سجلت تداولات الأسبوع الماضي في أسواق الأسهم المحلية المزيد من التدني في قيم تداولاتها لتصل إلى مستويات قياسية في تراجعها متأثرة بالأوضاع الاقتصادية العالمية، بحيث ارتفعت نسبة القيمة السوقية إلى قيمة السيولة المتداولة لتصل كمتوسط خلال الأسبوع إلى 2455 درهما قيمة سوقية لكل درهم من التداول. وذلك بعد أن كان متوسط هذه النسبة هو أقل من 50 درهما قيمة سوقية إلى درهم واحد من التداول في العام 2008.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: يؤشر ارتفاع هذه النسبة إلى حالة سلبية، وهي عدم مصداقية الارتفاعات أو التراجعات التي تحدث في المؤشر وفي القيمة السوقية كنتيجة لتراجع عمق السوق.
فالأسواق المحلية فقدت ولا تزال تفقد عمقها نتيجة لتراجع السيولة أو الأموال المتاحة للاستثمار في أسواق الأسهم. بحيث يجعلها ذلك عرضة للتقلب مع أدنى الأحداث في الساحة المحلية أو الإقليمية أو العالمية. وبهذا فإن التقلبات في المؤشر وفي القيمة السوقية تتم في ظل غياب شبه كامل للعرض والطلب، واللذين يتحددان من قبل عدد محدود من المتعاملين في ظل غياب المستثمرين وغياب الصناديق والمحافظ، بل وحتى غياب أعداد كبيرة من المضاربين.
وأوضح الدكتور الشمّاع: في مثل هذه الظروف، فإن تغير المؤشر والقيمة السوقية بالسلب أو بالإيجاب لا يعبر عن تزايد أو تراجع حقيقي في الطلب والعرض، فالتغيرات التي تحدث في القيمة السوقية مجرد أرقام لا تعكس الحقيقة، وبالتالي تجعل الأسعار والقيمة السوقية مجرد أرقام إما متضخمة أو دون قيمتها الحقيقية.
مسرحية سقف الدين
وقال الدكتور الشمّاع: ازداد التراجع في ظل تزايد المخاوف من ما سمي بأزمة الديون الأميركية. بحيث ما ان أعلن عن انتهاء مسرحية سقف الدين معلومة النهاية على طريقة النهاية السعيدة في الأفلام الأميركية حتى فكت الأسواق المحلية ارتباطها السلبي بالأسواق العالمية وإن بحذر شديد بسبب غياب المستثمرين الحقيقيين ونقص السيولة في الأسواق. ورغم استمرار تأثر الأسواق الأوروبية والآسيوية والأميركية ذاتها، بالتحليلات ذات الطبيعة الإعلامية.
وخصوصا المتعلقة منها باحتمالات وهمية لخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة كنتيجة لما يمكن أن يترتب على اتفاق التخفيض المحدود للإنفاق، إلا أن الأسواق المحلية حاولت التعويض عن بعض خسائر فترة أزمة سقف الديون الأميركية، كما حاولت تجاوز الموقف الذي يمكن أن تتخذه وكالات التصنيف الائتماني، التي كانت قد طالبت الولايات المتحدة بإجراء تخفيض بقيمة أربعة تريليونات دولار، والذي يثير المخاوف من أن تضطر هذه الوكالات إلى تأكيد مصداقيتها التي باتت مهزوزة.
وأضاف: لذلك استعادت الأسواق المحلية بعضاً من حيويتها، وحاولت تعويض خسائر الأيام السابقة، والتي كانت قد وصلت إلى 3.5% منذ 6 يوليو الماضي وحتى نهاية الشهر. لقد حاولنا تنبيه الأسواق للطبيعة المفتعلة لأزمة سقف الدين التي لا تعدو أن تكون تضخيماً إعلامياً لجعل الأسواق المصابة بفوبيا الأزمات أثر الانهيارات التي أعقبت إفلاس ليمان برذرز في 2008 ترتعد خوفا وتهبط في مستويات تداولاتها إلى أرقام غير مسبوقة لتدخل في حالة ركود في التداول وهبوط في المؤشر. والواقع أن كل ما يخص الشأن الاقتصادي الأميركي يجب أن ينظر إليه بعين الشك قبل اليقين.
جولة من التيسير الكمي
وتابع الدكتور الشمّاع: من جانب آخر، فإن تراجع مؤشرات الأسواق الأميركية سيعطي الضوء الاخضر للسلطة النقدية للمباشرة مجددا بجولة من التيسير الكمي بهدف تعويض النقص المتوقع في الإنفاق الحكومي، وهو ما سيؤدي الى تحسن مستويات النمو الاقتصادي في النصف الثاني العام.
