واصلت أسواق الإمارات التداول بقيم منخفضة خلال الأسبوع الماضي، على الرغم من أنها لم تكن الأسوأ اداء بين الأسواق الخليجية، ولا بين الأسواق العالمية.
وذلك لأنها متأثرة بحالة الفراغ المادي والمعنوي الذي تعيشه. ففي الجانب المادي، تخلو أسواق الإمارات، كبقية الأسواق الخليجية، من المستثمرين الذين لم يعد معظمهم من أجازة "صيف ما قبل رمضان"، كما تخلو من الأموال التي يمكن أن تنعش التداولات وتزيد من عمق السوق بسبب إمعان المصارف في حجب القروض واستمرار السياسة النقدية المتشددة، والتي تتضح من خلال ارتفاع قيمة الاحتياطي الإلزامي لدى المصرف المركزي في شهر يونيو.
وفي الجانب المعنوي، وكنتيجة للفراغ المادي، تراجع حماس من تبقى من المتداولين بسبب بطء الحركة في شاشات التداول بالقياس إلى الساعات الأربع التي أصبحت طويلة بما جعل حركة البيع والشراء تتسم بالتثاقل، بحيث أصبح من يريد أن يشتري يخشى من قدرته على البيع، ومن يرغب بالبيع يخشى الا يتمكن من الشراء، خصوصا في ظل ظروف التهويل الإعلامي العالمي لأزمة رفع سقف الدين الأميركي، والتي وإن كانت نهايتها الحتمية تبدو واضحة للجميع، وهي التوصل إلى حل للأزمة، إلا أن الأسواق لا يسعها إلا أن تتفاعل بصورة ايجابية مع الأزمة المرعبة في نتائجها الكارثية إذا ما قرر الكونجرس أن يطبق مقولة "علي وعلى أعدائي".
تقلبات المؤشر والقيمة السوقية
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: في ظل هذه الأوضاع استمرت التقلبات في المؤشر وفي القيمة السوقية تتم وسط غياب شبه كامل للعرض والطلب الحقيقي، الذي يعكس تفضيلات المستثمرين في ضوء أداء الشركات والتحليل الفني القائم على أساس الحركة التاريخية.
فالعرض والطلب يتحركان في فراغ، ويتحددان من قبل عدد محدود من المتعاملين، في ظل غياب المستثمرين وغياب الصناديق والمحافظ، بل وحتى غياب أعداد كبيرة من المضاربين. الأمر الذي يؤدي إلى جعل التغيرات في المؤشر تجري بصورة اعتباطية، خصوصا إذا ما تمت الصفقة على سهم له وزن ثقيل في المؤشر العام. وهذا ما يجعل التغيرات التي تحدث في القيمة السوقية مجرد أرقام لا تعكس الحقيقة.
وتابع التقرير: تراجعت قيم التداولات في أسواق الأسهم والعقار، وكلاهما يعكس تراجع التداولات بصورة عامة في جميع الأسواق، والتي يمكن الاستدلال عليها من خلال سرعة تداول النقد، والتي تقيس حركة التداولات في عموم الاقتصاد.
والتي تعرف على أنها عدد المرات التي تنفق فيها وحدة النقود لإجراء المعاملات أو التداولات خلال فترة زمنية محددة، أو عدد المرات التي يتم فيها دوران الوحدة النقدية (الدرهم) لإتمام المعاملات خلال فترة محددة، كأن تكون سنة أو شهرا. وهي محصلة قسمة الناتج المحلي على عرض النقد الضيق. ورغم كونها نظرية بحتة فإنها تؤشر إلى النشاط الاقتصادي في ظل عرض نقد معلوم بالمعني الضيق. وكلما ارتفع الرقم كلما أشار ذلك إلى ارتفاع الأسعار وتزايد النشاط الاقتصادي.
سرعة التداول تتراجع
وقال الدكتور الشماع: عند استبعاد قطاع النفط الخام من الناتج المحلي للإمارات، وبافتراض معدل نمو سنوي للناتج المحلي بدون نفط قدره 4%، موزع بالتساوي على الأشهر من يناير 2010 وحتى مايو 2011، وباعتماد أرقام الناتج المحلي بالأسعار الجارية بدون نفط للعام 2009 والبالغة 705.5 مليارات درهم، نصل إلى سرعة التداول المتراجعة منذ يناير 2010 ولحد يونيو 2011.
وأضاف: تؤشر سرعة التداول والرقم القياسي للأسعار إلى الأداء الاقتصادي، فكلما ارتفع المؤشران دل ذلك على تحسن النشاط الاقتصادي، مع ملاحظة أن الرقم القياسي يتأثر بسعر الصرف المرتبط بدوره بالدولار الأمريكي، والذي بانخفاضه يرتفع الرقم القياسي للأسعار دون أن يدل ذلك على تحسن النشاط الاقتصادي وقيم التداولات في الاقتصاد.
