تراجعت مؤشرات الأسواق المحلية خلال أول يومين من الأسبوع الماضي على الرغم من انتهاء موجة جني الأرباح وتراجع تأثير سحب السيولة الذي أحدثه اكتتاب شركة إشراق العقارية، وذلك بفعل التسريبات المتعلقة ببنك دبي وما رافقها من تداول توقعات متشائمة. ومع ظهور خبر قيام حكومة دبي بإعلان استحواذها على البنك حماية لأموال المودعين وإعلانها عن القيام بضخ السيولة فيه، عاد اللون الأخضر إلى شاشات التداول خلال يومي الثلاثاء والأربعاء ليمحو خسائر اليومين الأولين وكان من الطبيعي أن نشهد تراجعا في يوم الخميس بسبب إغلاق مراكز المكشوف التي ما كان للمتداولين أن يبقوا عليها للأسبوع المقبل بسبب ما سيطر عليهم من مخاوف أججتها إشاعات بداية الأسبوع المتعلقة ببنك دبي. إغلاق الأسواق الإماراتية على تراجعات طفيفة لم تتجاوز 0.71% في سوق الإمارات و 0.86% في دبي و 0.71% في أبوظبي في ظل ظروف ارتباك خلقته تسريبات وتهويل لوضع بنك دبي، يؤشر استمرار حالة التفاؤل والتحفز لاستقبال خبر انضمام أسواق الإمارات لمؤشر مورغان ستانلي.
وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع ان انخفاض قيمة التداول خلال يومي الأحد والاثنين في سوق دبي، في وقت تداول إشاعات وتسريبات عن بنك دبي، كان دليلا على تماسك المستثمرين. فانخفاض المؤشر بنسبة 1.44% يوم الاثنين في ظل تداولات 170 مليونا تعني أن القلة التي أرادت الخروج تحت تأثير من هذه التسريبات اضطرت للبيع بسعر السوق، وبما أدى إلى تراجع قوي نسبيا في ظل تداول محدود من حيث القيمة والحجم. وبهذا نستطيع القول ان الأسواق تمكنت من المحافظة على روح التفاؤل رغم تناقص السيولة فيها بفعل الاكتتابات الثلاثة والتي كان آخرها اكتتاب شركة إشراق العقارية.
الإجراء الفوري الذي اتخذته حكومة دبي لحماية أموال المودعين عزز الثقة مجددا بالدور الريادي للحكومة المحلية لإمارة دبي وكذلك بالدور المساند للحكومة الاتحادية متمثلا بوزارة المالية والبنك المركزي. وخلافا لكل التوقعات استطاعت السوقان الارتفاع في يوم الثلاثاء، حيث عوضت سوق دبي معظم خسائر الاثنين بتداولات منخفضة القيمة والحجم تدل على محدودية عروض البيع مقابل كثرة طلبات الشراء.
تحسن في الأداء الاقتصادي
التفاؤل الذي نعتقد أنه لا يزال قويا في الأسواق، يستند بالنسبة للمستقرئين من مؤسسات وصناديق وحتى من كبار المستثمرين الأفراد، إلى حقائق رقمية وقيمية. فمن الحقائق الرقمية، الارتفاع الملموس في أنشطة التجارة الخارجية والداخلية لدولة الإمارات، حيث نمت منذ نهاية ديسمبر الماضي بصورة كبيرة نسب الواردات بالمقارنة مع الشهر الذي سبقه. فقد ارتفعت نسبة الواردات 12.8% والصادرات غبر النفطية بنسبة 8.4% وإعادة التصدير بنسبة 13% فيما ارتفعت صافي الواردات بنسبة ٪12.7. أما في العام الحالي فقد استمر النمو القوي في التجارة بدليل أن عمليات التصدير المباشرة المنفذة خلال شهري يناير وفبراير زادت بنسبة 48% لتبلغ 13.2 مليار درهم مقابل 8.9 مليارات درهم خلال نفس الفترة من العام الماضي في دبي، الأمر الذي يعكس النمو في القدرات الإنتاجية والارتفاع في القدرات التنافسية في الأسواق الخارجية. وارتفعت عمليات إعادة التصدير بنسبة 40 % خلال أول شهرين من العام الحالي لتزيد قيمتها على 29.6 مليار درهم في دبي فقط، مقابل 21.2 مليار درهم خلال فترة المقارنة، كما أن حجم الواردات المباشرة من دول العالم نمت بواقع 26% لتبلغ 70 مليار درهم مقابل 55.7 مليار درهم لنفس الفترة من العام الماضي في إمارة دبي.