وقال: أمام هذه الرؤية المتفائلة للاقتصاد العالمي والأميركي بصورة خاصة وفي ضوء حقيقة ان الأسواق المحلية تراوح منذ ثلاث سنوات في مستويات القاع، يكبتها عن مواكبة الأسواق العالمية في تحسن أدائها ضعف القطاع العقاري، وانخفاض مستويات السيولة الناجمة بدورها عن تراجع مستويات الإقراض الحالية من قبل المصارف، فإن المطلوب سياسة نقدية قادرة على النهوض بمسؤوليتها في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي، وتعيد مسار اقتصاد الدولة إلى موقع المتصدر للاقتصادات العربية، والتي يقف الاقتصاد السعودي على رأسها بعد الإمارات حتى عام 2008. ومنذ 2008 فشلت السياسة النقدية في جعل نمو اقتصاد الدولة، بعد استبعاد قطاع النفط الخام، يحافظ على مساره السابق، وذلك لتغير أولويات هذه السياسة من ترجيح كفة النمو إلى ترجيح كفة السلامة والملاءة المالية.
الصدارة بين الإمارات والسعودية
وقال الدكتور الشمّاع: طيلة حقبة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وحتى عام 2008، كانت الإمارات الأعلى نموا في ناتجها المحلي بدون النفط، تأتي بعدها السعودية، ولكنها فقدت هذا الموقع في 2009، حيث تحول النمو إلى سالب و2010 حيث تفوق نمو السعودية على نمو اقتصاد الإمارات، وذلك كنتيجة لتغير أولويات السياسة النقدية.
وقد ترتب على ذلك تراجع أسواق الإمارات منذ نهاية 2007 ولحد الآن بأكثر بكثير مما تراجعت أسواق السعودية، وخصوصاً في قيم التداول التي تعكس نشاط وحيوية الأسواق المالية.
وأضاف: لعل مما يسهم في فهم أفضل لسبب هذا التباين الشاسع في قيم التداولات بين أسواق الإمارات والسعودية هو العلاقة بين قيم التداول وعرض النقد الضيق ن1 والذي يمثل اداوت الدفع والتسوية للمعاملات. وتعكس نسبة قيمة التداول إلى عرض النقد الضيق مدى وفرة السيولة للمتداولين في أسواق الأسهم. فوفرة المعروض من الكتلة النقدية، التي تقوم بتسوية المعاملات بين أفراد المجتمع، احد العوامل المهمة التي ترفع من التداولات، ليس في أسواق الأسهم فحسب وإنما في كل الأسواق. فلو تصورنا أن عرض النقد الضيق اقل من المطلوب مع بقاء سرعة التداول ثابتة فإن الذي سيتراجع هو قيمة التداول.
ملاحظات مقارنة
وقال الدكتور الشمّاع: تعكس نسبة عرض النقد الضيق إلى الناتج حجم عرض النقد النسبي، وبالتالي تقدم صورة قابلة للمقارنة بين اقتصادات مختلفة للمدى الذي ذهبت إليه المصارف في التوسع في خلق النقود - الودائع ومن خلال ذلك التوسع في الائتمان. والملاحظ أن عرض النقد الضيق في الإمارات أقل كنسبة للناتج المحلي عنه في السعودية.
وأضاف: الملاحظ أيضاً أن عرض النقد المتكون من العملة المصدرة والودائع تحت الطلب يشقيها الدائنة والمدينة في السعودية يكاد يكون ضعف ما هو عليه في الإمارات كنسبة من الناتج المحلي، ولعل هذا ما يفسر ارتفاع قيم التداول المنسوبة لعرض النقد الضيق في السعودية بالمقارنة مع الإمارات خلال السنوات الماضية. كما أن الصغر النسبي لعرض النقد الضيق (كنسبة من الناتج المحلي) في الإمارات بالمقارنة مع السعودية يعود للسياسة النقدية المتشددة في الإمارات بالقياس إلى السعودية، والتي فضلت كأولوية أولى الأمن المالي والملاءة المالية للمصارف على هدف النمو والاستقرار الاقتصادي.
وطبعا فإن مثل هذا الخيار هو قرار سيادي بالدرجة الأولى، وينطلق من معطيات ليست محلاً للمناقشة. غير أن ما يرد من ملاحظة لا تتعلق بهذا التفضيل للأمن المالي، وإنما تتعلق بارتباط الأمن المالي بالنمو والاستقرار الاقتصادي. فالملاءة المالية للمصارف وسلامة النظام المالي يمكن أن تهتز إذا استمرت أسعار العقار والأسهم في الدولة على انخفاضها، وذلك من خلال ارتفاع نسب التعثر المالي، الأمر الذي يخل بالهدف ذي الأولوية، وهو درء المخاطر النظامية التي قد تلحق بالنظام المالي.
