قدر خبراء ماليون أن ترقية أسواق الإمارات إلى مؤشر أسواق الأسهم الناشئة، سيحقق فوائد عدة على صعيد زيادة مستويات سيولة أسواق الأسهم المحلية وجذب أحجام تداول كبيرة من قبل المستثمرين الأجانب، ووضع أسواق الدولة على خريطة المؤسسات الاستثمارية العالمية، ولكنهم اعتبروا أن هذه الترقية في حد ذاتها غير كافية، ودعوا إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات لتدعيم حالة الاستقرار والتعافي التي شهدتها الأسواق حالياً بعدما ضغطت عليها سلباً سلسلة الأزمات والانهيارات التي أصاب أسواق الأسهم في العالم، من بينها العمل على جعل أسواق الأسهم أكثر تمثيلاً للهيكل الاقتصادي للدولة من خلال تحفيز الشركات العاملة في قطاعات الفندقة والسياحة والتجارة على إدراج أسهمها في أسواق الأسهم، إلى جانب تشجيع الشركات ذات الثقل الضخم على إدراج أسهمها، والعمل على اعتماد آلية بناء سجل الأوامر في إدراج الاكتتابات الجديدة.
جاء ذلك على هامش المنتدى السنوي لأسواق المال وبنوك الاستثمار الذي بدأ فعالياته، أمس، في دبي، بحضور ما يزيد على 90 مشاركاً من العاملين في مجالات الاستثمار المختلفة والمحللين، وقد ناقش المنتدى الذي نظمته جمعية المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات عدة موضوعات من بينها حوكمة الشركات والنظرة المستقبلية للأسواق وهيكل أسواق السندات الإقليمية، كما ناقش خبراء بارزون من الجمعية والقطاع المالي العوامل الرئيسية التي تؤثر في قطاع إدارة الصناديق الاستثمارية في الشرق الأوسط والفرص المتاحة أمام البنوك الاستثمارية.
تدفق الاستثمار الأجنبي
وأكد فادي السيد رئيس الاستثمار بشركة «آي أن جي» الاستثمار في الشرق الأوسط المحدودة أن الانضمام المتوقع لأسواق الدولة إلى الأسواق الناشئة سيسهم في تغذية السوق بأموال المستثمرين الأجانب طويلة الأجل ووضع أسواق الأسهم المحلية على خريطة عمل مديري الأصول والوسطاء الأجانب دون التخوف من مسائلة العملاء في حال حدوث أي تراجعات محتملة، ودون النظر إلى أسواق الأسهم المحلية من منظور انتهازي، بأن يتجهوا إلى الإبقاء على الأموال المستثمرة لفترة طويلة، مشيراً إلى أن هذا الانضمام المتوقع سيسهم في رفع مستويات سيولة التداول، مشيراً إلى أن هذا الانضمام مسألة طبيعية ومنطقية.
ولكنه لفت إلى أن خطوة الانضمام في حد ذاتها غير كافية، وأنه من المتعين أن يلازم هذه الخطوة حزمة من التدابير تصب في اتجاه خلق فرص استثمارية مغرية وجديدة ومتنوعة، وذلك بأن يكون هناك إصدارات جديدة تحوز إقبال وطلب المستثمرين، واقترح في هذا المجال أن يتم العمل بآلية بناء سجل الأوامر في تسعير الاكتتبات، عوضاً عن طريقة التسعير المعتمدة حالياً في سوق دبي المالي القائمة على إعطاء قيمة اسمية للسهم مرتبطة بالدرهم، وهو وضع يؤدي إلى جعل الشركات والبنوك الاستثمارية تلتف على هذا الإجراء من خلال إعادة هيكلة عملية الاكتتاب عبر علاوات الإصدار، كما أنه لا يحفز الشركات على القيام بقيد اكتتبات عامة أولية، وإذا ما قامت بذلك فإن هذا من شأنه أن يزيد قيمة الأصول غير المنظورة في ميزانيات الشركات على نحو يزيد الضغوط على عوائد حقوق الملكية التي تعتبر منخفضة في الدولة، مشيراً إلى أن اتباع آلية بناء سجل الأوامر مطلب تنظيمي مطبق عالمياً.
ويرى السيد أن تعزيز تعافي أسواق المال في الدولة ليس بحاجة إلى اختراع العجلة من جديد أو ابتكار صيغة سحرية لم تخترع من قبل، بل يحتاج إلى وضع تدابير مطبقة في الأسواق من بينها خفض نسبة الاسهم المفترض طرحها في الأسواق بأن تقل عن 50 % من إجمالي أسهم الشركة، وأكد أن العامل الرئيسي في رفع مستويات السيولة بأسواق الأسهم يتمثل في العمل على تحسين النظرة المستقبلية بالنسبة لأرباح الشركات، مشيرا إلى أن المقومات المعنوية للسوق تتحسن في حالة إذا ما تم إنجاز إدراجات لإصدارات ناجحة ذات آداء جيد تدر أرباحاً للمستثمرين، حيث إن هذا النجاح يفتح الباب أمام اكتتبات أخرى، وهو وضع يكفل في حد ذاته تحسين معنويات السوق بشكل كبير، ويرى أن هناك شركات حكومية عدة في دبي قادرة على إنعاش أسواق الأسهم، إذا ما تم إدراج أسهمها، فضلاً عن شركات خدمات النفط الموجودة في إمارة أبوظبي.
