أكد التقرير الأسبوعي لشركة الفجر للأوراق المالية حول أسواق الأسهم المحلية أن تحسن أداء الأسواق معظم أيام الأسبوع الماضي، وتسجيلها ارتفاعات قوية نسبيا، كان تعويضا عن الخسائر غير المبررة التي تكبتها خلال شهر مايو الماضي، والذي فقدت خلاله 50% من المكاسب التي كانت قد حققتها خلال الفترة منذ الثالث من مارس وحتى 21 أيريل 2011، والتي بلغت نسبة 11.14%. .
وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في التقرير: إن ارتفاعات الأسبوع الماضي كانت لتعويض هبوط غير مبرر بالمعايير التقليدية لأداء الأسواق. ولكن بمعيار غياب معظم المستثمرين عن السوق المحلية وشح السيولة في الاقتصاد عموما وفي الأسواق المالية، وعادت الأسواق لترتبط مجددا بمسار الأسواق العالمية في مايو. والواقع أن هذا الترابط مع مؤشرات الأسواق العالمية لم يكن في يوم ما دليلاً على حسن الأداء إلا بالقدر الذي يزداد فيه تواجد الاستثمارات الأجنبية العابرة للحدود بكثافة.
وعلى العكس من ذلك فقد كان الترابط يزداد حدة عندما تتعرض الأسواق العالمية الى هزات وإلى أزمات ويضعف عندما يتحسن أداء هذه الأسواق. وعبر حقبة زمنية طويلة تباين معامل ارتباط الأسواق الإماراتية مع مؤشر داو جونز. ولعل أعلى مستوى من الترابط في الأداء كان خلال ما بعد انهيار بنك ليمان برذرز حيث أصبح معامل الارتباط موجباً قوياً طوال فترة الهبوط للأسواق العالمية الممتدة من منتصف 2008 وحتى نهاية فبراير 2009 حيث وصل المعامل إلى 0.95. ومنذ تلك الفترة وحتى بداية العام الحالي عندما كانت مؤشرات الأسواق العالمية .
وبالذات داو جونز يحقق مكاسب تدريجية، تفاوت معامل الارتباط الضعيف بين 0.27 و0.44 مشيرا إلى أن أسواقنا المحلية لم تتبع خطى التحسن في اداء الأسواق العالمية. ومنذ بداية العام الحالي عندما بدأ الاقتصاد العالمي يظهر مؤشرات التعافي. وعندما تسارعت خطى ارتفاع مؤشر داو جونز من بداية العام وحتى نهاية ابريل ليصل إلى مستويات ما قبل الأزمة ويتخطاها في بعض الأوقات، تزايد ضعف الارتباط ليصبح 0.016. المهم هو ما أن بدأت أزمة الديون الأوربية تظهر من بداية مايو حتى عاد الارتباط الموجب القوي للظهور ثانية بقيمة 0.89 موجب. وهكذا تصبح أسواقنا خير رفيق للأسواق العالمية في درب الهبوط ولكنها نادرا ما تكون صديق وفيا لها في درب الصعود.
وأضاف الدكتور الشمّاع: ظاهرة الترابط في الهبوط وفك الارتباط عندما يتحسن أداء الأسواق العالمية ومؤشراتها لها مسبباتها، التي لم ننفك نشير إليها منذ أكثر من عام، وهي شح السيولة، وقلة وانعدام الإقراض المصرفي مقابل تزايد السيولة المحتجزة من قبل المصارف، والسيولة المسحوبة من دورة الأعمال وبما جعل الاقتصاد يترنح بين شد مدعوم بتعافي قطاعات السياحة والتجارة وبين جذب تؤججه أوضاع السيولة الشحيحة والمتناقصة.
