تراجعت الأسواق المحلية والخليجية متأثرة بأزمات الديون الأمريكية والأوروبية، والتي واكبها الكثير من التضخيم الإعلامي والتهويل المبني على التوقعات، وأحيانا حتى على التحليلات الخاطئة الناجمة عن عدم فهم ودراية. وعقدت الفوضى التي تضرب أطنابها في الاقتصادات العالمية.

والتي هي احد أهم افرازات أزمة الرهن العقاري، المشهد على المستثمرين في الأسواق المحلية والإقليمية، فالخشية من ان تترتب أثار سلبية ناجمة عن الديون الأوروبية والدين الأميركي المتفاقم تجعل المستثمرين يتبعون خطى هذه الأسواق، تارة خوفا من الآثار المباشرة المتمثلة في تراجع الأصول المملوكة للدولة في الغرب، وأخرى من الآثار غير المباشرة المتمثلة في تراجع الاستثمارات الأجنبية في الأسواق المحلية.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي تحت عنوان أزمات الاقتصاد العالمي قد تنتهي ولكن مشكلة السيولة لا تزال متجذرة في اقتصادنا المحلي: في الواقع أزمة سقف الدين الاميركي، ومشكلة التصنيف الائتماني لأكبر مدين في العالم، أثارت الفزع والخوف في ظل تضليل وضبابيه إعلاميه وإشاعات تضرب الأسواق العالمية وخطط معدة مسبقا لاستهداف أسعار النفط ، وقد أسهمت جميعها في تعكير المياه.

بحيث انعدمت الرؤية الاقتصادية الواضحة. وسيطر الخوف والفزع، الذي غرزته أحداث ما بعد انهيار بنك ليمان برذرز، على الأسواق العالمية وانتقل إلى الأسواق الخليجية والعربية حيث سيطر السلوك الجمعي بالخروج من الأسواق دونما إدراك للطبيعة المفتعلة لما يجري حاليا في الأسواق العالمية.

ومن جهة أخرى رصد الدكتور الشمّاع أن القطاع الخاص المحلي، المدين برصيد قروض بلغ حتى مايو الماضي 794 مليار درهم، قد دفع في الربع الثاني من العام الحالي ما لا يقل عن 10مليارات درهم فوائد للمصارف، ولم يتلق منها كقروض على الإطلاق، أي أن المصارف لا تزال تسحب من سيولة القطاع الخاص، وتؤثر في قدرته على الخروج من عنق الزجاجة.

 

تحليلات خاطئة وإشاعات بالجملة

وقال الدكتور الشمّاع: الغريب أن وسائل إعلام عالمية تتناقل تحليلات خاطئة تثير الفزع والخوف في نفوس المستثمرين. فلأول مرة تنتشر إشاعة مفادها أن وكالات التصنيف الائتماني خفضت تصنيف فرنسا، وذلك أثناء التداول بحيث انخفض مؤشر كاك 5%. ولأول مرة في التاريخ الحديث، الذي تطورت فيه وسائل الاتصال، تنتشر في اسواق الدول المتقدمة إشاعة مفادها أن بنك سوسيتيه جنرال حقق خسائر هائلة أدت إلى تراجعه بنسبة 15% وتراجع بنك باريبا بنسبة 10%.

ومن الغريب أيضا أن يصدر عن أحد وسائل الأعلام العالمية تحليل مفاده أن المضاربين والمستثمرين لا يقبلون على شراء سندات الخزينة الأمريكية، التي انخفضت بعد تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة. هذا الدفق الهائل من الاعلام المبهم والغامض والخاطئ والمغشوش احيانا يقف وراء التراجع الحالي، والذي نعتقد أنه يجري بطريقة مدروسة ستؤدي في النهاية إلى خدمة مصالح اطراف دولية على حساب مصالح أطراف اخرى.

وأضاف: رغم أن أسواق الإمارات والخليج خففت من تأثرها بالأداء المتراجع بحدة في الأسواق العالمية، إلا ان هناك ضرورة ملحة لاستيعاب ما يجري من حولنا في العالم، في محاولة لتوضيح الحالة الضبابية وتوقع ما سيكون عليه الحال في المديين القصير والمتوسط في الأسواق العالمية، لكي يتسنى للمستثمر المحلي رسم وبناء استراتيجيته في التعامل مع الأحداث.

 

تقييم أثر تخفيض التصنيف

وتابع الدكتور الشمّاع: بداية لا بد من تقييم الأثر الذي يمكن أن يتركه تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. فهذا التخفيض الذي تم من قبل وكالة واحدة لحد الآن، وليس من المتوقع امتداده ل

لوكالات الأخرى، تنحصر أثاره السلبية أو الايجابية المحتملة في تغير الطلب والإقبال على شراء سندات الخزينة الأمريكية التي انخفض تصنيفها الائتماني. وتبعا لذلك فان أهم ما يترتب على ذلك أمران، الأول ان تعجز الحكومة الأمريكية عن الاستدانة وبالتالي عن تسديد التزاماتها، والثاني.