تعافي الأسواق
وقال السيد إن هناك مؤشرات تدل على عودة الأسواق إلى حالتها الطبيعية بعدما شهدت أزمات متواصلة بدءاً من الانهيار الذي ضرب أسواق المال في العالم، ووصولاً إلى أزمات الديون السيادية والإضطرابات السياسية في المنطقة، وأوضح أنه كلما طال الفاصل الزمني عن هذه الأحداث، كلما عادت الأسواق إلى حالتها الطبيعية، وأشار إلى أن تسجيل المصارف في الدولة أرباحاً يؤشر على استعادة الأسواق حالتها الطبيعية والمستقرة، حيث إن عودة الشركات إلى تسجيل ربحية يسهم في تسريع عودة الأسواق إلى حالتها الطبيعية، كما أنه من الممكن رؤية عودة الاستقرار إلى الأسواق من خلال النظر إلى أداء القطاع العقاري.
تمثيل الهيكل الاقتصادي
ومن جانبه رصد تامر بزاري، الرئيس التنفيذي لشركة جينيرو الاستشارية عدم تمثيل سوق الأسهم لمكونات الهيكل الاقتصادي لإمارة دبي.مشيراً إلى أن هناك قطاعات غير ممثلة في سوق الأسهم بالشكل الذي يعكس ثقلها الكبير في البنيان الاقتصادي للإمارة، منها قطاعات السياحة والفندقة وتجارة التجزئة، حيث يزداد الطلب المحلي على هذه القطاعات، وهو ما يجعل السوق محصنة من الأموال قصيرة الأجل، ودعا إلى خصخصة الشركات الحكومية ذات العيار الثقيل.ودعا بزاري إلى ضرورة العمل على تخفيض تكاليف قطاع الوساطة المالية الذي يواجه في الوقت الحالي مصاعب ناجمة عن ارتفاع تكاليفه التشغيلية، بالنظر إلى ضرورة احتفاظ الوسطاء بقدر من رأس المال لتغطية مراكز عملائهم، فضلاً عن قيامهم بتسديد رسوم للجهات التنظيمية لأسواق المال في الدولة.
وحث بزاري على دعم أسواق الأسهم في الدولة من خلال التحفيز على قيد اكتتابات جديدة، خصوصاً من جانب الشركات ذات الجاذبية للمستثمرين والمتداولين، حيث إن زيادة الاكتتبات تسهم في عودة الحركة والانتعاش إلى الأسواق، فضلاً عن العمل على تحفيز الاندماجات بين الشركات على نحو يسهم في تأسيس كيانات قادرة على اجتذاب المتداولين.وعزا بزاري أسباب تراجع اكتتابات الشركات إلى التخوف من ضعف الإقبال على إصداراتها إذا ما جرى قيدها في الأسواق، ولفت إلى أن هناك علاقة ارتباطية بين قوة أداء الشركة وتنوع أنشطتها من جانب، والإقبال على أسهمها من جانب آخر، بحيث أنه كلما زادت قوة أداء الشركة وتنوعت أنشطتها كلما زاد الأقبال على أسهمها، والعكس صحيح.
وقال بزاري إن قيمة التداولات في أسواق الدولة قد تراجعت بنسبة 75% بين عامي 2006 و2010.فيما وصلت هذه النسبة في المملكة العربية السعودية إلى 85%، مشيراً إلى أن المستثمرين الأفراد في الدولة يمثلون 60% من إجمالي المستثمرين، وهو وضع ينطوي على تحديات تتعلق بكون قرارتهم الاستثمارية مدفوعة باعتبارات العواطف والمشاعر، وهو ما يجعل العوامل لصيقة الصلة بالمعنويات تهيمن على حركة التداول.
إدارة الأصول
وتوقع بزاري زيادة نمو صناعة إدارة الأصول على نحو يسهم في تعزيز نضج الأسواق بأن تكون حركة التداول مدفوعة باعتبارات تتعلق بالتحليل الفني للأسهم أكثر مما تتعلق بالعواطف، مشيراً إلى أن المستثمرين الأفراد باتوا أكثر ميلاً إلى تفويض شركات إدارة الأصول مهمة لإدارة محافظهم من الأسهم، بعدما أقنعتهم الخسائر التى تكبدوها بأن إدارتهم الشخصية لمحافظهم تنطوي على قدر عال من المخاطرة، مشيرا إلى أن شركات إدارة الأصول في الإمارات تتمتع بآفاق واعدة ومبشرة، بالنظر إلى أن هذه الصناعة تمتلك سجلاً من النجاحات يجعلها في موقع يؤهلها لجذب المزيد من العملاء المهتمين بإدارة محافظهم على أسس احترافية، خصوصاً وأنها قد أثبتت قدرتها على تحقيق عوائد جيدة لعملائها مع مخاطر أقل.
وتوقع بزاري أيضاً أن يحتاج تطور صناديق حقوق الملكية الخاصة في الإمارات إلى بعض الوقت لكي تصبح صناعة مزدهرة، مشيراً إلى أن هذه الصناعة مازالت حديثة العهد في الدولة، وتعود بدايات تأسيسها إلى سبع أو ست سنوات مضت، وقبل ذلك لم يكن لهذا القطاع وجود كصناعة مالية متميزة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى عمر أسواق الأسهم ذاتها الذي لا يتجاوز كثيراً عقداً من الزمان، وهي فترة قصيرة بكل المعايير.

