ساعدت الأنباء الجيدة عن قرب صدور قرار إيجابي بشأن انضمام أسواق الدولة لمؤشر مورجان ستانلي للأسواق الناشئة على فك ارتباط الأسواق بالمؤشرات الأميركية والارتفاع الهادئ الحذر. ففي حين شهدت الأسواق الأميركية تراجعات طوال الأسبوع، شهد مؤشر سوق الإمارات ارتفاعات هادئة تدل على حالة التفاؤل المتولدة عن الشعور بأن آفاق إدراج أسواق الدولة على هذا المؤشر ستكون رحبة خصوصا إذا تسارعت وتيرة الخروج من براثن الأزمة التي أبطأت النمو الاقتصادي. ورغم حالة التفاؤل إلا أن قيم التداولات ظلت في مستوياتها الدنيا كمؤشر على ضعف السيولة في الأسواق والتي هي جزء من حالة عامة خلقت مع استمرارها لأكثر من عامين متتاليين ثقلا نفسيا على الأفراد والمحافظ تجعلهم يمسكون بالسيولة ويديرونها بحذر شديد.
التداول البطيء سمة التباطؤ
وأوضح المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: في مجال الأعمال كما في أسواق المال، يسعى الجميع لاقتناص السيولة لصالحه والحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة. وبالتالي فإن انتظار الفرص الاستثمارية الأمثل يجعل الكل في حالة تريث في اتخاذ قرار الدخول والاستثمار أو الشراء. الأمر الذي ينعكس على حركة التداول التي تتسم حاليا بالبطء الشديد. والذي يصل إلى حد نشر الملل بين المتداولين الذين قد يغلبهم النعاس وهم يراقبون شاشات التداول النائمة. وقد اتسمت الأسواق بالمزيد من التباطؤ والجمود بالعمليات. وذلك على الرغم من تذبذب المؤشر عدة مرات بالارتفاع والانخفاض خلال الجلسة الواحدة. ولا شك أن هذا البطء في حركة التداولات يدفع المضاربين ناهيك عن المستثمرين للابتعاد عن السوق وانتظار ما ستفصح عنه الأيام القادمة من أخبار تتعلق بموضوع الترقية إلى مرتبة الأسواق الناشئة.
حبس السيولة وتجفيف الاقتصاد
وقال الدكتور الشمّاع: تثاقل حركة الأسواق وترهل أدائها هو نتيجة لحالة عامة في كل الأسواق، رغم انتعاش بعضها بسبب النشاط السياحي، والناجم بدوره عن تراجع التدفقات النقدية بما لا يتناسب مع سعة حجم الاقتصاد. فصافي التدفق النقدي للقروض في الأعوام 2006، 2007 و 2008 كان كبيرا بالمقارنة مع حجم الاقتصاد بمعيار الناتج المحلي، ولكنه أصبح صغيراً بموجب نفس المعيار في الأعوام 2009 و 2010، ومن المتوقع أن يتناهى في الصغر في 2011. ولتوضيح ذلك نقول إن السيولة الجديدة التي يجب أن يضخها الجهاز المصرفي يجب أن تتناسب مع حجم الجسم الاقتصادي، تماما كما في حالة أن كمية المياه التي يجب ضخها لسقي ارض زراعية يجب أن تتناسب مع اتساع حجم الأرض المزروعة.
فما بالنا وأن السيولة الجديدة التي تم ضخها، والتي من المتوقع ضخها في الاقتصاد الإماراتي تراجعت، وستتراجع، بالمقارنة مع تنامي الناتج المحلي. وكنسبة مئوية للتدفق النقدي الصافي للقروض المصرفية إلى الناتج المحلي فقد تراوحت خلال الأعوام 2003 و 2008 ما بين 6.3% و 22.2% ولكنها بدأت بالتراجع إلى 3.2% في 2009 و 1.5% في 2010، ومن المتوقع أن تستمر في التراجع إلى اقل من 1% استنادا إلى تقديرات النمو للعام 2011، وإلى الزيادة الفعلية في القروض للمقيمين في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. هذه الأرقام تشير إلى خطورة ما يجري من عملية تجفيف للسيولة في الاقتصاد.
الزيادة في القروض والودائع
وأوضح الدكتور الشمّاع قائلاً: هذا التجفيف يتم من خلال تزايد القروض بأقل بكثير من تزايد الودائع. فالودائع في تزايد مستمر، وهي وليدة ادخارات المجتمع، التي تتزايد بسبب ضغط الأنفاق الاستهلاكي من قبل الأفراد والمؤسسات نتيجة للظروف المالية الراهنة، فيما تقوم المصارف باحتجاز هذه السيولة بدلا من إعادة تدويرها في الاقتصاد لكي يرتفع الإنفاق الاستثماري ويعادل بذلك تراجع الإنفاق الاستهلاكي المتآكل. والقول إن هذه الودائع متأتية اما من الحكومة أو من ودائع غير المقيمين، وبالتالي فإنها ليست متأتية من دورة الدخل وإنما من خارجها وهي لذلك بلا تأثير انكماشي، هو كلام غير دقيق. فخلال الثلاثة اشهر الأولى من العام الحالي كانت معظم الزيادات في الودائع متأتية من المقيمين بدون ودائع الحكومة على الرغم من أن هذه الأخيرة ليست كلها متأتية من إيرادات النفط فقسم كبير منها مشتق من دورة الدخل كعائد من رسوم أو عائد من أرباح شركات حكومية.
