فيما يستمر التحسن في مستويات السيولة في الاقتصاد، تواصل أسواق الأسهم المحلية تداولات متدنية في القيمة والحجم بتقلبات كبيرة في المؤشر تعبر عن خلو الأسواق من المتداولين.

 فمن جانب تقلب المؤشر بين الارتفاع والانخفاض لم تعد له أهمية في التأثير على القيمة السوقية وبالتالي على ثروات حملة الأسهم. فالمؤشر العام لسوق الامارات يسير داخل نفق أفقي منذ ثلاث سنوات تقريبا بحيث لم يعد أحد يكترث لارتفاعه لإدراك الجميع أن وراء الارتفاع هبوطا الى المستوى السابق او الاسبق.

ولكن ايضا وراءه عودة لنفس الارتفاع. ومن جانب اخر فإن الحركة المتثاقلة لشاشات التداول تمارس بدورها تأثيرا طاردا للمتداولين لنكون أمام علاقة سببية بين تناقص أعداد المتداولين نتيجة غياب الحافز وبين تثاقل أداء الأسواق وبطء حركة التداول. فاحدهما يؤثر في الاخر سلبيا لتصل قيم التداول إلى مستويات متدنية خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من الأسبوع الماضي لما دون 200 مليون درهم لسوقي دبي وأبوظبي معاً.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: لعل مما يعمق من تباطؤ التداولات وإشاعة الملل بين المتداولين، ويقود إلى تناقص أعدادهم، تراجع قيمة الصفقات التي وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية في شهر يونيو الماضي، والتي تواصل تراجعها في يوليو الحالي. إن استمرار تراجع المتوسط الحسابي لقيمة الصفقة الواحدة يؤشر إلى تناقص قابلية التسييل وعسر عمليات التداول، وهو ما يدفع المستثمرين والمضاربين للبقاء خارج الأسواق.

فبعد أن كان المتوسط الحسابي لقيمة الصفقة الواحدة يتجاوز المائتين ألف درهم في يناير 2008 فإنه من المتوقع أن يصل الى أقل من 60 ألف درهم في يوليو الحالي إذا ما استمرت قيم التداول في التراجع على نفس وتيرة الأربعة ايام الأولى من الشهر، وإذا استمر عدد الصفقات المبرمة في التراجع. ويعني تراجع متوسط قيمة الصفقات ان المستثمر أو المضارب لن يتمكن من البيع والشراء لكل ما لدية أو كل ما يرغب به من أسهم عند السعر المستهدف، وعليه أن يجزئ صفقاته، وبما يبعده عن الأسعار المستهدفة، سواء وفق التحليل الفني أو التحليل الأساسي.

آخر بيانات «المركزي»

ويؤكد الدكتور الشمّاع أن اخر البيانات التي صدرت عن المصرف المركزي تعزز بصورة لا تقبل الشك حقيقة العلاقة بين الإقراض المصرفي وبين أداء السوق، فبيانات شهري ابريل ومايو زادت من قوة معامل الارتباط الموجب بين القروض الشهرية للمقيمين وبين مؤشر السوق الذي ارتفع من 0.869 إلى0.8708 لتتأكد حقيقة أن تراجع الإقراض المصرفي على المستوى الشهري يغير المؤشر العام لأسواق الإمارات في 87% من الحالات بنفس الاتجاه.

وقال: المعضلة، والتي هي مفارقة واضحة في ذات الوقت، هي أن التشدد في الإقراض لا يتناسب مع استمرار تحسن مستويات السيولة في الدولة، والتي يؤشرها التراجع المستمر لسعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور)، خصوصا لمدة اسبوع، والذي عكس وفرة السيولة لدى المصارف، وقد تراجع الإيبور في يوليو بصورة كبيرة.

وأوضح: لعل المقارنة بين الإيبور - أسبوع والليبور دولار- أسبوع (سعر الفائدة الخارجي) تؤشر إلى مدى تحسن السيولة في الاقتصاد الإماراتي، فقد تراجع الفرق إلى مستويات مقاربة للصفر. وبالرغم من تراجع فرق الآجال الأخرى إلا أن تراجعها يبقي أقل من تراجع فرق أجل أسبوع كون الآجال الأخرى تتصل بفرق أسعار الفائدة المرجعية.

والتي يحددها البنك الفدرالي في الولايات المتحدة ما بين الصفر وربع النقطة المئوية، ونظام المزاد في الدولة، وبما يجعلها أعلى من سعر الفائدة المرجعي الأميركي. وارتفاع سعر الفائدة المرجعي لشهادات الإيداع يجعل المصارف تقدم أسعار فائدة أعلى على الودائع من أسعار الفائدة التي تحصل عليها الودائع في الولايات المتحدة، وهذا يؤدي بدوره إلى ارتفاع سعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة للآجال الأكثر من أسبوع.

