قدر عبدالله العور الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي أن المركز مرشح شأنه شأن اخرى لأن يجني مكاسب جراء الأوضاع الصعبة التي تجتازها مراكز المال العتيدة الناجمة عن مضاعفات أزمة الديون على الاقتصاد الأوروبي وما صاحبها من إجراءات تقشفية من رفع الضرائب وزيادة تكاليف الأعمال، ولكنه أكد أن وضعية مركز دبي المالي تجعله همزة الوصل المثالية بين الأسواق المالية العتيدة والناشئة، معللا ذلك بشغل إمارة دبي موقعاً جغرافياً فريداً يسهل إمكانية الربط فيما بين الأسواق المالية في مختلف المناطق مع بعضها البعض، وهو ما يؤهلها لأن تكون حلقة وصل بين الأسواق المتطورة والناشئة.

وأجاب عبدالله محمد العور في معرض رده على سؤال بشأن التأثيرات المحتملة لأزمة الديون الأوروبية على وضعية مركز دبي المالي العالمي بقوله: لاحظنا أن بعض المصارف تقوم حاليا بمراجعة ودراسة استراتيجيات أعمالها في ضوء تطورات أزمة الديون الأوروبية، حيث تعمل الآن على إعادة توزيع مقراتها وأفرعها ومكاتبها المتواجدة في أوروبا، بأن تنقل جزءا من أعمالها إلى مناطق أخرى من العالم.

وواصل العور حديثه لـ«البيان الاقتصادي» بقوله: لا يمكن القول بأن دبي هي الجهة الوحيدة التي من المقدر لها أن تستفيد من تداعيات الأزمة الأوروبية على الاقتصاد الأوروبي، بل من الوارد أن تستفيد الأسواق الناشئة من هذه التطورات، وذلك على غرار هونغ كونغ وسنغافورة.. وغيرها، ويعتبر مركز دبي المالي أحد تلك الأسواق المرشحة للاستفادة من تأثير أزمة المديونية الأوروبية على الاقتصاد الأوروبي.

ورأى عبدالله العور أن الاستفادة من هذه التطورات تستلزم ضرورة العمل على توفير بيئة أعمال مماثلة لتلك الموجودة في مراكز المال العالمية، بحيث تعمل الشركات في بيئة مماثلة لتلك التي اعتادت العمل فيها.

وأضاف بقوله: يستلزم الأمر منا كذلك أن نجعل الشركات تباشر أعمالها بيسر وسلاسة، فربما تعزف هذه الشركات عن التواجد في أسواق ليس لديها دراية بها أو يكون معرفتها بها ذات تكلفة عالية، ومن ثم، فمن شأن توفير مركز دبي المالي العالمي بيئة عمل تتماشى مع الأسواق العالمية ومراكز المال العالمية، أن يعزز جاذبية المركز بالنسبة للشركات العالمية التي تستهدف معظمها الأسواق الناشئة بالدرجة الأولى كالهند والصين وأميركا الجنوبية.

وخلص إلى القول: نحن نستطيع الجزم بأن إمارة دبي قادرة على توفير منصة أعمال تخدم أهداف الشركات العالمية في الوصول السلس جميع هذه المناطق، فعلى سبيل المثال، توفر طيران الإمارات إمكانية الوصول إلى الكثير من الوجهات والمقاصد في العالم، وتتضافر هذه الميزة مع المزايا التي يوفرها مركز دبي المالي العالمي في توفير بيئة أعمال متكاملة.

 

جدل أوروبي

وجاءت أقوال عبدالله العور على خلفية الجدل المثار في أوروبا حول اهتزاز تنافسية مراكزها المالية في مواجهة المراكز المالية الناشئة في العالم على غرار هونغ كونغ وشنغهاي، وساهمت أزمة الديون الأوروبية، وما صاحبها من إجراءات تقشفية في احتدام الجدل الأوروبي حول كيفية الحفاظ على المواقع التنافسية للمراكز المال الأوروبية.

