السبب الأرجح لذلك. وكان هذا الأمر بمثابة تذكير بأن الأمور لم تكن بالبساطة التي تخيّلها البعض مطلع العام، حيث يعكس اللجوء إلى الذهب حالة عدم اليقين التي اختبرها كثيرون.

بدائل أخرى للذهب

والجدير بالتنويه أن الذهب يشهد ارتفاعاً منذ نحو 11 عاماً حيث ازداد سعره خلالها بمعدل يفوق 6,5 أضعاف، ويبدو منظوره المستقبلي إيجابياً. ولكن يبقى السؤال قائماً، هل من بدائل أخرى للذهب؟

ويجيب جوناثان سبال بقوله : رغم من قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الذهب تجنباً للتضخم الذي يعد أمراً غير مقبول من الناحية السياسية في أوروبا، إلا أن تركيز السوق لم يتمحور حول تراجع الإقبال على الذهب، بل كان منصباً بالدرجة الأولى على سلامة واستدامة العملة الموحدة؛ حيث تشهد القارّة عدداً من الأزمات التي تنتقل من دولة إلى أخرى في ما يشبه المتتالية؛ من إيرلندا إلى اليونان ثم إلى البرتغال، وهي الآن تصل إلى إسبانيا وإيطاليا اللتين شكّل ارتفاع الديون الكبير فيهما هزّة جديدة قوية لثقة المستثمرين. ويبدو أن الجهود الجبارة التي بذلها السياسيون والبنوك المركزية لم تؤد إلى حلّ هذه الأمور أو حتى الاقتراب من حلّها، فثمة شعور بأن هذه العمليات «التجميلية» القصيرة المدى لا تفضي إلى النتيجة المرجوة، ذلك أن الوضع يقتضي اتخاذ إجراء حاسم وشامل بدلاً من تنفيذ سلسلة من الإصلاحات السطحية.

واستدرك قائلا: قد يقول متتبعو الأخبار الإيجابية أن الولايات المتحدة لم تلجأ إلى رفع أسعارها لعدم ظهور بوادر للتضخم؛ ولكن بالرغم من ذلك، تشير الأخبار الاقتصادية الأخيرة إلى أن معدلات النمو الأميركية سجلّت تراجعاً طفيفاً لسوء الحظ. وبناء على ذلك، اتجّه تركيز السوق إلى احتمال ضخ دفعة جديدة من التسهيلات الكميّة من قبل إدارة الرئيس أوباما التي تسعى لمنح الاقتصاد الزخم الذي يحتاجه. علاوة على ذلك، يبدو واضحاً أن البيانات الاقتصادية السلبية ليست الأمر الوحيد الذي يؤرق المستثمرين، حيث إن سقف الديون لم يتم تجاوزه بشكل حاسم إلاّ بعد اتباع سياسة متشددة بشكل كبير، وتنفيذ صفقة وافق عليها السياسيون بعد تفكير وتردد مطوّلين. وبما أن حالة عدم اليقين تنعكس سلباً على الأسواق، فإن هذه المضاعفات - التي تم تجاوزها سابقاً دون إثارة جلبة كبيرة قد أدت إلى خسارة الولايات المتحدة تصنيفها الائتماني AAA، الأمر الذي شكلّ ضربة جديدة لسوق يبحث عن الاستقرار. وعليه، لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد خسرت جزءاً من مكانتها كملجأ آمن في خضم حالة عدم اليقين هذه.

وفي هذا السياق رأي جيمس ستيل كبير محللي السلع في بنك «اتش.اس.بي.سي» أن الاهتمام بالذهب ينهض على قاعدة عريضة ومتسعة من مصادر الطلب، ولا ينحصر الأمر هنا على طلب صناديق التحوط، وإنما كذلك صناديق الأسهم المتداولة المدعومة بالذهب ومدراء الأصول حيث تمتلك أكبر 10 صناديق مدعومة بالذهب ما يوازي 80% من إنتاج الذهب العالمي، مشيرا إلى أن الكثيرين من هؤلاء المستثمرين يتبعون استراتيجية شراء واقتناء الذهب.

وتوقع جيمس ستيل أن تتجه أسعار الذهب نحو المزيد من الارتفاع في ظل تسارع وتيرة التضخم على النحو الذي أظهره الصعود الحالي في أسعار المواد الغذائية والمنتجات البترولية، مشيرا إلى أن صعود التضخم يدعم أسعار الذهب.

وقدر جبمس ستيل أن مسألة الديون الأوروبية أكثر أهمية من الموازنة الأميركية في التأثير على أسعار الذهب. مشيرا إلى أن المصارف المركزية تقوم بشراء الذهب، مشيرا إلى أن المصارف المركزية الأوروبية قد توقفت عن بيع الذهب، بعدما كانت من بين البائعين الرئيسيين للمعدن الأصفر خلال حقبة التسعينات والفترة التي تلتها من القرن الحالي.

واستبعد جيمس ستيل أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة إمداد المناجم على نحو ما هو حاصل بالنسبة للنفط، وأرجع أسباب ذلك إلى حواجز ضخمة تعرقل الدخول في قطاع التنقيب، مؤكدا بأن إمدادات المناجم لن تسعف أسواق الذهب.

تنويع المحفظة الاستثمارية

وفي هذا السياق، رأي جيفري رودس، «الرئيس التنفيذي لشركة إيلنتل م السلع الأساسية أنه من المنطقي أن تتبع الجهات الحكومية والصناديق الاستثمارية والمستثمرين الأفراد إستراتيجية تنويع المحافظ الاستثمارية بعيدا عن الدولار من خلال شراء الذهب، وذلك أسوة بشراء الفرنك السويسري والجنيه الإسترليني، معتبرا ضعف الدولار بمثابة القوة الرئيسية المحركة لسلك المعدن الأصفر المسار الصعودي بشكل يفوق تأثير التضخم وعمليات المضاربة، وذلك بالنظر إلى علاقة الارتباط العكسي بين الدولار والذهب، فصعود أحدهما يكون مدعاة لتراجع الآخر والعكس صحيح.

ورأى جيفري رودس أن العامل الرئيسي المؤثر على سعر الذهب يرتبط بالسياسة المالية الأميركية فمن شأن أي تغير في اتجاه هذه السياسة أن ينطوي على تأثيرات بالنسبة للذهب والسلع الأخرى.

لم يفت أوان الاستثمار في الذهب

رفض جيرهارد ماك سيهوبيرت رئيس المعادن الثمينة في بنك «الإمارات دبي الوطني» الرأي القائل بأن وقت الاستثمار في الذهب قد فات أوانه نتيجة صعود أسعاره إلى مستويات بالغة الارتفاع، وقال إن مستوى الأسعار لا ينطوي على مخاطر عالية بالنسبة للمستثمرين، حيث يرتهن الأمر بالأفق الزمني للاستثمار نوعية الحماية المطلوبة لمحفظته الاستثمارية كاملة.

وجاءت هذه التطمينات على أرضية تقديرات بأن بلوغ أسعار الذهب مستويات قياسية قد فوت الفرصة على المستثمرين لتوجيه استثماراهم إلى المعدن الأصفر، وفي هذا المجال قال جيفري نيكولاس المدير في مؤسسة الاستشاريون الأميركيون للمعادن النفيسة أنه من المتوقع أن يصل سعر الذهب 1700 دولار للأونصة الواحدة بحلول نهاية العام الحالي و2000 دولار للأونصة في عام 2012.