تمكنت أسواق الأسهم المحلية خلال الأسبوع الماضي من المحافظة على روح التفاؤل، وذلك على الرغم من استمرار هبوط مؤشرات الأسواق خلال الأسبوع تواصلا مع موجة جني الأرباح التي كانت قد بدأت في الرابع والعشرين من أبريل الماضي، وأيضاً رغم تناقص السيولة في الأسواق بفعل الاكتتابات الثلاثة، والتي كان آخرها اكتتاب شركة إشراق العقارية، التي جمعت 206 ملايين درهم وتم تغطية اكتتابها بنسبة 100%، مما يعني ان الاكتتابات تمت من دون تمويل مصرفي، وبالاعتماد على موارد ذاتية للمكتتبين، وقد يكون قسم منها أتى من تسييل أوراق مالية في أسواق الأسهم.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: رغم تزامن جني الأرباح مع عمليات تسييل لغرض توفير سيولة للاكتتاب بشركة ابتكرت اسلوبا مغريا لجذب المكتتبين، وهو دفع ربع قيمة الاكتتاب، مما دفع المكتتبين لعدم طلب التمويل من المصارف، فإن المستثمرين لم ينجرفوا في موجة البيع هذه. فقيمة التداول التي انخفضت بشكل كبير خلال فترة التراجع تدل على أن عروض البيع كانت محدودة وأن جني الإرباح والتسييل تم ببطء وبصورة تدريجية. وخلال فترة التراجع، والتي استغرقت أكثر من اسبوعين حتى اقفال أول أمس، تراجع مؤشر سوق الإمارات بنسبة 2.13% فيما تراجع المتوسط اليومي لقيمة التداول إلى 292 مليون درهم في كل من سوقي دبي وأبوظبي الماليين من 471 مليون درهم بنسبة تقارب 64%.

 

تماسك المستثمرين

وقد تراجع سوق دبي في نفس الفترة بنسبة 4.31%، كما تراجع المتوسط اليومي لقيم التداول بنسبة 62%، وفي سوق ايوظبي تراجع المؤشر بنسبة 1.22%، بينما تراجع المتوسط اليومي لقيم التداول بنسبة 73%. وقال الدكتور الشمّاع: إن تزامن تراجع المؤشر مع تراجع قيم التداول يعكس تماسك المستثمرين ورغبتهم بالبقاء في السوق. كما أن خروج الأجانب غير العرب المنظم خلال فترة جني الإرباح يعكس نيتهم في العودة للدخول إلى الأسواق مجددا حال انتهاء موجة جني الأرباح والتسييل.

وبالفعل فقد عاد الأجانب غير العرب للدخول القوي إلى سوق دبي يوم الثلاثاء بصافي مشتريات بقيمة 42 مليون بعد أن كانوا قد خرجوا خلال فترة جني الأرباح الممتدة من 24 ابريل إلى 9 مايو. وفي أبوظبي أيضا عاود الأجانب غير العرب الدخول بعد أن خرجوا خلال فترة جني الأرباح رغم كون دخولهم وخروجهم غير مؤثر لضآلة قيمته.

 

أسباب التفاؤل

وأضاف: من أسباب استمرار حالة التفاؤل في أوساط المستثمرين وخصوصا المؤسساتيين، الذين يستقرؤون المؤشرات المتعلقة الاقتصاد والتعافي التدريجي وتحسن مستويات السيولة، تواصل تحسن مؤشرات الأداء الاقتصادي للدولة إلى جانب التحسب لاحتمال ترقية الأسواق الإماراتية الى مرتبة الأسواق الناشئة صعودا من مرتبة الأسواق الواعدة. فمن بين المؤشرات التي ظهرت بشأنها أرقام جديدة، مؤشر تعافي تجارة إعادة التصدير التي تشكل فقرة رئيسية في الأنشطة الاقتصادية لإمارة دبي.