وهو نتيجة الأول، أن تنخفض الأسعار السوقية لسندات الخزينة ويرتفع العائد عليها، الأمر الذي ينعكس بصورة خاصة ورئيسية على أسعار الفائدة. فتخفيض التصنيف الائتماني، من قبل واحدة من وكالات التصنيف الائتماني، يعني أن قدرة الولايات المتحدة على تسيد ديونها المتمثلة بسندات الخزينة أصبحت أقل، .

وبذلك فإن من المفترض أن يتناقص عدد الراغبين في شراء سندات الدين الأمريكية الجديدة، وبما يؤدي إلى تراجع سعر الشراء الذي يتم في المزاد على الأقل إلى مستوى القيمة الاسمية أو دونها. والمخاوف التي عصفت بالأسواق بعد صدور قرار تخفيض التصنيف الائتماني كانت تستند إلى افتراض أن هذا التخفيض سيؤدي إلى تراجع القيمة الاسمية لسندات الخزينة التي تصدرها الحكومة الأمريكية وتبيعها في المزاد.

حيث توقعت الأسواق أن يتراجع الطلب على السندات بحيث تباع بسعر يقل عن قيمتها الاسمية، وبما أن أسعار الفائدة التي تدفعها الحكومة الأمريكية على السندات ثابتة، فإن عائد السند سيرتفع. وعلى العكس من ذلك، فإذا ارتفع سعر السند إلى ما فوق القيمة الاسمية فإن عائد السند سينخفض. ولان سندات الخزينة الأمريكية تعتبر مرجعا لأسعار الفائدة التي تتقاضاها المصارف،.

وتمثل الفرصة البديلة للاستثمار للمؤسسات المالية، فان أسعار الفائدة ستتغير تبعا لتغير عائد سندات الخزينة. وفي حالة الولايات المتحدة فأن جُل المخاوف التي تصاعدت اثر تخفيض التصنيف الائتماني ترتبط بأسعار الفائدة، التي كانت كل التوقعات تشير إلى احتمال ارتفاعها.

وخصوصا أسعار فائدة الرهن العقاري التي كان من المفترض حسب هذه التوقعات أن تتبع مسار عائد سندات الخزينة، الآمر الذي كان سينعكس على كلفة شراء المنازل التي ستزداد تبعا لذلك، وبما يعمق من مشكلات الاقتصاد الأمريكي ويعيده إلى دائرة الركود. ولهذا السبب ايضا سارع الفدرالي الامريكي (البنك المركزي) للتأكيد على إبقائه أسعار الفائدة منخفضة لسنتين قادمتين على الأقل، وهو إعلان أدى بحد ذاته إلى تواصل ارتفاع الطلب على سندات الخزينة وانخفاض عائدها.

 

مسرحية معلومة النهاية

وأضاف الدكتور الشمّاع: الذي حدث كان عكس التوقعات، ويتطابق مع ما كنا اشرنا له في الاعلام من أن هناك تهويلاً إعلامياً، ربما يكون مقصودا، لتحقيق أهداف محددة، وكنا قد وصفنا في تقرير الأسبوع الماضي أزمة سقف الديون الأمريكية بأنها مسرحية معلومة النهاية على طريقة النهاية السعيدة في الأفلام الأمريكية. فخلال الأيام الأربعة التي أعقبت تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، باعت الخزانة الأمريكية ما قيمته 32 مليار دولار من السندات من فئة الثلاث سنوات بأدنى أسعار للعائد عليها، وهو 0.5% .

والذي كان 5.25% عندما كانت الموازنة الأمريكية تحقق فائضاً خلال السنوات من 1998- 2001، وهذا يعني أن القيمة السوقية لسندات الخزينة قد ارتفعت نتيجة لارتفاع الطلب عليها. والمعيار الذي يقاس عليه شدة الإقبال على سندات الخزانة هو العروض التي تقدم على كل دولار من السندات المعروضة في المزاد الذي تباع فيه السندات. وقد وصلت هذه العروض إلى أعلى مستوى غير مسبوق، وهو 3.29 دولارات لكل دولار من السندات ال 32 ملياراً.

والتي بيعت خلال الايام الأربعة التي أعقبت التخفيض الائتماني، وهو رقم قياسي يزيد على الرقم القياسي الذي تحقق عندما باعت الخزانة الأمريكية 2 تريليون و249 مليار دولار سندات في العام الماضي، والتي كانت أعلى كمية مباعة على الإطلاق، حيث وصلت عروض الشراء إلى 2.99 دولار لكل دولار من السندات المعدة للبيع.

