تباينت آراء خبراء أسواق الأسهم بشأن ما إذا كانت هناك حاجة لتأسيس بورصة خاصة لأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، أم إطلاق نافذة تداول مرتبطة بواحدة من أسواق الأسهم الكبيرة، وفيما أيد البعض تأسيس بورصة خاصة لتلك الأسهم، رأى البعض الآخر أنه لا يوجد ما يستدعي تأسيس بورصة أخرى، لاسيما وأن الدولة تحضن ثلاث بورصات، وهو عدد كبير من وجهة نظرهم، واقترح هؤلاء تأسيس نافذة تداول مرتبطة بإحدى أسواق الأسهم الرئيسية، بيد أن فريق ثالث رأى أن الأمر المهم ليس شكل السوق، وإنما وجود متطلبات تنظيمية تتوافق مع طبيعة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وكانت حكومة دبي قد أعلنت في مارس الماضي اعتزامها تأسيس سوق أسهم ثانوية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وقال سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية بدبي، حينذاك إن وجود مثل هذه السوق أصبح ضرورة في ظل جهود الحكومة ومبادراتها لتعزيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني. وتوقع سموه الانتهاء من خطوات إنشاء هذه السوق في غضون عام.
وسبق هذا الإعلان، وعلى وجه التحديد في يونيو من العام الماضي، أن كشف الدكتور ناصر السعيدي، رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي، عن تبني المركز مبادرة جديدة تهدف إلى تطوير سوق درجة الثانية، ليفسح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لإصدار الأسهم والسندات ضمن بيئة تنظيمية ومتطلبات إدراج أكثر مرونة، وبما يتيح كذلك توفير رأس المال الضروري للشركات المملوكة للعائلات ولشريحة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
كما كشف عن اعتكاف مجموعة عمل جرى تشكيلها من قبل معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي لبحث هذا الأمر، وأكد الدكتور السعيدي حينذاك أن المنطقة شهدت على مدى العقد الأخير تأسيس أعداد كبيرة من الشركات الصغيرة والمتوسطة الناجحة، والتي تشكل ما يزيد على 95% من إجمالي الشركات في المنطقة، وأن هذه الشركات تتطلع إلى التمويل الذي يحقق طموحاتها في التوسع. وفي هذا السياق، فإن وجود سوق جيدة التنظيم للدرجة الثانية، أو سوق الاستثمارات البديلة، يتيح لهذه الشركات تأمين احتياجاتها من التمويل، مما يعتبر عاملاً حاسماً لضمان النمو المستدام للشركات والأعمال .
وقال الدكتور السعيدي في تصريح خاص لـ "البيان الاقتصادي"، أدلى به مؤخرا، إنه من الممكن أن تكون بورصة الشركات الصغيرة والمتوسطة جزءا من سوق أكبر، ولكنه أكد على أهمية أن تكون شروط الإدراج والحوكمة والرقابة ذات طبيعة مختلفة تماما عن أسواق الأسهم العادية، مشيرا إلى أن المسألة المهمة هي وجود سوق أسهم للشركات الصغيرة والمتوسطة، وذلك بغض النظر عن مسمى هذا السوق.
متطلبات تنظيمية مختلفة
وأوضح الدكتور السعيدي أن المسألة المهمة لسوق أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة هي شروط الإدراج ومتطلبات الإفصاح، فالشروط والمتطلبات التي تضعها كافة أسواق الأسهم بالمنطقة لا تشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على أن تطرح أسهمها، فعلى سبيل المثال، تشترط المتطلبات التنظيمية أن تطرح الشركة 50% من أسهمها لكي يـــــتم إدراج أسهمها في البورصة بوصفها شركة مساهمة عامة، وهذا معناه بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة فقدان السيطرة عــلى الشركة، وهو ما ينطبق على الشــــركات العائلية والشركات حديثة التأسيس، ولذلك فإن الوضع الحالي لا يشجع الشركات الصغيرة والمتوسطة على إدراج أسهمها.