وتجلى عمق الجدل في تشبيه جيليث إيليوت، مدير الاتصالات في مؤسسة سيتي يوكيه، المسؤولة عن المحافظة على تنافسية الصناعة المالية البريطانية، صناعة المال العالمية بالكعكة التي يكون فيها زيادة شريحة أحد المراكز المالية على حساب شرائح المراكز الأخرى، ودلل على ذلك بأن الصين تعتبر في الوقت الحالي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، ولكن من المحتمل بعد بضع سنوات أن تصبح الاقتصاد الأكبر في العالم، وكذلك الحال بالنسبة للهند التي تتطلع لأن تكون أكبر اقتصاد في عام 2050. ورداً على سؤال بشأن تأثير رفع الضرائب في بريطانيا على مكانة مدينة لندن كمركز مالي عالمي، قال إيليوت: نحن نعمل مع المراكز المالية الأخرى ولا ننظر إليها على أنها تشكل تهديدا، ونحن نعلم أن هذه المراكز سوف تنمو، ونرغب في التعاون معها، ولكننا كذلك على دراية بأنه من الممكن أن تفقد لندن جزءا من الاستثمارات، وربما تنتقل منها مصارف إلى مراكز مالية أخرى، حيث تكون الضرائب أقل واللوائح التنظيمية أكثر مرونة.

وتابع قائلاً: نحن دائما ما نتحدث مع الحكومة البريطانية عن أنه ليس من المتعين فقط أن تكون البنية التنظيمية عادلة وتنافسية، ولكن يجب كذلك أن تكون هناك سياسة ضرائبية عادلة ومتناسقة، فهذان الأمران يعدان جوهريين بحسب المناقشات التي أجريناها والدراسات التي قمنا بإعدادها.

ويكتسب النقاش الدائر حول الحفاظ على المكانة التنافسية لمدينة لندن كمركز مالي عالمي أهمية بالغة، بالنظر إلى ما تشغله الصناعة المالية من وضعية خاصة في الاقتصاد البريطاني، وبحسب أرقام مؤسسة سيتي يوكيه، ساهمت الصناعة المالية في تحقيق فائض تجاري قيمته 40 مليار جنيه إسترليني في عام 2008، كما بلغت قيمة الضرائب المتحصلة من الصناعة المالية 16 مليار جنيه إسترليني في العام المالي 2008 - 2009، وتسهم كذلك صناعة الخدمات المالية بنحو 10% من الناتج المحلي البريطاني، وتوظف قرابة مليون شخص، وهناك أيضاً 150 مليون حساب مصرفي في المملكة المتحدة رغم أن عدد السكان يبلغ 60 مليون نسمة.

ولقد تأسست مؤسسة سيتي يو كيه في الآونة الأخيرة، بعدما جرى رفع تقرير إلى كل من وزير الخارجية البريطاني وعمدة الحي المالي في لندن، وتضمن التقرير توصيات ثلاث، تتمثل الأولى في ضرورة العمل على توطيد المكانة التنافسية لمدينة لندن كمركز مالي عالمي في مواجهة تصاعد المخاطر التي تتعرض لها صناعة المال البريطانية من المراكز المالية الدولية الأخرى، ودعت التوصية الثانية إلى مكافحة اتجاهات بعض الناس السلبية تجاه صناعة الخدمات المالية، وحثت التوصية الثالثة على رصد التغييرات في اللوائح والأطر التنظيمية التي من شأنها أن تؤثر على وضعية لندن كمركز مالي عالمي.

وعلى نفس المنوال، عبرت العديد من المؤسسات المالية السويسرية عن حالة القلق التي تسود الأوساط المالية هناك بشأن بزوغ مراكز مالية قادرة على استقطاب الأموال إليها وذلك على غرار مدينة دبي، ويشير هنا جون ساندويك من شركة انكور ما نجمنت ومقرها جنيف أن البنوك في مدينة جنيف ربما تدير 200 مليار دولار من الأصول المملوكة لمسلمين. ومن شأن أي تحويلات في هذه الحسابات سواء إلى منافسين سويسريين أو إلى مراكز خدمات مالية خارجية في دبي أو سنغافورة أن تثير متاعب لبنوك جنيف تماما. وأضاف أن الاتجاهات السائدة تميل إلى نظام عالمي لإدارة الثروات أكثر تنوعاً وانتشاراً. وأشار إلى حاجة البنوك لتبني نهج أكثر جرأة. وحذر من أن أموال المسلمين ستبتعد عن جنيف ما لم يتم الاستجابة لحاجات المسلمين.