ولذلك فإن مؤشر سرعة التداول، رغم عدم دقته العالية، فإنه يمكن أن يقدم صورة وإن أولية عن النشاط الاقتصادي أفضل من مؤشر الرقم القياسي للأسعار، والذي يدفعه تراجع الدولار للارتفاع من جهة، فيما يكبحه بقاء أسعار الإيجارات متدنية من جهة أخرى. ورغم عدم التطابق كليا بين مسار المؤشرين بسبب تأثر مسار الرقم القياسي للأسعار بحركة الدولار التنازلية، والتي جعلته يرتفع في الأشهر الثلاثة الأخيرة، إلا أن التقارب في المسارين هو السمة الغالبة.
ويلاحظ الدكتور الشماع أن الرقم القياسي للأسعار في الدولة على علاقة عكسية مع مؤشر الدولار المقاس بسلة العملات الدولية، حيث معامل ارتباط (-0.53) الأمر الذي يعني أن ارتفاع مؤشر الرقم القياسي للأسعار لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع النشاط الاقتصادي، خصوصا في ظل حركة تنازلية لسعر صرف الدولار، والتي تعني انخفاض سعر صرف الدرهم وارتفاع أسعار السلع المستوردة من المنشأ غير الأمريكي. لذلك فان مؤشر سرعة التداول للنقد الضيق أكثر مصداقية من مؤشر الرقم القياسي للأسعار.
الأسهم والأداء الاقتصادي
وقال الدكتور الشماع: مما تقدم يظهر واضحا أن الأداء المتراجع لأسواق الأسهم مرتبط بالأداء الاقتصادي الذي لا يزال متباطئاً على الرغم من صدور العديد من التقارير التي تتوقع نمواً عالياً لاقتصاد الدولة. وهنا تجدر الاشارة إلى أن النمو المدفوع بارتفاع اسعار النفط هو نمو غير مستدام، وأن الإمارات كانت في السنوات السابقة للأزمة المالية العالمية تحقق نموا مستداما بصورة مضطردة، إلا أنها في السنوات التي اعقبت الأزمة تحقق نموا يعتمد على قطاع النفط، سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة.
وأضاف: أولى العقبات التي واجهت ولا تزال تبطئ القدرة على التعافي هي السياسة النقدية المتشددة، والتي لا تقتصر على مباركة تشدد المصارف وامتناعها عن الإقراض من اجل رفع الملاءة المالية للمصارف، بل تذهب إلى حد عرقلة الإقراض والحد من قدرة المصارف على خلق النقود والتوسع في الائتمان، من خلال رفع مكونات القاعدة النقدية سواء في شهادات الإيداع أو في الاحتياطي الإلزامي.
فعلى الرغم من أن المصرف المركزي يعلن في موقعه الرسمي أن الاحتياطي الإلزامي هو 14%، إلا أنه في الواقع يتعامل مع نسبة 18%. وقد أفصح المصرف المركزي يوم الأربعاء الماضي عن بيانات القاعدة النقدية لشهر يونيو، والتي أوضحت ارتفاع الاحتياطي الإلزامي بمقدار 2.2 مليار درهم، وهو مبلغ كبير في تأثيره على قدرة المصارف على خلق النقود والتوسع في الائتمان.
والواقع أن 18%، وهي النسبة الفعلية التي يعمل بها المصرف المركزي للاحتياطي الإلزامي، تشمل الودائع الادخارية إلى جانب الودائع تحت الطلب أو الجارية، مما يجعل الودائع اكبر بحيث تنخفض النسبة إلى قرابة إل 14%. غير أن شمول الودائع الادخارية بنسبة 14% احتياطي إلزامي غير مبررة لا عالميا ولا عمليا.
فعالميا النسبة العالية تفرض على الودائع تحت الطلب، والتي يمكن أن تتقلب بصورة حادة وبما يستوجب الاحتراز لها. عمليا في الإمارات فإن الودائع الادخارية تتمتع باستقرار عال وتزايد بصورة مضطردة دون أي تقلب. وبينما يغالي المصرف المركزي في الاحتياطي الإلزامي، عبر شمول الودائع الادخارية مع الودائع الجارية وتحت الطلب بنسبة 14%، فإنه يقلل الى حد كبير جدا من الاحتياطي الإلزامي على الودائع الثابتة، والتي يشملها بنسبة 1% فقط رغم تقلبها الكبير.
