أكد المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع أن الحاجة الملحة لسياسة نقدية نوعية توسعية، تسهم في رفع مستوى تداولات السوقين المالي والعقاري في الدولة، واللذين انخفضت قيمة تداولاتهما بنسبة 80% و90% بالمقارنة مع تداولات فبراير 2008 على التوالي. مشيراً إلى أن تلك السياسة يجب أن تتوسط مرحلتي الإفراط في الإقراض والإفراط في التشدد. وأن خطط التحفيز يجب أن تنصب على العقار بالاستعانة بقطاع المال كقوة دافعة له.
وأشار التقرير الأسبوعي للشركة حول أسواق الأسهم المحلية إلى أن أداء الأسواق الأسبوع الماضي تأثر بالعديد من العوامل السلبية والتي تخللها بعض العوامل التي تثير الأمل في التحسن. غير أن العوامل السلبية هي التي قادت الاتجاه العام نحو تراجع المؤشر كمحصلة لمعظم أيام الأسبوع بالمقارنة مع إغلاق الأسبوع السابق مع استمرار تدني قيم التداول. فإلى جانب التأثير السلبي الذي تركه تأجيل الانضمام إلى مؤشر مورغان ستانلي على حماس المستثمرين والمحافظ والصناديق في الأسواق المحلية، واقتراب موسم السفر والعطلات وشهر رمضان، فقد اثر الأداء الاقتصادي العالمي المتدهور وما يحمله من أخبار سلبية، سواء فيما يتعلق بأزمة ديون أوروبا أو بسقف الدين الأميركي، على أداء الأسواق المحلية، وعمق تراجع مؤشراتها وقيم تداولاتها.
عوامل سلبية دولية
وفيما يتصل بالديون الأوروبية كتب الدكتور الشمّاع في تقريره الأسبوعي: بين آمال الحل الأوروبي، وعدم التوصل إلى اتفاقات بين الأطراف المعنية، مع ما ترشحه الأخبار من احتمالات عجز اليونان عن سداد ديونها، وتخفيض فيتش تصنيف الديون السيادية اليونانية بالعملتين المحلية والأجنبية على الأمد الطويل ثلاث درجات، فقد تقلبت الأسواق العالمية انخفاضاً وارتفاعا نتيجة لما يثيره ذلك من فزع في الأوساط المالية العالمية والإقليمية والمحلية، خشية من أن تنعكس تداعياته على كل بلدان العالم، وبالأخص على تلك المثقلة بالديون، والتي تسعى وتتطلع لأسواق المال العالمية لتسويق السندات والحصول على السيولة التي تمكنها من إعادة الهيكلة. وذلك بالإضافة إلى الأزمة الكلامية التي نشبت بين دول الاتحاد الأوروبي ووكالات التصنيف الائتماني، والتي تعكس صراعاً خفيا بين أوروبا والولايات المتحدة.
الخشية من العجز الأميركي
وقال الدكتور الشمّاع: غير أن الخشية من عجز الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها فيما لو لم يتم الاتفاق داخل الكونغرس على رفع سقف الديون الأميركية، تعتبر من أهم عوامل القلق، وخصوصا لدول مثل الصين، التي تصل قيمة احتياطياتها الدولارية إلى تريليون دولار. ورغم أن تهديد وكالة موديز بخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة لا يعدو كونه أداة ضغط على الكونغرس من قبل وكالة التصنيف لدفع الجمهوريين والديمقراطيين لإنهاء خلافاتهم سريعا قبل حلول الثاني من أغسطس، للتوصل إلى اتفاق بشأن رفع سقف الدين العام الأميركي، إلا أن هذا التهديد قاد الدولار للتراجع إلى أدنى مستوياته أمام العديد من العملات العالمية. وفي ظل تلاطم المعطيات السلبي منها بالايجابي، ظل ما تبقى من متداولين في الأسواق المحلية يراهنون على اقتناص الفرص التي تسعفهم بجني أرباح متواضعة من تداولات بطيئة ومملة لا تثير الحماسة إلا مع جرس الافتتاح، حيث يحاول البعض أن يحظى بالصيد غير السمين، سواء من خلال التسابق على البيع أو الشراء.