وقد انضمت دبي إلى قائمة أكبر عشرين مركزاً مالياً عالمياً، طبقاً للتصنيف الذي أصدره دويتشه بنك حول أوضاع المراكز المالية العالمية والتحولات التي يشهدها قطاع الخدمات المالية بعد الأزمة العالمية. وتوقع التقرير أن تتجاوز دبي بجانب مراكز مالية ناشئة مثل بكين ومومباي، وحسب التقرير فإن دبي استطاعت تطوير وضعها كمركز مالي في منطقة الخليج والانضمام إلى أفضل عشرين مركزاً مالياً عالمياً بفضل البنية التحتية القوية التي أقامتها خلال السنوات الماضية. وأشار التقرير إلى أجندة دبي الطموحة في تعزيز دورها كمركز مالي عالمي من خلال سن قوانين خاصة بالخدمات المالية تستند إلى أفضل الممارسات العالمية والاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية للأسواق المالية والاستحواذ على نسب من الأسواق المالية العالمية. وتوقع التقرير نجاح هذه الجهود في جعل دبي المركز المالي الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن لعب دور مهم كمركز مالي عالمي.

كما توقع التقرير تراجع المراكز التقليدية في أوروبا مثل لندن وباريس ومدريد وأمستردام، الأمر الذي سيفتح المجال أمام المراكز الناشئة لتحقيق مزيد من النمو لسد الفراغ الناجم عن تراجع المراكز الأوروبية. وتوضح دراسة دويتشه بنك أن المراكز المالية الأوروبية بدأت بالفعل في التخلي عن ترتيبها المتقدم ضمن أكبر المراكز المالية العالمية في حين أن المراكز الناشئة بدأت تتقدم في ترتيبها.

ورأى الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي أن المركز يقدم منصة مثلى تتيح طيفا متسعا من الخدمات لإدارة الأعمال العائلية، وذلك على نحو يضارع مثيلتها في سويسرا، فضلا عن المراكز المالية الأخرى في العالم، حيث يحتضن نحو 18 مكتب عائلة، فضلا عن 31 شركة متخصصة في مجال الأعمال العائلية، كما أضحى بمثابة مدينة مالية متكاملة، تجتمع تحت مظلتها مختلف أنواع الخدمات التي تهم الأعمال العائلية، كتلك الخاصة بالحسابات والمراجعة والاستشارات القانونية، وتنهض هذه الخدمات على بنية تحتية فاعلة وكفؤة من التشريعات واللوائح التنظيمية، وهو ما يكسبها قدرة تنافسية عالية بالمقارنة مع مراكز المال الأخرى، من زاوية تلبية احتياجات مختلف أنواع الأعمال العائلية سواء في أوروبا وأميركا، أو في منطقة الخليج، وتوقع أن يسجل هذا القطاع نموا يفوق معدلات نمو قطاعات الأعمال الأخرى.

وتناول عبدالله تأثير التوترات السياسية الإقليمية على أداء مركز دبي المالي العالمي، بقوله: لم تؤثر الاضطرابات السياسية الإقليمية على استراتيجية مركز دبي المالي العالمي، باعتبار أن هذه الاستراتيجية ذات توجه عالمي أكثر منه إقليمي، فطالما يجري توفير بنية تحتية وأطر تنظيمية وبيئة أعمال على نحو يتماشى مع المعايير العالمية، فليس هناك ما يحول دون استفادة الشركات من الفرص المتاحة لها، وهذا ما حدث بالفعل، إذا استمر المركز في استقطاب الشركات والمؤسسات العالمية بغض النظر عما يدور في منطقة الشرق الأوسط من توترات وقلائل سياسية، وهو ما يعد برهانا على نجاح إمارة دبي في منحاها الرامي إلى استقطاب الشركات اعتمادا على مقومات ذاتية مستمدة من تطور بنيتها التحتية، ورقي وكفاءة خدماتها، ومواتية بيئتها لمزاولة الأعمال، وهي أمور تهم بالدرجة الأولى الشركات.