إفصاحات البنوك تكشف التشدد
وتابع الدكتور الشماع: التشدد في الإقراض، الناجم عن السياسة النقدية المتشددة وحجب المصارف للقروض عن الشركات بصورة خاصة، يمكن أن يتجلى بصورة واضحة في افصاحات البنوك رغم عدم اكتمالها. فقد أظهرت بيانات الربع الثاني لإثنى عشر مصرفا أفصحت لحد الآن وللوهلة الأولى وكأنها انعكاسات ايجابية لإجراءات المصرف المركزي الخاصة بالقروض المصرفية والخدمات الأخرى المقدمة للعملاء
الأفراد، والتي بموجبها تأثرت عوائد المصارف من القروض الشخصية وقروض السيارات، وكذلك من السحب على المكشوف. إلا أن الواقع غير ذلك، فقد بدا وللوهلة الأولى وكأن المصارف قد تمكنت من تعويض تراجع عائد العمولات بزيادة في عوائد التمويل. فقد انخفض عائد العمولات والرسوم بمقدار 133.5 مليون درهم بنسبة 7% بالمقارنة مع عائد العمولات في الربع الأول من العام الجاري كنتيجة لتحديد العمولات والرسوم من قبل المصرف المركزي، فيما ارتفع عائد التمويل بمقدار 207.8 ملايين درهم بنسبة 3.4% من قيمة عائد التمويل في الربع الأول.
وهكذا بدا وكأن المصارف قد تمكنت من تعويض اثر قرار المصرف المركزي بتحديد مبالغ العمولات عن طريق زيادة الإقراض وعوائده. غير أن تعويض نقص عائد العمولات تم بصورة خاصة من خلال زيادة الإقراض في ستة مصارف بمقدار 11.1 مليار درهم، حيث قامت هذه المصارف بتخفيض الفائدة التي تتقاضاها ما بين 0.1% لكل من أبوظبي الوطني والخليج الأول، و 1.9% لبنك الشارقة الإسلامي.
في حين قلصت أربعة مصارف قروضها بمقدار 2.9 مليار درهم بالمقارنة مع الربع الأول، ورفع أسعار الفائدة التي تتقاضاها بمقدر يتراوح ما بين 0.1% لدبي التجاري و 1.65% لبنك الإمارات دبي الوطني. وبذلك فقد بلغت الزيادة الصافية في قروض المصارف المفصحة 8.2 مليارات درهم.
وهو رقم يتطابق مع ما اعلنه المصرف المركزي عن الزيادة في القروض بمقدار 8.3 مليارات درهم في الربع الثاني، الأمر الذي يعني ان صافي الإقراض للمصارف التي لم تفصح لحد الآن هو 0.1 مليار درهم فقط. غير أن المهم هو أن النسبة الأعظم من الزيادة في القروض المصرفية جاءت من بنك أبوظبي الوطني بقيمة 9.7 مليارات درهم. وبانتظار ظهور البيانات الإحصائية من المصرف المركزي لشهري مايو ويونيو، والبيانات المالية المكتملة لبنك أبوظبي الوطني.
والتي وحدها يمكن أن تفسر سبب عدم ظهور أثر هذه الزيادة في الإقراض على أداء الأسواق، فإن التكهنات بتوجه هذه الزيادة في الإقراض نحو الكيانات الحكومية، التي قد تكون استخدمتها، إما في استثمارات خارجية أو في تسيد التزامات خارجية، يبقى هو الاحتمال الأرجح. وعلى ذلك، وإذا ما استبعدنا بنك أبوظبي الوطني، فإن القروض تكون قد تناقصت بحوالي 1.6 مليار درهم لبقية مصارف الدولة. وبالأخذ في الاعتبار أن بنك أبوظبي الوطني كان قد اقرض 76% من الزيادة في القروض في الربع الأول للحكومة والقطاع المصرفي والقطاع العام، فليس من المتوقع أن تكون الزيادة في قروضه للربع الثاني قد ذهبت للشركات والأفراد في القطاع الخاص.
غياب المنافسة بين المصارف
وقال الدكتور الشماع: يترتب على السياسة النقدية المتشددة، التي تقلل من قدرة المصارف على خلق النقود، غياب المنافسة بين المصارف، والتي تقود إلى خفض أسعار الفائدة. والواقع هو أن أسعار الفائدة ليست تنافسية، وهي بعيدة تماما عن ان تكون كذلك. فبين 5.35% كمتوسط لسعر الفائدة على مختلف أنواع القروض التي يتقاضاها بنك أبوظبي الوطني و13.3% و13.4% التي يتقاضاها كل من بنك رأس الخيمة وبنك الشارقة الإسلامي على التوالي، فارق كبير لا يدل على وجود تنافس.
وهو أمر ناجم بالتأكيد عن شح السيولة النسبي لدى المصارف، بحيث لا تتنافس فيما بينها على اقتناص فرص التوظيف للأموال. إن الحد من قدرة المصارف على خلق النقود عبر رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي احد العوامل المهمة في تقليص السيولة المتاحة للمصارف، وبالتالي استمرار ارتفاع أسعار الفائدة للقروض.