سلبية المصارف

وأضاف الدكتور الشمّاع: المصارف لم تبد حتى الآن تجاوبا قويا للتحسن في مستويات السيولة، التي يؤشرها الإيبور باعتباره المرآة التي تعكس الحاجة للسيولة، لكونها لا تزال تفضل التوظيف في شهادات الإيداع ذات العائد الذي تحدده بنفسها من خلال آلية المزاد، والتي تعتبر الفرصة البديلة للإقراض لتوظيف الودائع. فطالما كان العائد على شهادات الإيداع مرتفعاً دون أية مخاطر، كما هو الحال عند إقراض الأفراد والمؤسسات، فإن المصارف تذهب عند وفرة السيولة إلى هذا الأسلوب في التوظيف المالي. وفي ظل غياب الحاجة للسيولة.

وفي ظل ارتفاع مخاطر الإقراض، فإن أسعار الفائدة على الودائع تكون منخفضة جدا، كما هو الحال الآن في الدولة. لذا فإن المصارف لا تجد ضيرا من التوظيف في شهادات الإيداع بدلا من الإقراض. ويدل تزايد الودائع بصورة أسرع من زيادة القروض، حيث ارتفعت الودائع شهر مارس الماضي بنسبة 2.4% بالمقارنة مع شهر فبراير السابق عليه، فيما تراجعت القروض بنسبة 0.1%، أو تراجع الودائع بأقل من تراجع القروض، كما في شهر مايو الماضي، على ان المصارف غير مكترثة لأوضاع السيولة في الأسواق، وغير مكترثة للنهوض بمسؤوليتها في تحقيق التطور والنمو.

ويلاحظ الدكتور الشمّاع عدم وجود ارتباط موجب بين تغير الودائع وتغير القروض. ويقول: المفروض ان الزيادة في الودائع تؤدي إلى زيادة في القروض. فجوهر عمل المصارف هو الوساطة بين المدخرين والمستثمرين من خلال جمع الادخارات وإعادة إقراضها.

والقول إن مستوى القروض المقدمة مناسب في مثل هذه الظروف، هو أمر مجاف للحقيقة. فسعر الفائدة المرتفع الذي تفرضه المصارف في ظروف التباطؤ الاقتصادي وتراجع معدلات النمو كابت للنمو ويسير على عكس التيار. إن السياسات النقدية في أي مكان في العالم تسعى للتخفيف والتيسير النقدي في ظل ظروف التباطؤ والركود. وعلى عكس ذلك، فإن المسيرة النقدية والمصرفية في الإمارات تفرض التشدد في ظروف التباطؤ وبما يزيد من الطين بلة.

تراجع الودائع

وقال الدكتور الشمّاع: البيانات التي أوردتها النشرة الإحصائية الصادرة عن المصرف المركزي لشهر ابريل، والتي تشير إلى تراجع الودائع لأول مرة منذ نهاية العام الماضي، تعكس ظاهرة ملفتة للنظر لا بد من متابعتها من السلطة النقدية، التي لديها سلطة الرقابة على المصارف، بهدف تشخيص أسباب النزوح المالي والاقتصادي للأموال المودعة في المصارف، ومعالجة تلك الأسباب، خصوصا وأن المرحلة التي يمر بها اقتصاد الدولة تتطلب المزيد من إجراءات التحفيز.

كما أن خروج السيولة إلى خارج الدولة سيعمق أصلا مشكلة تسديد الديون الخارجية، والتي تؤثر في السيولة المحلية. إن خروج السيولة (الودائع) خارج الدولة يمارس أثرا مماثلا لأثر احتجاز السيولة في خزائن المصرف المركزي. وخلال شهر مايو فإن المصارف لم تكتف بتقليص القروض بقيمة 5.4 مليارات درهم، وإنما أيضا زادت من شهادات الإيداع بمقدار 1.2 مليار درهم.

وأضاف: ان التراجع في الودائع الذي أظهرته بيانات شهر مايو فيما لم يتوقف الإيبور عن التراجع يعني أن السيولة مستمرة بالتدفق، خصوصا على المصارف ذات التأثير المهم في تراجع الإيبور، وهي التي تعرض اسعاراً متوسطة ومعتدلة، فيما يحتمل ان تكون ودائع اكبر قد تم سحبها من التي تعرض اسعار إيبور عالية، والتي تستبعد عروضها عندما تكون أعلى عرضين من قائمة العروض التي يحتسب معدلها.

وتابع قائلاً: فيما يقوم مقيمون بزيادة ودائعهم يقوم آخرون بسحب الودائع من المصارف بحثا عن فرص للاستثمار خارج الدولة. فظاهرة تراجع الودائع نادرة الحدوث، دون أن يكون هناك نزوح اقتصادي ومالي، كونها تتعارض والمنطق الاقتصادي والواقع السياسي المستقر والآمن للدولة.