نسب الاحتياطي الإلزامي
وقال الدكتور الشمّاع: في إطار السعي الدائم لضمان السلامة المالية، فقد رفعت السلطة النقدية، ومن بين إجراءات أخرى، نسب الاحتياطي الإلزامي الفعلي إلى حوالي 18% بعد أن شملت الودائع الادخارية إلى جانب الودائع تحت الطلب بنسبة 14%، بحيث لو استبعدنا الودائع الادخارية المستقرة بصورة كبيرة لارتفعت النسبة الفعلية للاحتياطي الإلزامي إلى 19% في بعض الأشهر. والمعروف أن نسبة الاحتياطي الإلزامي تكون مرتفعة على الودائع ذات الطبيعة غير المستقرة، والتي يمكن ان يسحبها المودعون من المصرف، وبما قد يسبب لها نقصاً غير متوقع في السيولة.
ولهذا السبب تكون نسبة الاحتياطي الإلزامي على الودائع الثابتة بغض النظر عن أمدها منخفضة. صحيح أن الودائع الادخارية ليست بحاجة إلى إشعار مسبق لسحبها، ولكنها لم تكن على الإطلاق غير مستقرة، بل على العكس تماما تمتعت وتتمتع باستقرار اعلى من الودائع الثابتة. فهي سارت وتسير في اتجاه صاعد دون ان تتعرض للتناقص خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما يستوجب من السلطة النقدية ان تقوم بإخراجها من دائرة الشمول بالاحتياطي الإلزامي المرتفع وإعادتها إلى جانب الودائع الثابتة لتشمل بنسبة 1%.
وأضاف: يقود ارتفاع الاحتياطي الإلزامي إلى انخفاض المضاعف النقدي، والذي يحدد قدرة المصارف على خلق النقود، والذي هو حصيلة قسمة عرض النقد الضيق على القاعدة النقدية. فمع ازدياد الاحتياطي الإلزامي الذي يشكل جزءاً مهماً من القاعدة النقدية، ينخفض المضاعف النقدي وتتقلص قدرة المصارف على خلق النقود.
زيادة السيولة لتفعيل الطلب
وأشار التقرير إلى أن نسبة الاحتياطي الإلزامي كأداة للتحكم في الدورة الاقتصادية فعالة في ظروف التباطؤ والانكماش، حيث تتمكن من زيادة السيولة لتفعيل الطلب. غير أن هذه الأداة تكون أقل فاعلية في ظروف الإنعاش، حيث تقليل السيولة لدى المصارف لا يكفي وحده للجم الطلب المتزايد، إذ لا بد في هذه الحالة من استخدام أدوات أخرى كالأدوات النوعية لتحديد سقوف للائتمان، وهذا ما لم تفعله السلطة النقدية في الأعوام 2006 و2007 و2008.
وأضاف: عند مقارنة المضاعف النقدي لعرض النقد الضيق في السعودية مع مثيله في الإمارات فإن الفارق يكون كبيرا، حيث في السعودية هو 2.48 في الربع الأول من العام الجاري، فيما هو 1.1 وفقا لأرقام المصرف المركزي في الإمارات. وكنتيجة للسياسة النقدية المتشددة في الإمارات، والتي بينا بعض جوانبها المتعلقة بالاحتياطي الإلزامي وقدرة المصارف على خلق النقود، فقد انعكس الوضع على تدفق الإقراض ونسب نموه الشهرية.
فالقروض في السعودية كانت تنمو على المستوى الشهري بصورة أفضل بكثير من نموها في الإمارات، خصوصا إذا اخذنا في الاعتبار الإفراط في الإقراض، الذي جعل إجمالي رصيد القروض في الإمارات يتجاوز 100% من الناتج المحلي للدولة بالمقارنة مع متوسط 56% في السعودية. فمن الإفراط في الإقراض إلى الإفراط في الامتناع عن الإقراض يظهر تأثير تراجع نمو القروض في الإمارات بالمقارنة مع النمو النسبي للقروض في السعودية.
وأوضح: في الإمارات، قيمة القروض العالقة نتيجة لانخفاض أسعار الأصول العقارية والمالية تحتاج لإضافة كبيرة من القروض لتحريرها، أما في السعودية فإن القروض العالقة قليلة نسبيا، وأي إضافة لقروض جديدة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على الأموال المتاحة لكل أنواع المتاجرة، بما في ذلك المتاجرة بالأسهم. فصافي التدفق النقدي للقروض في الأعوام 2006، 2007 و 2008 كان كبيرا بالمقارنة مع حجم الاقتصاد بمعيار الناتج المحلي، ولكنه أصبح صغيراً بموجب نفس المعيار في الأعوام 2009 و2010 ومن المتوقع أن يتناهى في الصغر في 2011.
