كان التجاوب سريعاً وجيداً لأسواق الأسهم المحلية يوم الأربعاء الماضي مع قرار مجلس الوزراء بتمديد تأشيرة مستثمري العقار الى ثلاث سنوات. وذلك بعد أن ظلت الأسواق خلال الايام الثلاثة الأولى من الأسبوع ترزح تحت ضغط قرار تأجيل الانضمام لمؤشر مورجان ستانلي والذي كشف عن عمق مشكلات السيولة التي تواجهها الأسواق حيث واصل المعدل اليومي لقيم التداول التراجع مؤثرا في أداء المؤشر العام والذي تراجع هو الأخر. فمن حيث قيم التداول تراجعت في الأيام الثلاثة الأولى بنسبة 16.5% عن الأسبوع السابق والذي كان أصلا قد تراجع بنسبة 6.2% عن الأسبوع الذي قبله.

وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع: أكد هذا التجاوب عمق استيعاب قسم من المتداولين للمشكلة التي تعاني منها الأسواق المحلية والتي ظلت تكبت حدوث اي ارتفاعات وهي مشكلة تزامن تراجع سوق العقار وسوق الاسهم. فطيلة الحقبة التي تلت وصول الأسواق المحلية والعالمية إلى القاع في فبراير 2009 بقيت اسواق الإمارات تسير في نفق أفقي. فتتلوى صعوداً مرتطمة بسقف النفق عند أقل من 3000 نقطة وهو تسييل المستثمرين العقاريين، وهبوطيا فتصطدم بقاع النفق عند اقل من 2250 نقطة وهو تمسك المستثمرين غير المدينين بأسهمهم وثقتهم بإمكانية ارتدادها في المستقبل.

وبفعل تفاؤل هذه الشريحة من المتداولين تمكن السوق من تحقيق ارتفاعات قوية لم تصمد أمامها سوق أبوظبي للأوراق المالية طويلا. ربما لاعتقاد بعض المستثمرين ان مشكلة العقار وحدتها تتعلق بدبي دون أبوظبي وحتى في دبي فان السوق المالي قلص مكاسبه نتيجة اقتناع البعض بأن اثار وانعكاسات القرار على أسواق الأسهم ستستغرق بعض الوقت. إضافة إلى كونها تحتاج لإسناد من السيولة المحلية الضعيفة.

 

كسر سقف النفق

وكتب الدكتور الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول الأسواق المحلية: سيتم كسر سقف النفق عندما يتوقف التسييل في كل مرة تظهر فيها محفزات للارتفاع. حيث لن يكون هناك سبب لقيام العالقين في العقار بتسييل أسهمهم. كما ستتريث المصارف في تسييل الأسهم المرهونة طالما لم تظهر ضغوط بيعيه توقف عملية الصعود. غير أن ارتفاع وتحسن أسعار العقار لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد فقط على المستثمرين الأجانب الراغبين في الإقامة في الدولة. وقد يساعد قرار تمديد التأشيرة لثلاث سنوات على وصول السوق العقارية إلى القاع والاستقرار عندها لثلاثة اشهر متتالية على الأقل قبل أن يبدأ تأثيره على المستثمرين الأجانب في الظهور. وهنا لابد للسيولة المحلية والاستثمار المحلي أن يلعب الدور المكمل في نهوض أسعار العقارات.

فتراجع الاستثمار المحلي لعب الدور الرئيسي في تراجع أسعار العقار. ومعلوم أن تراجع أسعار العقار جاء نتيجة لتراجع الإقراض المصرفي والذي أدى إلى تزامن تراجع تداولات العقارات وتداولات أسواق الأسهم. وقد كان معامل الارتباط موجباً قوياً بمقدار 0.86 خلال الفترة من بداية 2008 وحتى الوقت الحاضر. وهي فترة سنتين ونصف كافية لأن تثبت وجود ترابط قوي بين اداء اسواق الاسهم واسواق العقار. ومن هنا ايضا يمكن القول ان ارتفاع الأسهم يوم الأربعاء الماضي عبر عن فهم لطبيعة المشكلة التي تواجه الأسواق.

 

حلقة تبدأ وتنتهي بالمصارف

وأضاف الدكتور الشمّاع: السيولة المحلية والاستثمار المحلي في العقار لن يستطيعا أن يسهما إلى جانب قرار التمديد للتأشيرة الخاصة بالمستثمر العقاري في حل المشكلة. فعندما يتهرب في البداية قلة من الأفراد والمؤسسات بعضها من الأخر في تسديد مستحقات فإن الحلقة تبدأ بالاتساع شيئاً فشيئاً لتشل بعد ذلك الحياة الاقتصادية. ولولا أن الإمارات دولة نفطية ولديها موارد ريعية تعويضية لكان الأثر لهذه الظاهرة كارثيا. ورغم ذلك فقد ظهرت دورة مغلقة في الاقتصاد من الدائنية والمديونية. وهذه الدورة هي حلقة تبدأ وتنتهي بالمصارف.