فقد ارتفعت قيمة إعادة الصادرات للدولة إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في شهر ديسمبر، وبنسبة 13% عن شهر نوفمبر، وبنسبة تصل إلى 59% بالمقارنة مع المتوسط الشهري لتجارة إعادة التصدير في عام 2008، حيث إن ارتفاع تجارة الترانزيت يعكس أمرين في آن واحد هما تعافي الاقتصاد العالمي وتحسن استيرادات السلع المعاد تصديرها، كما يدل على ارتفاع قدرات الدولة في مجالي التنظيم التجاري وتقديم الخدمات المساندة لإعادة التصدير. وتابع التقرير: من المؤشرات الأخرى على تحسن الأداء الاقتصادي ارتفاع صافي الواردات للدولة كمؤشر على تحسن ثقة المستهلك وارتفاع إنفاقه، فبعد أن انحدر صافي الواردات إلى أدنى مستوياته في سبتمبر 2009، عاد وارتفع في ديسمبر الماضي إلى أعلى مستوى له منذ بداية العام 2009.

 

تراجع سعر الفائدة

وأكد الدكتور الشمّاع أن استمرار تراجع سعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور) يشكل أيضاً احد أهم الدلائل على التحسن السريع والمضطرد للسيولة لدى المصارف، والتي كانت قد ارتفعت في مارس الماضي بمقدار 57 مليار درهم، وهو ما يمثل الفرق بين الودائع والقروض. وقد استمر الإيبور في شهر مايو الجاري بالتراجع بنسب اكبر من نسب تراجعه في ابريل الماضي. وتعكس نسب تراجع الإيبور سرعة التعافي الاقتصادي في الدولة، والتي تفوق نسب التعافي الاقتصادي الأميركي، والتي بدورها تدفع سعر الفائدة على الدولار (الليبور) للتراجع. فالفرق بين الإيبور والليبور على الدولار مستمر في التناقص لصالح الإيبور. مشيراً إلى أن السرعة التي بدأ الاقتصاد الإماراتي يسير بها نحو التعافي تفوق سرعة تعافي الاقتصادات المتقدمة.

وأضاف أن من المؤشرات الأخرى على تحسن السيولة، كنتيجة لتحسن الأداء الاقتصادي، ارتفاع أرباح المصارف في الربع الأول بنسبة وصلت إلى 103% بالمقارنة مع الربع الرابع من العام الماضي وبنسبة 10% بالمقارنة مع ارباح الربع المناظر من العام الماضي، وقد أدى ذلك إلى تراجع المخصصات المستنزفة للأرباح، فقد ارتفعت أرباح 20 مصرفاً أفصحت لحد الآن بالمقارنة مع نتائج الربع الرابع من 2010 بمقدار 3 مليارات درهم.

 

الأرباح السنوية للمصارف

وتوقع الدكتور الشمّاع ان ترتفع أرباح جميع المصارف بعد اكتمال الافصاحات إلى 7.2 مليارات درهم، وبهذا تكون الأرباح السنوية للمصارف قد عادت إلى مستويات ما قبل الأزمة، أي إلى مستوى الربع الثاني من عام 2008.

واستدرك قائلاً: بالرغم من مؤشرات التفاؤل هذه التي سادت لدى المستثمرين، فإن هذا التفاؤل يبقى حذراً في ظل السياسة المتحفظة التي لا تزال المصارف تتمسك بها في مجال الإقراض. فالمصارف لا تكتفي في أدائها السلبي بعدم منح القروض واحتجاز السيولة، وإنما تقوم بسحب السيولة بصورة مستمرة من دورة الأعمال، وترفع من الضغوط الانكماشية التي تقلل من آثار التعافي في الاقتصاد الإماراتي.

فخلال الربع الثالث من العام الماضي حصلت المصارف المفصحة ما يزيد على 15 مليار درهم كفوائد عن إجمالي القروض الممنوحة من قبلها، والبالغة 854 مليار درهم، بمعدل فائدة سنوي يبلغ 7%، وفي المقابل فإنها قدمت كقروض للأفراد والمؤسسات ما قيمته 4.4 مليارات درهم فقط، أي أن التدفق النقدي الصافي للمقترضين هو 10.6 مليارات درهم خلال هذا الربع ليصل إلى 42.4 مليار درهم سنوي.

وإذا ما استبعدنا القروض الشخصية الاستهلاكية، التي تشكل نسبة منخفضة من إجمالي القروض، فإن المتبقي هو قروض تتعلق بالإنتاج السلعي والخدمي أو بالاستثمار المباشر في العقار أو بالاستثمار المالي غير المباشر. وجميع المقترضين في هذه المجالات يضطرون لدفع الفوائد في وقت تراجعت فيه مداخليهم أو قيم الأصول التي تم تمويلها بالقروض، مما يشكل ضغوطا على مؤسساتهم أو على الأصول العقارية أو المالية عند أول تحسن في قيمها.