وقال: ودائع المقيمين إذن تزايدت في شهر مارس الماض ي بأكثر من تزايد الودائع الإجمالية بسبب تراجع ودائع غير المقيمين في هذا الشهر بالمقارنة مع شهر فبراير 2011. ومع ذلك فقد تزايدت شهادات الإيداع بمقدار 7.1 مليارات درهم. أي ان المصارف وظفت 7.1 مليارات درهم من ودائع العملاء المقيمين في شهادات إيداع. وارتفاع شهادات الإيداع أسهم في زيادة القاعدة النقدية بنسبة 73%، اي أن 73% من الزيادة في القاعدة النقدية جاءت من ارتفاع شهادات الإيداع. والقاعدة النقدية ارتفعت بنسبة 4.6% بالمقارنة مع الشهر السابق، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كل من مضاعف النقد الضيق والواسع، واللذين انخفضا في شهر مارس 2011 بنسبة 8.3% و 2.5% لكل منهما على التوالي، حيث تراجع مضاعف عرض النقد الضيق من 1.2 إلى 1.1 فيما تراجع مضاعف عرض النقد الواسع من 3.9 إلى 3.8. ومعلوم أن مضاعف عرض النقد الضيق يعتبر احد أهم العوامل التي تتحكم بقدرة المصارف على خلق النقود.
المصارف تحتجز السيولة
وخلص الدكتور الشمّاع مما سبق إلى أن التجفيف يتم عبر قيام المصارف أولا باحتجاز السيولة لدى المصرف المركزي، وثانيا، ومن خلال ذلك، بتقليل قدرتها على خلق النقود والإقراض عبر تخفيض مضاعف النقد. وقال: آخر بيانات المصرف المركزي تشير إلى أن السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي من قبل المصارف قد ارتفعت بمقدار10.9 مليارات درهم المصرف وهي تشكل نسبة 47% من قيمة الزيادة في الودائع لشهر ابريل 2011. وبهذا تصل الزيادة في السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي منذ بداية العام الحالي وحتى شهر أبريل إلى 36.6 مليار درهم تشكل نسبة 65.5% من صافي الزيادة في الودائع، بعد استبعاد ما تم إقراضه خلال العام الحالي. وهكذا تكون معظم السيولة غير المقرضة مكتنزة من قبل المصارف في خزائن المصرف المركزي.
أدوات تجفيف السيولة
وأوضح الدكتور الشمّاع أن المصارف باكتنازها للسيولة تقلل من قدرتها على خلق النقود وبالتالي الإقراض. وقال: السيولة المكتنزة تشكل العمود الفقري لما نطلق عليه القاعدة النقدية أو الاساس النقدي لعمل المصارف. فهذه القاعدة تتكون من الأموال السائلة التي تحتفظ بها البنوك لدى المصرف المركزي، سواء بصورة طوعية كشهادات الإيداع وارصدة الحسابات الجارية لدى المصرف المركزي، أو بصورة إلزامية كالاحتياطي القانوني، ويضاف إلى هذه القاعدة العملة الموجودة بالتداول، والتي تساوي العملة المصدرة ناقصا منها العملة التي يتداول بها الجمهور خارج المصارف. ومن هنا فإن ارتفاع القاعدة النقدية يقلل قدرة المصارف على الإقراض نتيجة لانخفض مضاعف عرض النقد الضيق، وهو المؤشر الذي يقيس الحد الأعلى لقدرة البنوك على خلق نقود الائتمان. إن معظم الزيادة في القاعدة النقدية، والتي في غالبيتها هي سيولة محتجزة، متأتية من مصادر طوعية بإرادة البنوك، فشهادات الإيداع شكلت 60% من السيولة التي تم احتجازها خلال الاربعة اشهر الاولى من العام الحالي من قبل المصارف لدى المصرف المركزي، تأتي بعدها الحسابات الجارية للمصارف، وهي طوعية ايضا، لتبقى اقل من 15% متأتية من عوامل خراج ارادة المصارف.
تحذير من العواقب
وأضاف الدكتور الشمّاع: المصارف لا تكتفي باحتجاز السيولة لدى المصرف المركزي، وإنما تقوم بذلك بمباركة منه، لكي تقلل من قدرتها على خلق النقود المصرفية. ومباركة المصرف المركزي لتوجه البنوك نحو زيادة القاعدة النقدية تأتي في أطار حرصه المبالغ فيه على سلامة النظام المالي ودرء المخاطر النظامية. غير أن الإفراط في هذا الحرص قد تكون له عواقب سيئة تؤل في النهاية إلى المساس بأمن النظام المالي نفسه. ولكن، وإلى جانب احتجاز السيولة فإن هناك سحباً للسيولة من دورة الأعمال بما تصل قيمته إلى قرابة 44 مليار درهم في الربع الأول من العام الجاري، وهي بحد ذاتها كافية لترك أثار انكماشية قوية على الاقتصاد. إننا في الوقت الذي ندعم بقوة دعوة معالي محافظ المصرف المركزي لتفعيل أسواق السندات لتصبح أداة التمويل البديل للإقراض المصرفي المتشدد والمتعنت إزاء خفض الفائدة، فلا بد من التأكيد على أن الوقت يمر بسرعة، وأن الأضرار الاقتصادية قد تكون وخيمة إذا لم تتسارع خطى معالجة أوضاع السيولة.