استنهاض الأسواق
وأضاف الدكتور الشمّاع : في الوقت الذي تحسن فيه أداء معظم الأسواق العالمية، رغم توقف هذا التحسن منذ قرابة الشهرين بسبب المشكلات التي اشرنا إليها أعلاه، فإن أسواق المنطقة، وبالذات أسواق الدولة، لا تزال تراوح في مكانها منذ ما يقارب الثلاث سنوات، فيما تعافت معظم الأسواق العالمية وحققت قفزات كبيرة بفضل السياسات النقدية التي تمكنت من تحفيز النمو عبر استنهاض أسواق الأسهم.
وأوضح قائلاً: في الولايات المتحدة، ومنذ الربع الرابع من العام 2010 ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 3.2%، وقفز نمو المبيعات النهائية إلى 7.1%، وكان الارتفاع القوي في الإنفاق الاستهلاكي المحرك الرئيس للزيادة في المبيعات النهائية. بيد أن الارتفاع في الإنفاق الاستهلاكي لم يكن راجعا إلى زيادة فرص العمل أو تسارع نمو الدخل. بل إنه كان يعكس هبوطا في معدل الادخار الشخصي. والذي يعود بدوره للارتفاعات الحادة التي سجلتها سوق الأوراق المالية الأميركية، والتي عاودت الارتفاع الى مستويات ما قبل الأزمة المالية، ولعل الفضل في ذلك يعود للتيسير الكمي، والذي بموجبه يشتري بنك الاحتياطي الفيدرالي كميات كبيرة من سندات الخزانة طويلة الأجل، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى حث حاملي السندات على تحويل ثرواتهم إلى أسهم.
وبالتالي فإن الزيادة الناتجة في أسعار الأسهم أدت إلى زيادة ثروات الأسر وإشعارها بالإثراء، إن لم يكن قد زاد من ثرواتها بالفعل، وأن تقدم دفعة قوة للإنفاق الاستهلاكي. وفي الأسبوع الماضي أعلن رئيس الفدرالي الأميركي استعداد البنك الفدرالي لبدء جولة ثالثة من التيسير الكمي والتي من المتوقع أن تعطي دفعة جديدة لأسواق الأسهم الأميركية في الوقت الذي تحفز الاقتصاد والنمو. وربما ورغم كل الدلائل على ضرورة الاقتداء بالأسلوب الأميركي والذي أصبح عالميا، فإن التيسير النوعي للسياسة النقدية في الدولة بات الموضوع الأكثر إلحاحا والأقل جدلية من التيسير الكمي. فالسياسة النقدية في الدولة تتسم بالتشدد النوعي، وخصوصا فيما يتعلق بأسعار الفائدة الاسترشادية "شهادات الإيداع".
تباين هياكل الاقتصاد
وقال الدكتور الشمّاع: بالرغم من تباين هيكل الاقتصاد الإماراتي والأميركي من حيث إن القوة الدافعة في الأخير هي القطاع الاستهلاكي، فيما القوة الدافعة في الاقتصاد الإماراتي والخليجي هي القطاع العقاري، وبما يعني أن خطط التحفيز يجب أن تنصب على القطاع العقاري بالاستعانة بقطاع المال كقوة دافعة له. إن معاناة الأسواق كافة تتزايد بصورة متواصلة نتيجة لتعاظم تراجع قيم الأصول المالية والعقارية، حيث تتراجع قيم التداولات في أسواقهما بصورة متواصلة وملحوظة. من هنا تبرز الحاجة الملحة لسياسة نقدية نوعية توسعية تسهم في رفع مستوى تداولات السوقين المالي والعقاري والتي انخفضت قيمة تداولاتهما إلى 80% و 90% بالمقارنة مع تداولات فبراير 2008 على التوالي لكل من عقارات دبي وأسواق الأسهم.