فمن غير الوارد أن يرتفع الاستهلاك بصورة مفاجئة لدرجة أن المدخرين يسحبون من ادخاراتهم السابقة. التفسير الوحيد هو أن بعض المؤسسات المودعة تقوم بسحب ودائعها لغرض شراء حصص في استثمارات خارجية، أو إيداع أموالها في مصارف خارج الدولة، في وقت أدى استمرار التزايد في الودائع لدى المصارف المؤثرة في سعر الإيبور الى استمرار تراجعه.

مراجعة سياسة أسعار الفائدة

وقال الدكتور الشمّاع: في جانب السياسة النقدية فإن مراجعة سياسة أسعار الفائدة اصبحت أمراً ملحاً بصورة كبيرة. والواقع ان السلطة النقدية، وربما بسبب ارتباط العملة بسعر صرف ثابت بالدولار، لن تتبنى سياسة حازمة تجاه أسعار الفائدة، وقد فضلت تأشير السعر من خلال سعر الفائدة على شهادات الإيداع. هذا الأسلوب قليل الفاعلية، يعطي مجرد مؤشر غير ملزم للمصارف في تحديدها لأسعار الفائدة، ناهيك عن أنه يخلق هوة كبير بين سعر الفائدة للإيداع وسعر الفائدة للإقراض. وقد شهدنا أن بعض المصارف التي تعاني من شح في السيولة في فترات سابقة كانت قد لجأت إلى تقديم إغراءات كبيرة في مجال سعر الفائدة على الودائع الزمنية تجاوزت في بعضها 6%.

ولا شك أن هذه الأسعار ترفع أيضا أسعار الفائدة على الإقراض. من جانب اخر فإن مؤشر سعر الفائدة على شهادات الإيداع المرتفع يشجع المصارف على الاستثمار بهذه الأداة الآمنة، ويشجعها على المزيد من التشدد في الإقراض. إن المنهج الحالي للسياسة النقدية لا يزال يبعث برسائل مغلوطة لا تشجع المصارف على التوجه نحو الإقراض.

حيث لا تزال الأدوات الأساسية للسياسة النقدية تعمل باتجاه توظيف السيولة المصرفية في شهادات الإيداع بدلا من الإقراض. السياسة النقدية في الدولة ورغم الأزمة المالية لم تحرك ساكناً لتيسير الأوضاع النقدية. فقد حافظت على التشدد من خلال تشجيع المصارف على التوظيف في شهادات الإيداع. وليس أدل على ذلك من ارتفاع السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي، والمتمثلة بالقاعدة النقدية التي وصلت في مايو الماضي الى 230.6 مليار درهم، أسهمت في انخفاض المضاعف النقدي المؤثر في قدرة المصارف على خلق نقود الودائع والتوسع في الائتمان.

تأشيرة مستثمري العقار

وتابع الدكتور الشمّاع قائلاً: إن قرار مجلس الوزراء القاضي بتمديد تأشيرة مستثمري العقار الى ثلاث سنوات أعطى أشارة بداية النهاية لأزمة اقتصادية ومالية عصفت بالدولة طيلة ثلاث سنوات، فهو يشكل خطوة ستساعد المصارف نحو العودة للإقراض العقاري، ولكنه بحاجة الى دعم من السلطة النقدية فيما يتعلق بالفائدة على شهادات الإيداع ونظام المزاد المعمول به.

فالمصارف في ضوء القرار الجديد ستشعر بأمان اكبر في مجال تمويل القروض العقارية. فالمشكلة في السابق تمثلت في كون المصارف كانت تأخذ الحذر من اي تمويل لشراء عقار، طالما تتوقع انه سيمعن في التراجع. فالقرض يتطلب رهنا للعقار المشترى.

والذي يشكل ضماناً للقرض في حالة عدم التسديد، ولذلك فإن المصارف تتحسب لانخفاض قيمة العقار الضامن للقرض، وبالتالي فإذا ما وافقت على تمويل قرض عقاري، فإنها لا تمول سوى بمقدار يساوي قيمة العقار في حالة انخفاضه مستقبلا. فإذا كانت قيمة عقار ما تساوي مليون درهم فإن المصرف مع اخذ اسوأ احتمال لتراجع قيمته مستقبلا لا يمول سوى 50% من قيمة الشراء.

وفي هذه الحالة لا يتمكن احد من شراء العقارات. من جانب اخر وطالما أن قيمة العقارات كانت في تراجع مستمر فإن المستثمر الأجنبي والمحلي الذي لديه السيولة الكافية يتردد في الشراء طالما أنه يتوقع مزيداً من التراجع في أسعار العقارات، وبالتالي فهو يفضل الانتظار على الشراء الفوري. الآن وبعد أن يستقر العقار عند القاع خلال الأشهر القادمة ننتظر من صناع السياسة النقدية خطوة مماثلة لخطوة مجلس الوزراء لتعقبها بعد انضمام اسواق الدولة لمؤشر مورجان ستانلي في نهاية العام زوال سقف النفق الذي كان يحول دون ارتفاع مؤشرات اسواق الإمارات وبدء مرحلة جديدة من الأداء الجيد.