وأوضح: من منظور كلي للاقتصاد، وفي النظام المالي المعاصر، فإن الجزء الأعظم من السيولة المتداولة يمر عبر المصارف، حيث إن تسوية المعاملات والمبادلات في غالبيتها العظمى تمر إما عبر الشيكات أو عبر بطاقات الدفع الدائنة أو المدينة. والنسبة من المعاملات والمبادلات، التي تتم دون المرور بالمصارف ومن خلال الدفع النقدي، منخفضة.

وحتى هذا النوع من المعاملات يتم بصورة غير مباشرة عبر المصارف. وفي الإمارات، حيث النظام المصرفي قطع شوطا هائلا من التطور، فإن كل الأجور والمستحقات المالية تذهب إلى مستحقيها عبر المصارف. وكلما تطور الوعي والعادات المصرفية ازدادت هيمنة المصارف على السيولة في الاقتصاد.

 

الوجه الآخر للدخل القومي

وتابع الدكتور الشماع قائلاً: إن الناتج المحلي الإجمالي هو الوجه الآخر للدخل القومي الإجمالي (مع فارق بسيط يتصل بصافي حصة عناصر الإنتاج الأجنبية في الداخل والوطنية في الخارج). وكما يظهر من البيانات فإن الودائع قد بلغت نسبة 90% من الناتج المحلي. وبما أن هذا الأخير يقل بحوالي 12 مليار درهم كمتوسط حسابي تاريخي، فإن الودائع يمكن أن تتجاوز بنسبة بسيطة جدا الناتج المحلي للدولة في العام 2011، ولكنها في كل الأحوال لا يمكن أن تتجاوز رقم الدخل القومي الإجمالي للدولة، غير أن إجمالي الودائع، بما فيها غير المقيمة، يمكن ان يتجاوز رقم الدخل القومي.

ومن خلال ما تقدم يتضح الدور المهيمن للمصارف على مجمل الحياة الاقتصادية، فكل المعاملات والمبادلات والتداولات أصبحت تمر تدريجيا وبصورة متزايدة من خلال المصارف، ومن المتوقع ان تصل نسبة الهيمنة في العام 2011 الى ما يقارب 100%. وهنا تكمن المشكلة والحل في آن واحد. المشكلة هي أن المصارف التي تستلم الودائع المتكونة من تعويضات المشتغلين .

ومن فائض العمليات (الأجور والمكافآت، الإيجارات، الأرباح والعوائد) لا تعيدها بالكامل الى دورة الدخل. فكل الدخول المتولدة من العملية الإنتاجية تذهب الى المصارف، غير ان جزءاً منها يبقى محجوباً لدى المصارف، وبما يؤدي لإغلاق دورة السيولة التي تمت الإشارة لها اعلاه، والذي بدوره يخلق الدورة المغلقة من علاقات الدائنية والمديونية المستعصية (التهرب كل من الأخر لعدم القدرة على تسيد المستحقات).

 

التدفق النقدي الخارج والداخل

وأكد الدكتور الشماع أن التدفق النقدي الخارج من الأفراد والشركات (مؤسسات الإنتاج) كمستحقات فوائد أقل من القروض السنوية الجديدة، والتي تمثل التدفق النقدي الداخل للأفراد والشركات، ولذا فان ما سيعود إلى مؤسسات الإنتاج كصافي تدفق من القروض سالب، وهو ما يقود إلى تراجع أو تقلص دخل الأفراد والشركات.

فيما ستزداد قيمة الفوائد المدفوعة للمصارف في السنة التالية والتي تليها وهكذا دواليك. ولا تتوقف هذه الدورة الحلزونية الأخذة بالصغر سنة بعد أخرى، إلا إذا قامت المصارف بضخ قروض سنوية بأكبر من قيمة الفوائد المستحقة على الأفراد والشركات من السنة السابقة. أي عندما يصبح صافي التدفق النقدي من القروض موجباً.

وقال: العلاقة السببية المترابطة بين السيولة الكلية والقروض المصرفية للمقيمين لا يمكن ولن يتم كسرها إلا باعتماد استراتيجيات تمويل بديلة تدفع المصارف إلى إعادة النظر في سياساتها الإقراضية.

 

السيولة المحجوبة

وأوضح الدكتور الشماع أن حجب جزء من الودائع عن دورة الدخل يتم عبر آلية تراجع القروض الشهرية التي تمنحها المصارف للأفراد والشركات إلى ادنى من صافي الدخل الشهري للمصارف. فالفرق بين الدخل الإجمالي المتأتي من الفوائد والرسوم والعمولات وعوائد الاستثمار المحلي وبين المصاريف التشغيلية يمثل صافي الدخل للمصارف.