وضرب مثلاً بدولة قطر، التي على صغر حجم اقتصادها ووفرة الموارد المالية، سارعت لتطوير سوق سندات عملاقة نسبة إلى حجم الاقتصاد القطري، حيث أعلن مسؤول رسمي في قطر أن الحكومة طرحت في الآونة الأخيرة سندات وأذونات خزانة مقدارها 50 مليار ريال قطري، في مسعى منها لتحقيق الاستقرار والتوازن في الجهاز المصرفي الوطني. وقال: إن إعادة سحب السيولة من المصارف عن طريق السندات أحد البدائل التي تناولناها في الأسبوع الماضي، ولكنها ليست الحل الأمثل، فالسندات وسوق الإصدارات والاكتتابات الأولية يمكن أن تسهم في حل مشكلات التمويل، ولكنها لن تغنينا عن الإقراض المصرفي، كون المصارف هي المستودع الرئيسي للسيولة. والتشدد في الإقراض، أو شبه التوقف عن الإقراض، يمكن في أقل التقديرات أن يرفع من مستويات التعثر، ويزيد من الديون المشكوك في تحصيلها. ولعل هذا بحد ذاته يشكل احد مصادر المخاطر النظامية التي تواجهها المصارف. غير أن الأهم من ذلك هو أن التشدد في الإقراض المصرفي قد يأكل من جرف النمو والتعافي الاقتصادي عبر التأثير النفسي في ثقة المستهلكين ورجال الأعمال. وها هي البيانات الجديدة التي أصدرها المركزي تؤكد دور القروض وتأثيرها على أداء أسواق الأسهم من خلال تزايد قوة الارتباط الموجب بين القروض ومؤشر سوق الإمارات.
الأثر المزدوج للتشدد الائتماني
الإفراط في التشدد الائتماني ذو أثر مزدوج على الاقتصاد. فعبر التأثير السلبي للتشدد في الإقراض على المصارف، يظهر اثر غير مباشر على الأنشطة الاقتصادية الحقيقية. فتراجع القيمة السوقية للأسهم يعني اشعارا بالإفقار لمعظم المستثمرين نتيجة لما تكبدوه من خسائر رغم كونها ورقية، وهو ما يزيد من تمسكهم بما هو متاح للسيولة، ويؤخر القرار الاستثماري والإنفاقي. والأمر لا يقتصر على التأثير النفسي لتراجع الثروة المختزنة في الأسهم بمقدار يربو عن الخمسمئة مليار درهم منذ اندلاع الأزمة حتى الوقت الراهن، بل يمتد بصورة مترابطة الى الثروة المختزنة في العقار، والتي تراجعت هي الأخرى بنسب مقاربة لتراجع القيمة السوقية للأسهم. ومعامل الارتباط القوي بين مبيعات عقارات دبي ومؤشر سوق الاسهم للفترة من بداية 2008 وحتى الوقت الحاضر، والذي هم موجب بمقدار 0.87، خير دليل على دور الإقراض المصرفي في تراجع قيم العقار.
ذلك الدور الذي انقلب من إفراط في التمويل في الأعوام 2007 و2008 إلى إفراط في غلق سبل التمويل، هو مسؤولية تقع على السياسة النقدية، التي تخاطر بتعريض التعافي الهش الذي شهده الاقتصاد من بداية العام الحالي، المدعوم بالظروف الايجابية التي تتمتع بها الدولة وبالارتفاع المستمر لأسعار النفط والتي لا يزال معدلها أعلى من عام الطفرة الاستثنائية في 2008. فبعد أن شهدنا تحسن اداء قطاع التجارة متمثلا بالواردات التي تعكس الطلب المحلي على السلع الاستهلاكية والاستثمارية، أظهرت بيانات شهر فبراير تراجع الاستيراد بصورة عامة، وتراجع صافي الواردات بعد استبعاد إعادة التصدير، حيث انخفضت الواردات في فبراير بنسبة 2% عن شهر يناير، كما انخفضت قيمة صافي الواردات بعد استبعاد إعادة التصدير بنسبة 9%. ومن الدلائل الأخرى على تراجع التعافي الذي حدث في بداية العام تراجع الزيادة في الودائع المصرفية، فمعلوم أن هذه الودائع، وبالذات العائدة للمقيمين، تمثل بجزء كبير منها ادخاراتهم المشتقة من فائض دخولهم عن انفاقهم. وكلما ارتفع الدخل القابل للتصرف كلما ارتفعت قيمة الودائع المصرفية.