من المؤشرات الرقمية الأخرى الدالة على التعافي؛ الزيادات الكبيرة في ودائع المقيمين، والتي تمثل الادخار القومي الذي يفترض ان يذهب لتمويل الاستثمار ورفع معدلات النمو. النشرة الإحصائية التي يصدرها البنك المركزي الإماراتي توضح بصورة مفصلة حجم ودائع المقيمين، والتي ازدادت في شهري يناير وفبراير بمقدار 11.6 و 19.4 على التوالي، في الوقت الذي تراجعت ودائع غير المقيمين، علما أن المتوسط الشهري للزيادة في الودائع الزمنية خلال العام 2010 كان 3 مليارات فقط، وفي 2009 كان خمسة مليارات.
مؤشرات استدلالية
من المؤشرات القيمية التي لا تتوفر عنها ارقام وإنما تدل عليها تقارير انطباعية هو الارتفاع الكبير جدا في أنشطة السياحة، والتي يتبعها تحسن في أنشطة تابعة ومتصلة بالنشاط السياحي. وقد أظهر استطلاع أجرته إحدى المجلات البريطانية المتخصصة في سياحة الأثرياء أن دبي تأتي في المركز الثاني عالميا كمقصد سياحي مفضل لمن شملهم الاستطلاع، بعد جنوب إفريقيا، وأن طيران الإمارات احتلت المركز الأول بين شركات الطيران العالمية التي يفضلها السائحون في العالم، وبرج العرب أفضل فندق يفضله السائحون. أما ما يتعلق بسياحة الطبقات المتوسطة، فقد إشارات العديد من التقارير إلى أن الاضطرابات السياسية التي تعيشها البلدان العربية ذات الصفة السياحية كسوريا والأردن ومصر، ستجعل من دبي المقصد الأول لسياح الشرق الاوسط. وطبعا ارتفاع السياحة في عموم الدولة سيشغل وينشط العديد من القطاعات التي عانت من التباطؤ الواضح في السنوات السابقة. وهناك مؤشرات أولية على ارتفاع نسب الإشغال الفندقي إلى مستويات مقاربة للمستوى الذي كانت عليه في العام 2008 لتقترب من 80%.
تحسن أداء الأسواق الناجم عن التفاؤل المدفوع ببروز العديد من المؤشرات على انتهاء الأزمة وبدء الاقتصاد بتحقيق نمو حقيقي في القطاعات غير النفطية منذ بداية العام الحالي، بعد أن كانت سجلت تراجعات وإن طفيفة في العام 2010، لا يزال حذرا. والأسواق تنتظر قرار مورغان ستانلي بشأن ترقية الأسواق إلى مرتبة الناشئة، والتي ويعول عليها الكثير من المستثمرين والمراقبين، أملا كبيرا في منحها المزيد من القوة والرفع لمقدرتها التنافسية على المستوى العالمي بعد انضمامها إلى هذا المؤشر الدولي، حيث ان حجم الأموال التي تدار وفق مؤشر مورغان ستانلي تقدر بأكثر من 3 تريليونات دولار حول العالم، ومن المتوقع أن يتم توجيه جزء منها إلى السوق الإماراتية. وطبعا فإن الأسواق ستعتمد في حالة الانضمام إلى هذا المؤشر على الموارد الذاتية للمستثمرين في الدخول إلى الأسواق، وعلى التحول المتوقع من الإيداع في المصارف إلى التوظيف في الأسواق. إذ ليس من المتوقع أن تغير المصارف من سياساتها الإقراضية المتشددة، والتي اتبعتها خلال الفترة الماضية.
سرعة تراجع «إيبور»
ليس من المتوقع ان تغير المصارف من سياساتها الإقراضية بدليل أنها لا تزال تعرض أسعار فائدة على القروض الطويلة فيما بينها مرتفعة نسبيا بالمقارنة مع الفائدة على القروض لمدة أسبوع والتي تراجعت بصورة كبيرة. فخلال شهر مايو كانت سرعة تراجع الإيبور لمدة شهر بالمقارنة مع سرعة تراجع الإيبور لمدة ستة اشهر وسنة تعكس اصرار البنوك على الابقاء على اسعار الفائدة على القروض التي تمنحها، مرتفعة نسبيا بالمقارنة مع سعر الفائدة الذي تعرضه للقروض لمدة أسبوع، والذي يعكس وفرة السيولة لديها. ان تمسك المصارف بأسعار فائدة مرتفعة للقروض البينية للمدد الطويلة نسبيا هو لجعل الفرصة البديلة للإقراض مجزية. فلو كان سعر الإيبور لمدة سنة منخفضا فإن الإقراض للمؤسسات والأفراد سيكون منخفضا، إذ في هذه الحالة سيقوم بنك ما بالاقتراض من آخر بسعر فائدة إيبور منخفض ويعيد إقراضها بسعر فائدة أعلى قليلا من سعر الإيبور، وهو ما سيؤدي الى تراجع أسعار الفائدة التي تقرض بها المصارف الأفراد والمؤسسات. لذلك فرغم وفرة السيولة لدى المصارف، التي ادت بالضرورة الى تراجع ايبور ــ اسبوع بنسبة تزيد على 40% منذ بداية العام ، إلا ان ايبور ــ عام فما فوق لم ينخفض سوى بنسبة تقل عن 10%.