الإقرار باحتجاز المصارف للسيولة
وتابع التقرير: أخيرا أقر المصرف المركزي بوجود شح في السيولة، وذلك بعد طول إنكار استمر لأكثر من عامين. جاء ذلك بعدما أشار معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي إلى أن مشكلة المصارف تكمن في إدارة السيولة المتوافرة لديها، داعيا إلى تضافر الجهود من أجل إنشاء سوق للسندات الحكومية والسندات المؤسسية ذات النوعية الممتازة، تستثمر فيها البنوك العاملة في الدولة. والدعوة التي أطلقها معاليه لإنشاء سوق للسندات أو تفعيل تداول السندات في الأسواق المحلية لكي تستثمر فيها المصارف هي إقرار ضمني بأن المصارف تحتجز السيولة، والتي اعتبرها تلطفا مشكلة إدارة السيولة.
وقال الدكتور الشمّاع: هذه الدعوة التي كانت قد أُطلقت منذ أكثر من عام ونصف العام هي واحدة من أهم الأدوات التي يمكن أن تحل مشكلات السيولة المحتجزة لدى المصارف، خصوصا إذا ما اسهم المصرف المركزي بالاكتتاب بهذه السندات. فالمصارف الإماراتية تحتجز بصورة متصاعدة السيولة التي تتزايد لديها دون الالتفات إلى ما يمكن أن تسببه من أضرار، بل إن المصارف لا تكتفي في أدائها السلبي بعدم منح القروض واحتجاز السيولة، وإنما تقوم بسحب السيولة بصورة مستمرة ومتواصلة من دورة الأعمال.
وترفع من الضغوط الانكماشية، والتي تقلل من آثار التعافي الذي يشهده الاقتصاد الإماراتي منذ مطلع هذا العام. فخلال الربع الثالث من العام الجاري حصلت المصارف المفصحة على 15 مليار درهم كفوائد عن إجمالي القروض الممنوحة من قبلها والبالغة 854 مليار درهم بمعدل فائدة سنوي يبلغ 7%، وفي المقابل فإنها قدمت كقروض للأفراد والمؤسسات ما قيمته 4.4 مليارات درهم فقط، أي أن التدفق النقدي الصافي الخارج من المصارف هو 10.6 مليارات درهم خلال الربع الأول ليصل إلى 42.4 مليار درهم سنوياً.
حجم السيولة المسحوبة
وأوضح الدكتور الشمّاع: لغرض تقدير حجم السيولة المسحوبة من دورة الأعمال، فلا بد من جمع الفوائد والرسوم والعمولات المستحصلة خلال هذا الربع مع الودائع الجديدة التي تم إيداعها خلال الربع الأول لنطرح منها بعد ذلك ما تم إقراضه وهو 4.4 مليارات درهم لنصل الى الأرقام التالية (15 مليار درهم فوائد مستحصلة + 2.6 مليار درهم رسوم مستحصلة + 47.2 مليار درهم ودائع جديدة خلال الربع الأول 5.2 مليارات درهم قروض ممنوحة جديدة + 8.9 مليارات درهم مصاريف تشغيلية + 6.78 مليارات درهم استثمارات داخل الدولة = 43.5 مليار درهم قيمة السيولة التي سحبتها المصارف من دورة الأعمال خلال الربع الأول). وهكذا يتضح أن المشكلة هي بالأساس مشكلة تدفقات نقدية غير متوازنة تجاه دورة الأعمال أو دورة الدخل.
فالتدفقات النقدية الداخلة للمصارف من الأنشطة الاقتصادية اكبر من التدفقات النقدية الخارجة منها لهذه الأنشطة. الفارق بين التدفقات الداخلة للمصارف والتدفقات الخارجة منها توزع بين جزء كبير تم اكتنازه في خزائن المصرف المركزي بشكل شهادات إيداع وأرصدة ومتطلبات احتياطي وبحدود 25 مليار درهم. أما المتبقي من أصل 43.5 مليار درهم فقد توزع بين زيادة في النقد 13.4 مليار درهم وبين الاستثمارات الخارجية 5.02 مليارات درهم (خارج دورة الأعمال).