هذا الدخل الصافي يزيد عما تمنحه المصارف من قروض. والفرق بينها هو سيولة محجوبة عن دورة الدخل. رب قائل يقول ان صافي الدخل للمصارف هو ارباحها، ومن حقها أن تحتفظ بأرباحها كما تفعل اي شركة غير مصرفية. والحال أن أي مؤسسة غير مصرفية تحتفظ بأرباحها بوديعة لدى المصارف، وبالتالي فهي تعيدها الى دورة الدخل من خلال المصارف. اما المصارف فهي إذا لم تقرض السيولة التي تحصل عليها، فانها ستحجبها عن دورة الدخل.

والواقع ان المصارف في الإمارات لم تكتف بجعل صافي التدفق النقدي للقروض سالبا من خلال جعل مبالغ الفوائد التي يدفعها المدينون من أفراد ومؤسسات أقل من القروض الشهرية الممنوحة لكل المجتمع، وإنما بدأت بحجب جزء من الودائع، التي تزايدت بأكثر من تزايد القروض. وقد انعكس ذلك بصورة جلية وواضحة على اداء سوقي العقار والأسهم، حيث ارتبط تراجع مؤشر سوق الأسهم الإماراتية بقوة مع التدفق النقدي الشهري للقروض بمقدار 0.88، كما ارتبطت تداولات عقارات دبي بمقدار 0.81.

 

مقترحات قريبة من التطبيق

وقال الدكتور الشماع: في الوقت الذي نبارك فيه لشعب الإمارات حكمة قيادته التي اتخذت قرار تمديد التأشيرة للمستثمر العقاري، فان من المناسب الاشارة إلى أهمية بعض الأفكار والمقترحات التي أصبحت قريبة من التطبيق. والمتمثلة في توريق القروض العقارية. والتي تعنى إصدار السندات مقابل شراء القروض العقارية العالقة لدى المصارف وتحويلها لسندات أو صكوك.

وذلك من خلال تولي مؤسسة خاصة تقوم بتجميع هذه القروض وتسنيدها وطرحها في الاسواق المحلية بأسعار فائدة أعلى من الاسعار التي تقدمها المصارف للودائع لأجل والتي لا تزيد على 1.5%. وسيسهم التمويل عن طريق سندات تطرح للاكتتاب في الاسواق المحلية ليس فقط في توفير التمويل للاستثمار العقاري واسناد قرار مجلس الوزراء في تشجيع الاستثمار الأجنبي في العقار، وإنما أيضا في توفير استراتيجية بديلة للخروج من حالة حجب السيولة التي تمارسها المصارف. والواقع أن القروض المضمونة برهن عقاري، والمتراكمة لدى المصارف منذ خمسة عشر عاما، ليست من الضخامة بحيث يمكن ان تتغطى من قبل السوق المحلي المتعطش حاليا لفرص استثمارية آمنة.

وأضاف: بافتراض توريق 50% من القروض المضمونة برهن عقاري، فإن المبلغ المطلوب الاكتتاب به لن يتجاوز 83 مليار درهم، وهو مبلغ قد يساوي الزيادة التي حدثت في قيمة الودائع منذ بداية العام الحالي. وحصيلة التوريق هذه اذا تم إعادة اقراضها للاستثمار في العقار خلال العامين القادمين، فإنها ستسهم الى جانب قرار تمديد التأشيرة في اعطاء دفعة قوية لسوق العقار، وبالتالي لسوق الاسهم.

وأشار الدكتور الشماع إلى أن أكبر زيادة حصلت في القروض المضمونة برهن عقاري كانت في العام 2008 بقيمة 74 مليار درهم، وقال: بمقارنة هذه القروض المدعمة برهن عقاري مع الأعوام التالية يتبين أن المصارف قد عمدت في العام الماضي إلى تحويل بعض القروض المتعثرة إلى قروض برهن عقاري بدلا من أخذ مخصصات عليها، خصوصا وأن المقترضين وافقوا على تقديم ضمانات عقارية في وقت استمروا فيه بدفع فوائد القرض. وهذا الأسلوب في تسوية قروضها مع زبائنها الذي لجأت إليه المصارف إجراء ممتاز في جانبه المصرفي.

ولكنه عمق الارتباط بين سوقي الاسهم والعقار. وهنا نجد مبرراً اخر لأهمية تطوير سوق السندات بالعملة المحلية، كأداة ليس للتمويل فقط وإنما لتطوير التداول في السندات في الاسواق المالية. إن تطوير سوق للسندات المحلية ضرورة ملحة، طالما أن المصارف تفضل استثمار معظم الزيادات في الودائع، إما في شهادات إيداع لدى المصرف المركزي، أو في استثمارات خارج الدولة، وتفضل ذلك على إقراضها وتحمل مخاطر إضافية قد تسهم في زيادة المخصصات مقابل ديون متعثرة.