ومن جانبه، أيد فادي السعيد، رئيس الاستثمار الشرق الأوسط وأفريقيا في شركة آي إن جي لإدارة الاستثمار، وضع نظام إدراج مختلف للشركات الصغيرة والمتوسطة، مشيرا إلى أنه يمكن أن يستند هذا النظام إلى معايير متعددة، منها المخاطرة والعمر الزمني للشركة وسجل ربحيتها، بيد أنه أشار إلى أن رأس المال يمثل المعيار الرئيسي الذي يجب الاستناد عليه في وضع نظام إدراج مختلف للشركات الصغيرة والمتوسطة، وأنه يمكن للشركة المدرجة بحسب هذا النظام أن ترتقي في أدائها بحيث تكون مؤهلة للإدراج ضمن شريحة الشركات المساهمة العامة، وبالتالي يكون متاحا للشركات أنظمة إدراج متعددة المستويات والمراتب.
ورأى فادي السعيد أن نجاح نظام الإدراج المختلف للشركات الصغيرة والمتوسطة يتوقف على الهدف الرئيسي وراء وضعه، حيث إنه من المتوقع أن يحقق نجاحا إذا ما كان الغرض هو تعظيم إمكانيات قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة على التطور والنضج، أما إذا كان وضع هذا النظام يمثل غاية في حد ذاته دون أن يكون مجرد وسيلة تعين القطاع على النهوض والارتقاء فإنه لن يكون ذا فاعلية وجدارة.
عمق السوق
واعتبر فادي السعيد أن تأسيس بورصة مستقلة للشركات الصغيرة والمتوسطة مسألة يحددها عمق السوق من ناحية أحجام السيولة المتوافرة وأعداد الشركات بشقيها المدرج وغير المدرج، وحجم النشاط الاقتصادي وغير ذلك من الاعتبارات، مشيرا إلى أن تأسيس بورصة جديدة سيمثل قيمة مضافة إذا ما كان عمق السوق يسمح بذلك، ودلل على ذلك بأن الولايات المتحدة تحتضن الكثير من الأسواق والبورصات.
وتفيد أرقام غرفة تجارة وصناعة دبي بأن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل أكثر من 95% من اقتصاد دبي والدولة، لكن تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يمثل 3 أو 4% من التمويل الذي تقوم به البنوك والمؤسسات المالية بحسب بعض الدراسات؛ ولذلك فإن هذه الشركات بدأت تلجأ إلى التمويل الشخصي على الرغم من أن تكلفته عالية جداً.
وجاء في تقرير حديث لصندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يقم بتوفير الخدمات التمويلية المطلوبة للأعمال في المنطقة؛ وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ والتي عانت من قلة التمويل؛ مما قد يؤدي إلى انحسار نمو هذا القطاع المهم.
مبادرة جيدة
وحول سعي حكومة دبي لإنشاء سوق اكتتابات ثانوي للشركات الصغيرة والمتوسطة، قال سوريش كومار المدير التنفيذي للإمارات دبي الوطني كابيتال: إن سوق أسهم خاص بالشركات الصغيرة والمتوسطة يعتبر مبادرة جيدة جداً، حيث ان هناك عددا من الشركات الصغيرة التي تطورت ووصلت إلى مرحلة الشركات المتوسطة أو الشركات الكبرى.
ولذلك فإن الشركات من هذا النوع تحتاج لنمو رأس المال إما عن طريق الاقتراض من البنوك والمؤسسات المالية، أو عن طريق الاكتتاب؛ مما يجعل هذه الشركات قادرة على تطوير نفسها أو حتى الاستحواذ على شركات صغيرة ومتوسطة أخرى، مما يؤدي بالتالي إلى تطوير القطاع.