واشترت طبقة المشترين، التي تضم البنوك المركزية الأجنبية، 47.9% من السندات المباعة في مزاد بيع 32 ملياراً من سندات فئة الثلاث سنوات، الذي تم بعد التخفيض الائتماني، وهي أعلى نسبة لهذه الطبقة من المشترين منذ مايو 2010. والخزانة الأمريكية تواصل بيع السندات من فئة العشر سنوات خلال الأيام القادمة، والتي تدنى عائدها يوم الثلاثاء الماضي إلى مستوى غير مسبوق هو 2.2 % بعد أن كان معدل هذا العائد 5.48.

وتابع قائلاً: لهذا الغرض كان من المتوقع أن تقوم المصارف ببيع الأسهم، التي كانت قد اشترتها بأسعار منخفضة، وشراء سندات مهما كانت مرتفعة في قيمتها الاسمية فإنها ستقوم بإعادة بيعها للفدرالي الأمريكي لتدخل إلى سوق الأسهم مجددا من مستويات سفلية.

والواقع ان انخفاض عائد السندات جاء بعد اعلان الفدرالي الأمريكي عن ابقائه أسعار الفائدة منخفضة عند مستوياتها الحالية على الأقل حتى العام 2013، مما أسهم في تزايد الإقبال على شراء سندات الخزانة. فهو قد دفع من جهة باتجاه البحث عن استثمارات بعائد أعلى، كما جعل المصارف تتحسس قرب إطلاق جولة جديدة من التخفيف الكمي بعد أن أعلن صناع القرار في المركزي الأمريكي أن النمو الاقتصادي قد تباطأ بشكل ملموس. وسيؤدي انخفاض عائد السندات إلى جانب التخفيف الكمي المتوقع الى مزيد من التراجع في اسعار فائدة الرهن العقاري التي تسير بعلاقة ارتباط موجبة قدرها 0.6 مع عائد سندات الخزينة.

 

تهدئة مخاوف الأسواق

وأكد الدكتور الشمّاع أن تزايد الطلب على سندات الخزينة، وتراجع عائدها، هدأ من مخاوف الأسواق من ارتفاع أسعار الفائدة، فانخفاض عائد سندات الخزينة طمأن الأسواق، إلى جانب تأكيدات البنك المركزي ،بشأن الفائدة المرجعية. ولهذا فقد ارتفعت مؤشرات الأسواق يوم 9 أغسطس الجاري، وتباطأ تراجع عائد السندات.

وهو أمر نعتقد أنه كان بخلاف المطلوب والمستهدف، والذي يتمثل في دفع المصارف الأمريكية لإخلاء محافظها الاستثمارية من الأسهم، وإعادة ملئها بسندات الخزينة تمهيدا لجولة جديدة من التخفيف الكمي يقوم من خلالها الفدرالي بشراء هذه السندات من المصارف. وكان لزاما من اجل استكمال الهدف خلق الإشاعات، التي تسري بصورة غريبة في بورصات تتعامل بأعلى تقنيات الاتصال والمعلوماتية، حول أوضاع فرنسا والديون الأوروبية.

وهو ما قاد إلى حملة قوية من البيع أدت بدورها إلى تراجع مؤشرات الأسواق العالمية والأمريكية بالذات إلى مستويات ما قبل إطلاق جولة التخفيف الكمي الثانية في نوفمبر 2010، والتي تضمنت شراء 600 مليار دولار من سندات الخزينة من تاريخ الإعلان عنها وحتى شهر يونيو 2011،.

وذلك عن طريق شراء ما يصل إلى 75 مليار دولار شهريا. وخلال هذه الفترة ارتفع مؤشر داو جونز من 10750 نقطة في بداية اكتوبر 2010 الى 12700 نقطة في منتصف يوليو الماضي، أي بعد انتهاء برنامج التخفيف الكمي في شراء سندات الخزينة. وهذا يعني ان محافظ المصارف الأمريكية قد خلت من الجزء المهم من الأسهم، وهي متلهفة الآن للتعويض عنها بشراء سندات خزينة لإعادة بيعها للفدرالي في جولة التخفيف الكمي الثالثة، التي سيعلن عنها في غضون الشهرين القادمين.

والجولة الجديدة من التخفيف الكمي تعني جولة جديدة من تراجع الدولار، وبدورها مرحلة جديدة من ارتفاع أسعار الذهب، ومزيداً من التراجع في عائد السندات الأمريكية والانخفاض في مؤشرات الأسواق الأمريكية. وهذا ما تحقق لحد الآن.

وقد وصلنا بسرعة إلى نهاية النفق حيث نتوقع أن تستقر الاسواق الأمريكية منذ مساء الخميس وحتى الإعلان عن الجولة الثالثة من التخفيف الكمي، حيث ستعاود الاسواق العالمية والأمريكية ارتفاعها المنتظم بتاثير من توافر السيولة التي سيضخها الفدرالي عبر شراء سندات الخزينة من المصارف، والتي بدورها ستعيد بناء محفظة الاسهم، وهو ما سيعيد للاقتصاد الأمريكي زخمه السابق في النمو.