وأضاف: في هذا الوقت تستمر المؤشرات النقدية والمصرفية في أدائها المعاكس في اتجاهه لاتجاه الدورة الاقتصادية. فالقروض المصرفية ذات الارتباط الطردي القوي مع قيم التداولات في سوقي العقار والأسهم في تراجع نسبي مستمر بالقياس إلى النمو في الودائع التي تتسم بالنمو المتواصل والاستقرار دون أي تراجع إذا ما استبعدنا الودائع الحكومية المتذبذبة. والتراجع النسبي للقروض يؤدي بدوره إلى نمو السيولة لدى المصارف التي تتجه نحو شهادات الإيداع وبما يسهم في اتساع القاعدة النقدية. ونمو القاعدة النقدية يقود بدوره إلى تراجع المضاعف النقدي الضيق والذي يقلل بدوره من مقدرة البنوك على خلق النقود والتأثير على حجمها داخل الاقتصاد الوطني حيث يتم ذلك من خلال تباطؤ خلق الودائع تحت الطلب والائتمان عبر البطاقات المدينة. وهكذا فنحن أمام علاقة من [السبب - والنتيجة والسبب] بحيث توجد حلقة مترابطة بين تراجع الإقراض المصرفي وتراجع قدرة المصارف على التوسع في خلق النقود وبالتالي زيادة الائتمان وبما ينعش قيم تداولات وأسعار الأصول المالية والعقارية.
التراجع النسبي للقروض
التراجع النسبي للقروض لا يعود إلى التشدد المصرفي والسياسة النقدية المتشددة فحسب. وإنما يعود أيضا إلى تراجع الطلب على الاقتراض والذي بدوره يعود لارتفاع أسعار الفائدة والتي تؤدي إلى تناقص الجدوى الاقتصادية للمشاريع الممولة كليا أو جزئيا بالقروض. وهذا ما يفسر استمرار تراجع نسبة القروض إلى الودائع لما دون الـ 100% منذ بداية العام الحالي. فبعد أن ظلت القروض تشكل نسبة تزيد على 100% من الودائع منذ أغسطس 2008 وحتى سبتمبر 2010 فقد تراجعت إلى أدنى مستوياتها في شهر مايو الماضي إلى 93.34% وذلك لأن الزيادة في الودائع تسارعت منذ اكتوبر 2010 بأسرع من القروض والتي تكاد تكون قد استقرت خلال هذه الفترة بحيث لم يتجاوز نمو القروض في هذه الفترة نسبة 1% بالمقارنة مع شهر سبتمبر 2010 فيما وصل نمو الودائع في نفس الفترة إلى أكثر من 11% بالمقارنة مع الودائع في شهر سبتمبر 2010.
وودائع الأفراد والمؤسسات عدا الحكومة في تزايد مستمر ومن النادر أن تتراجع إلا في حالات قليلة الحدوث عندما يقوم أفراد أو مؤسسات بسحب ودائعهم من الداخل وتوظيفها في خارج الدولة. ولهذا فإن التغير في الودائع يأتي في اغلب الأحيان نتيجة لتغير الودائع الحكومية.