بدائل تعنت المصارف في الإقراض
تزايد الودائع للمقيمين المستمر منذ عدة اشهر وتشدد المصارف في الإقراض جعلها أيضا تتحكم بأسعار الفائدة على الودائع والتي تتراجع هي الأخرى مع تراجع الإيبور.
وأمام توقع استمرار تشدد المصارف في سياسات الإقراض وفي ظل استمرار انخفاض عوائد الودائع البنكية بسبب انخفاض الفائدة على الودائع، فإن المستثمرين سيبدؤون بالتفكير بالفرص البديلة لتوظيف الأموال، إذ لا يعقل ان يكون العائد بحدود 1% لمدة سنة.
أول وأهم هذه الفرص هو التوظيف في أسواق الأسهم، خصوصا إذا ما تم ادراج أسواق الإمارات ضمن مؤشر مورغان ستانلي. وهذا التوجه ستأخذ به المؤسسات قبل الأفراد علما أن الودائع الزمنية (التي تتوخى العائد البنكي) والبالغة 544.7 مليارا في فبراير، والتي تشكل 62% من أجمالي الودائع تحصل الآن على عائد لا يزيد على 1% سنويا. وعلى هذا الأساس فمن المتوقع أن يوظف الأفراد والمؤسسات جزءا من ودائعهم الزمنية في الاستثمار في أسواق الأسهم بصورة تدريجية. القطاع العام لديه ودائع زمنية قد تصل إلى 40 مليارا قد يسحب منها 5% أو مليارين للتوظيف في فرص بديلة غير الإيداع المصرفي. أما الأفراد فيقدر ما لديهم من ودائع زمنية بحدود 180 مليارا قد يسحب منها لصالح الاستثمار البديل 5% أيضا، وبذلك قد تتوفر للأسواق 11 مليارا في حالة انضمام أسواق الإمارات الى مؤشر مورغان ستانلي، إلى جانب الأموال التي قد تستثمر من قبل الأجانب. غير أن الفرص البديلة للاستثمار في الودائع البنكية يجب ان تخلق من قبل مؤسسات الأعمال التي تحتاج للسيولة. فسوق السندات تتعطش لإصدارات تعطلت في السنوات السابقة خلال فترة الأزمة، ونعتقد أن الوقت مناسب تماما لقيام مؤسسات الأعمال بإصدار سندات لحاملها قابلة للتداول في أسواق المال، وبما يرفع من عمق الأسواق المالية من جهة ويؤدي إلى تحرير السيولة التي تحتجزها المصارف. ان سوق السندات يجب ان يكون البديل القوي لمواجهة تعنت المصارف واحتجازها للسيولة. وإلى جانب سوق السندات، تأتي سوق الإصدارات الأولية كمصدر لتمويل الشركات التي تحتاج إلى السيولة. ورغم أن الاكتتابات قد تؤدي إلى سحب السيولة من الأسواق المالية، إلا أنها عندما تكون لشركات كبيرة وذات جدوى كبيرة وتقييم عال ستؤدي إلى سحب السيولة من المصارف وذهابها إلى الشركات لتعود إلى المصارف بشكل ودائع نقدية، وبما يحول الودائع الزمنية المحتجزة لدى المصارف إلى ودائع تحت الطلب تسهم في إنعاش الأسواق. فمنذ نهاية العام 2008 وحتى الآن أصبح الارتباط موجب قوي بمقدار 0.87 بين الودائع النقدية والقروض المقدمة للمقيمين. وتفسير ذلك أن زيادة الودائع النقدية لدى المصارف تؤدي الى زيادة مضاعف النقد، وهو ما يسمح بزيادة خلق النقود وإعطاء القروض.