وخلص في حديثه إلى القول: استقطبت إمارة دبي دائما الشركات العالمية، سواء في مرحلة ما قبل تأسيس مركز دبي المالي العالمي أو المرحلة التالية على ذلك، حيث تحفل الإمارة بمشاريع ضخمة للبنى التحتية، منها المطارات وشبكات الطرق، وتعد هذه المشروعات بالغة الأهمية لقطاع الخدمات المالية، لما تتيحه من إمكانيات لمزاولة الأعمال في بيئة تتميز ببساطة الإجراءات وسهولة العيش والعمل، وهو أمر تميزت به إمارة دبي على نحو جعل منها مقصدا جاذبا للشركات والمؤسسات المالية، وبالتالي لا يوجد ارتباط بين نجاح مركز دبي المالي العالمي في استقطاب الشركات وبين تفجر التوترات السياسية الإقليمية. نمو المراكز المالية الناشئة يغير صورة العالم قدر تقرير صادر مؤخرا عن دويتشه بنك أن استمرار النمو القوي في المراكز الناشئة يمكن أن يغير من صورة العالم في السنوات المقبلة، بحيث تتحول المراكز المالية الناشئة إلى منافس قوي للمراكز التقليدية. ويؤكد هذه الرؤية نجاح دبي وشنغهاي وبكين في الانضمام إلى ترتيب أكبر المراكز المالية على مستوى العالم، وذلك بالرغم من تأثيرات الأزمة المالية العالمية وحجم هذه المراكز الصغير نسبياً مقارنة بالمراكز المالية التقليدية مثل لندن ونيويورك.

وأوضح التقرير أن تأثيرات الأزمة المالية العالمية على المراكز المالية التقليدية لم تكن كبيرة بالرغم من التأثير المدمر على الاقتصادات في أميركا الشمالية وأوروبا. غير أن الأزمة كان لها تأثير إيجابي على المراكز المالية الناشئة، حيث استطاعت تحقيق مستويات نمو مرتفعة، خاصة في منطقة آسيا، حيث إن الدول الآسيوية تقود عجلة الاقتصاد العالمي منذ اندلاع الأزمة المالية. وكان هذا واضحاً في ارتفاع معدلات الزيادة في تنافسية المراكز المالية الناشئة، حيث استطاعت تحقيق مستويات نمو مرتفعة، خاصة في منطقة آسيا، حيث إن الدول الآسيوية تقود عجلة الاقتصاد العالمي منذ اندلاع الأزمة المالية. وكان هذا واضحاً في ارتفاع معدلات الزيادة في تنافسية المراكز المالية الناشئة، حيث تظهر دراسة دويتشه بنك، أن تنافسية دبي كمركز مالي عالمي ارتفعت بنسبة 8% في الفترة من 2007 وحتى 2010 ، بينما جاءت سيئول على قمة المراكز المالية التي تحسنت معدلات التنافسية بها بنسبة ارتفاع 42% في حين جاءت لندن في المرتبة الأخيرة، حيث نمت تنافسيتها بنسبة 1% فقط.

ورأى دويتشه بنك أن تنافسية دبي كمركز مالي عالمي ارتفعت بنسبة 8% في الفترة من 2007 وحتى 2010 ، بينما جاءت سيئول على قمة المراكز المالية التي تحسنت معدلات التنافسية بها بنسبة ارتفاع 42% ، في حين جاءت لندن في المرتبة الأخيرة، حيث نمت تنافسيتها بنسبة 1% فقط.