والودائع الحكومية عالية التذبذب خلال فترات قصيرة وهو ما يفقدها جاذبيتها للمصارف التي تستهدف في العادة الودائع التي تتمتع باستقرار عال فخلال الفترة من نهاية 2008 إلى ابريل الماضي وهي اقل من عامين ونصف رسمت الودائع الحكومية أربعة قيعان رئيسية ولم تتمتع بالاستقرار النسبي سوى في الفترة ما بين أكتوبر 2010 وفبراير 2011. هذه الخاصية للودائع الحكومية تتقاطع مع ما تتذرع به المصارف من أن الودائع الحكومية هي المتحكم الرئيسي بأسعار الودائع في السوق المحلية، حيث إن المؤسسات الحكومية تعتمد مبدأ المزايدة في المفاضلة واختيار البنوك التي ستودع فيها أموالها بناءً على السعر الأكبر الذي تقدمه هذه البنوك، الأمر الذي يستدعي من البنوك رفع الأسعار المقدمة لهذه المؤسسات بغية جذب ودائعها التي غالباً ما تكون طويلة أو متوسطة الأجل. وفي الحقيقة فإن حوالي 40 مليار درهم من الودائع الحكومية غير مستقرة وتتقلب بصورة متواصلة.
وبالتالي فإن الودائع الحكومية المستقرة لا تشكل سوى نسبة 23% من ودائع الأفراد والمؤسسات والتذرع بان ما يقدم لها من فوائد يرفع كلفة الإقراض أمر مناف للواقع والأرقام التي ينشرها المصرف المركزي. فالهدف من هذه الادعاءات هو الضغط على المؤسسات الحكومية لكي تودع أموالها بأسعار الفائدة التي تعرضها المصارف وليس التي يتم المساومة عليها مع المصارف. وحتى لو افترضنا أن الودائع الحكومية تستحصل على فوائد أعلى مما يحصل عليه الأفراد والمؤسسات غير الحكومية فإن هذه الزيادة لن تخص سوى نسبة 23% من الودائع، وبافتراض أنها أعلى بنسبة 1.5% من الفوائد المدفوعة للأفراد والمؤسسات، فإنها لن ترفع أسعار فائدة الإقراض الكلي سوى بنسبة 0.5%، وواقع الحال فيما يتصل بأسعار الفائدة التي تتقاضاها المصارف من المقترضين هو غير ذلك.
الفائدة المرتفعة على القروض
وتجعل أسعار الفائدة المرتفعة على القروض وفي ظل استمرار تراجع الإيجارات العقارية من الاستثمار العقاري لأغراض التأجير غير مجد. خصوصا وفق أسلوب القسط الثابت الذي تتبعه المصارف في احتساب أسعار الفائدة على القروض العقارية والذي لم يشمل بالنظام الذي أصدره المصرف المركزي والقاضي باحتساب الفائدة على قروض السيارات والسحب على المكشوف والقروض الشخصية وفق أسلوب القسط المتناقص. وفي ظل احتساب الفوائد بأسلوب القسط الثابت، تزول الجدوى الاقتصادية والمالية من الحصول على قرض يسدد خلال عشرين سنة لبناء أو شراء عقار لغرض التأجير إذا كانت الأقساط الشهرية واجبة التسديد للمصرف لأصل القرض وفوائده أعلى من العائد الذي يدره الإيجار خلال العمر الافتراض للعقار وهو 20 عاما.
وقد وجدنا في حالة افتراضية لاستثمار عقاري بعائد 9% من قيمة العقار أرضا وبناء هي اقل من مجموع المبالغ المسددة لأصل قرض بقيمة 20 مليون لمدة عشرين عاما عندما تحتسب الفائدة على أساس القسط الثابت بقيمة 4.5% مثلا حيث تصل قيمة الفوائد المسددة مع أصل القرض إلى ما يزيد كثيرا على العائد المتأتي من ايجار العقار سواء على المستوى الشهري (-8333) او على مستوى العمر الافتراضي للعقار (-2000000). من هنا فإن الطلب على القروض لأغراض الاستثمار الايجاري قليل ونادر وهو ما يعمق من تراجع الأسعار العقارية التي يمكن أن تشهد مزيدا من التراجع بسبب دخول وحدات جديدة إلى الأسواق. من هنا يمكن القول إن تضافر ارتفاع أسعار الفائدة مع سياسة الحذر والتشدد المصرفي يقفان وراء التراجع النسبي للقروض بالقياس الى الزيادة المطردة في الودائع.