 

السيولة ودورة الأعمال

وبالانتقال إلى تأثير سحب السيولة من دورة الأعمال فان المصارف بحصولها على الفوائد والرسوم والعمولات إضافة للودائع الجديدة خلال الربع الأول، في الوقت الذي لم تقرض فيه سوى 4.4 مليارات درهم، فإنها تكون قد قلصت الدورة الاقتصادية بمقدار الفرق بين القروض الجديدة وقيمة الفوائد والرسوم مضافا اليه المصاريف التشغيلية التي تدفعها المصارف وتعود الى دورة الدخل.

وقال الدكتور الشمّاع: سحبت المصارف من دورة الدخل في الربع الأول ما قيمته 50.7 مليار درهم. فإذا ما تم احتساب الزيادة في شهادات الإيداع والزيادة في أرصدة المصارف لدى المصرف المركزي، إلى جانب الزيادة في متطلبات الاحتياطي، فإن إجمالي هذه المبالغ يصل إلى 25.7 مليار درهم كسيولة محتجزة لدى المصرف المركزي. وإذا افترضنا أن الحال سيستمر على نفس المنوال للعام 2011 بأكمله فإن السيولة المحتجزة لدى المصرف المركزي قد تصل في نهاية العام إلى 102.3 مليار درهم سحبت وهو ما يشكل قرابة 10% من الناتج المحلي. إن الأثر الانكماشي لمثل هذا الاتجاه سيكون وخيما على الأداء الاقتصادي ما لم تغير المصارف سياستها الإقراضية.

 

القروض والودائع

وقال الدكتور الشمّاع: يمثل الفرق بين الزيادة التي حدثت في القروض خلال الربع الأول من العام الجاري وبين الزيادة في الودائع لنفس الفترة، والبالغ 42 مليار درهم، الادخارات التي تولدت في الربع الأول، والتي احتجزتها المصارف عن دورة الدخل. فالزيادة في الودائع المصرفية للربع الأول متأتية في غالبيتها من مقيمين، وهي تمثل الادخارات التي يفترض أن تعود غالبيتها لدورة الدخل كاستثمار من خلال إقراضها للأفراد والمؤسسات. ووفقا لاساسيات النظرية الاقتصادية فإن الادخار يجب ان يساوي الاستثمار.

وهذه المساواة الحتمية تتم من خلال وساطة المصارف بين المدخرين أصحاب الودائع والمستثمرين المقترضين. فإذا لم تتم هذه المساواة بين الادخار والاستثمار فسوف تتقلص دورة الدخل، لأن ما خرج منها من تدفقات سيكون أكبر مما عاد إليها. وإذا ما انتقلنا إلى الفرق بين الزيادة التي حدثت في القروض وبين الزيادة في الودائع لنفس الفترة بموجب بيانات المصرف المركزي التي تشمل كل المصارف العاملة في الدولة بما فيها الأجنبية، فإن هذا الفرق يصبح 37.8 مليار درهم .

 

. وهو ما يقل عن الفرق بين الودائع والقروض للمصارف الوطنية المدرجة في أسواق المال بمقدار 4.2 مليارات درهم. بمعنى أن المصارف الأجنبية قد أقرضت خلال الربع الأول 11.6 مليار درهم فيما اقتصر إقراض المصارف الوطنية المدرجة في الأسواق على 5.2 مليارات درهم، لتكون الزيادة الكلية في الإقراض خلال الربع الأول 16.8 مليار درهم، وهو رقم يتطابق مع أرقام المصرف المركزي .

 

. والمفارقة الغريبة ان الزيادة في ودائع المصارف الأجنبية كانت 8.3 مليارات درهم، وتقل عن الزيادة في قيمة قروضها البالغة 16.8 مليار درهم، أي أن المصارف الأجنبية أقرضت ضعف ما استلمت من ودائع، فيما لم تقرض المصارف الوطنية المدرجة في أسواق الأسهم سوى 12.3% من قيمة ما استلمته من ودائع خلال الربع الأول. وخلاصة القول إن المصارف الوطنية تتعمد احتجاز السيولة.