تطوير الأسواق الأولية والثانوية
وتطرق الدكتور الشمّاع إلى قضية تفعيل استراتيجية لتطوير أسواق المال الأولية (الاكتتابات) وسوق راس المال الثانوية (بورصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة) فقال: على الرغم من اختلاف الوظائف الثانوية فإن المهام الأساسية لأسواق المال والمصارف تتشابه من حيث الجوهر. فكلاهما يعنى بتوفير التمويل من خلال التوسط بين المدخرين وبين مؤسسات الإنتاج. وبهذا فإن العائد الرئيسي من الاستثمار في البورصة .
وهو التوزيعات النقدية السنوية التي يحصل عليها حملة الأسهم المستثمرين هي البديل للفوائد التي تعطيها المصارف للمودعين. أما الأرباح أو الخسائر الرأسمالية الناجمة عن تغير قيمة الأسهم فهي ناتج عرضي. ولذلك ففي ظل ظروف التشدد المصرفي الذي يقود إلى احتجاز السيولة لدى المصارف فإن تهيئة الظروف للتوسع في الاكتتابات سيسحب البساط من تحت أقدام المصارف ويعيد السيولة المسحوبة من دورة الدخل للتدفق مجددا فيها وبما يعيد النشاط الاقتصادي إلى مستوياته السابقة.
وقد كانت حكومة قطر سباقه إلى اتخاذ قرار من قبل المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية في 25 مايو 2011 بهدف المساهمة في مساندة وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة. وكذلك توفير التمويل اللازم لها بصورة مباشرة دون المرور عن طريق المصارف باهظة الكلفة من خلال فرص الحصول على التمويل اللازم لأغراض النمو والتوسع في أعمالها. إن المصارف التي أفرطت في التمويل في حقبة ما قبل ليمان برذرز تفرط الآن في التشدد في عدم التمويل وبما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على أداء القطاع الخاص في مختلف أنشطته كافة وعلى نموه الاقتصادي الذي تراجع بالأسعار الجارية والثابتة للعام 2007 بموجب آخر البيانات التي أصدرها المركز الوطني للإحصاء.
بورصة للشركات الصغيرة
وأضاف الدكتور الشمّاع أن فكرة انشاء بورصة للشركات الصغيرة يجب ان تحظى باهتمام هيئة الأوراق المالية التي ندعوها لتشكيل فريق عمل من ممثلين عن الأسواق وعن الهيئة وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الى جانب شركات الوساطة لدراسة الفكرة وإمكانية تطبيقها. والموضوع يستحق بالفعل أن يحظى باهتمام جميع الأطراف.
فالعديد من المؤسسات الخاصة التي تحتاج الى التمويل ولا تجد أمامها غير القروض باهظة الكلفة ستنتهز هذه الفرصة للحصول على التمويل الى جانب فرص النمو من حيث الحجم. ويجب عدم إغفال الكفاءة والخبرة التي يتمتع بها أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي ستنعكس على أداء مؤسساتهم التي ستكبر عند تحولها إلى مساهمة عامة. كما أن تأسيس بورصة اتحادية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة سيسهم في إيجاد حل فعال وسريع لمشكلة شركات الوساطة المتمثلة في تراجع قيم التداول.
والسوق الأولية للإصدار والاكتتابات في السوق الأولية ستسحب بصورة مؤقتة جزءاً من السيولة المودعة لدى المصارف في صورة ودائع ثابتة وادخارية وهما اللتان تشكلان نسبة 69% من إجمالي الودائع الخاصة بدون الحكومية لتعود بعد ذلك إلى المصارف مجددا في شكل ودائع جارية قبل ان تتحول بعد حين مجددا إلى ودائع زمنية ثابتة وادخارية. وفي هذه الأثناء وخلال فترة سحب جزء من الودائع الثابتة من المصارف ستضطر المصارف لرفع أسعار الفائدة على الودائع وبما يؤدي الى توازن التوجه نحو سوق الإصدار الثانوي مع سوق الودائع المصرفية.