معارضو تأسيس بورصة مستقلة
وقدر فادي السعيد أنه سوف يكون غير مجد تأسيس بورصة مستقلة للشركات الصغيرة والمتوسطة، خاصة وأنه يوجد في الدولة ثلاث بورصات بحاجة لأن تشجيع عمليات الدمج فيما بينها، وذلك على نحو يسهم في تقوية سوق المال في الدولة، مشيرا إلى أن وضع نظام إدراج مختلف للشركات الصغيرة والمتوسطة تحت مظلة احدي البورصات العاملة في الدولة من شأنه أن يفتح الباب أمام بروز فرص جيدة لتوسع وتطور قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ورأى الدكتور محمود عبد الباقي أستاذ مساعد قسم الاقتصاد والإحصاء بكلية إدارة الأعمال جامعة دبي أنه ليس مجديا تأسيس بورصة خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، مقترحا إطلاق نافذة لهذه الشركات في احدى البورصات القائمة حاليا، وعزا أسباب ذلك إلى أن تأسيس بورصة خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة يواجه العديد من الصعوبات الفنية التي يكون من الصعب الوصول إلى حلول لها من دون الـتأثير على المتطلبات التنظيمية للإدراج، منها عدم وجود تعريف لماهية الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تتنوع التعريفات بحسب المعايير المستخدمة، إذ تبرز تعريفات تستند إلى معيار عدد العاملــــين، وأخرى تستند إلى معيار رأس المال.
ويذكر في هذا المجال أن دائرة التنمية الاقتصادية بدبي تُعرف الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإمارة بتلك التي تصل عائداتها بحد أقصى إلى 250 مليون درهم. ويصل عدد موظفيها إلى 250 موظفاً، ويتم تصنيف الشركات من خلال برنامج المئة لتصنيف أفضل 100 مشروع صغير ومتوسط بناء على أدائها حسب المؤشرات المالية وغير المالية، ويعتبر بمثابة منصة لهذه الشركات لتعزيز جهودها والحصول على التمويل اللازم لتنمية وتوسيع رقعة مشاريعها والوصول إلى أسواق جديدة.
نافذة تداول
وقال الدكتور عبد الباقي إن الصعوبات لا تقتصر على غياب وجود تعريف محل اتفاق لتلك الشركات، بل إن هناك صعوبات تتعلق بالوضع القانوني لهذه الشركات، من زاوية أنها تقع ضمن فئة الشركات التي تأخذ صورة شركة التضامن أو الشركة الخاصة ذات المسؤولية غير المحدودة أو شركة ملكية خاصة، وبالتالي فهي غير مصرح لها من الناحية القانونية أن تطرح أسهمها في البورصة طالما لم تستوف شرط الشركة المساهمة العامة المحدودة.
وأضاف : قد ينطوي فتح بورصة خاصة للشركات الصــغيرة والمتوسطة على مضاعفات تضغــط سلبا على مثل هذه النوعية من الشركات، وتتمثل هذه المضاعفات في سلب الشركة ميزة كفاءة الإدارة من خلال توســيع قاعدة ملكيتها بدخول مساهمين جدد في هيكل الملكية، وذلك على نحو قد يؤدي إلى فقدان عامل التحكم والسيطرة على أعمالها، إلى جانب أن التوسع الزائد قد يقود إلى خلخلة هيكل الشركة.
ورأي الدكتور عبد الباقي أنه من الأفضل إطلاق نافذة خاصة لإدراج الشركات الصغيرة والمتوسطة، بحيث يطبق حيالها شروط إدراج مختلفة عن تلك المطبقة على الشركات المساهمة العامة، بأن يشترط مثلا قيمة رأسمال أقل. واقترح كذلك عدم فتح الباب على مصراعيه لهذه الشركات وأن تكون هناك معايير للحكم على جدارتها، مشيرا إلى أن فتح الباب على مصراعيه للشركات الصغيرة والمتوسطة للانضمام إلى نافذة التداول هذه قد يضر بالسوق ككل، بل وقد يضعف المؤشر العام للسوق بضم شركات ضعيفة وغير مؤثرة.
