واصلت أسواق الأسهم المحلية لعدة جلسات التذبذب في نطاق ضيق نسبياً في الأسبوع الماضي. فبين الضغوط البيعية المتولدة عن حاجة بعض المتداولين لتحرير السيولة العالقة والمحتاجين إليها بعد أن ارتفعت أسعار الأسهم، وبين الرغبة في البقاء المدفوعة بالتفاؤل بإمكانية التحسن القوي لمؤشرات الأسواق، تراجعت قيم التداول بشكل ملحوظ بالمقارنة مع الأسابيع السابقة.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي: لو أخذنا سهم إعمار على سبيل المثال والذي ارتفع من 3.07 دراهم في يوم 6 ابريل إلى 3.45 دراهم في 21 ابريل بنسبة 12.3%، فإن قيمة تداولاته التي كانت في اليوم الأول 97 مليون درهم تراجعت في 21 أبريل إلى 30 مليون درهم بنسبة 66%، مما يشير إلى رغبة الغالبية العظمى من المتداولين للبقاء في السوق.
ولعل مما أسهم في تراجع قيم التداول التي تراجع معدلها اليومي بنسبة تزيد على 40% بالمقارنة مع الأسبوع السابق، هو خروج الأجانب غير العرب من سوق دبي خلال الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي بما قيمته 39.6 مليون درهم.
أي ما يعادل تقريبا قيمة صافي مشترياتهم خلال شهر ابريل بكامله عندما حققت الأسواق ارتفاعات قوية لغرض العودة في الدخول من الأسفل بعد أن تنتهي حركة التصحيح التي يشير إليها التحليل الفني. ولذا يمكن القول ان تراجع المؤشر الأسبوع الماضي كان بفعل مضاربات الأجانب غير العرب والذي خلق تأثير نفسيا على السوق ودفع العديد من المتداولين للترقب والحذر.
التحسن المتوقع
وقال الدكتور الشمّاع: إن التحسن المتوقع، والذي يدفع بعض المؤسسات إلى الدخول المبكر كما يدفع آخرين للتمسك بما لديهم من أسهم والبقاء في الأسواق، هو نتيجة لاستقراء أوضاع السيولة في الأسواق من خلال العديد من المؤشرات، وعلى رأسها تراجع سعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور)، وخصوصاً سعر الفائدة لمدة أسبوع، والذي يعكس الحاجة المصرفية للسيولة. ومن الملاحظ انه بدأ بالانخفاض بصورة يومية تقريبا فقد انخفض يوم الثلاثاء الماضي بنسبة 6.6% عن اليوم السابق، وانخفض يوم الأربعاء بنسبة 3.7% عن يوم الثلاثاء، مما يؤشر إلى أن الحاجات الآنية واليومية للمصارف من السيولة بدأت بالتراجع.
كما انخفض الإيبور لمدة شهر وثلاثة اشهر وستة اشهر وسنة يوم الأربعاء بنسب 0.3 ، 0.3، 0.46 و0.5% على التوالي. وعلى الرغم من تراجع الليبور للدولار خلال الأيام الماضية إلا أن الفرق بينها قد تضاءل وإن بصورة طفيفة بفضل تراجع الإيبور بأكثر من تراجع الليبور للدولار.
ويلاحظ أن أكبر تقلص في الفارق بين الإيبور والليبور هو الخاص بالفائدة لمدة أسبوع والتي تمثل وفرة السيولة النسبية في المصارف الوطنية.
ما تفضله المصارف
وأضاف الدكتور الشمّاع: تتأتى أهمية الإيبور كمؤشر على تحسن مستويات السيولة بالنسبة لمديري الصناديق والمحافظ من كونه عنصراً حاسماً في تحول المصارف نحو الإقراض، وبما يخفف من الآثار التي تركتها الأزمة المالية على السيولة في أسواق الأسهم.
ورغم أن المصارف لم تبد لحد الآن تجاوبا قويا للتحسن في مستويات السيولة، التي يؤشرها الإيبور باعتباره المرآة التي تعكس الحاجة للسيولة، والتي يؤازرها بيانات المصرف المركزي التي تشير إلى ارتفاع الودائع إلى مستويات تاريخية جديدة، فإن المصارف لا تزال تفضل التوظيف في شهادات الإيداع ذات العائد الذي تحدده بنفسها من خلال آلية المزاد التي يتم بموجبها تحديد سعر الفائدة على شهادات الإيداع والذي يعتبر الفرصة البديلة للإقراض إلى عموم الأفراد والمؤسسات في المجتمع.
فطالما كان العائد على شهادات الإيداع مرتفعاً دون أية مخاطر كما هي الحال عند إقراض الأفراد والمؤسسات، فإن المصارف تذهب عند وفرة السيولة إلى هذا الأسلوب في التوظيف المالي.
وفي ظل غياب الحاجة للسيولة وفي ظل ارتفاع مخاطر الإقراض، فإن أسعار الفائدة على الودائع تكون منخفضة جدا كما هي الحال الآن في الدولة. لذا فإن المصارف لا تجد ضيرا من التوظيف في شهادات الإيداع بدلا من الإقراض.
الودائع والقروض
وأشار الدكتور الشمّاع إلى تزايد الودائع بصورة أسرع من زيادة القروض، حيث ارتفعت الودائع في شهر مارس الماضي بنسبة 2.4% بالمقارنة مع الشهر السابق له، فيما تراجعت القروض بنسبة 0.1%، وقال: يدل ذلك على ان المصارف غير مكترثة بأوضاع السيولة في الأسواق، وغير مكترثة للنهوض بمسؤوليتها في تحقيق التطور والنمو. ويلاحظ هنا أيضا عدم وجود ارتباط موجب بين تغير الودائع وتغير القروض.
فالمفروض ان الزيادة في الودائع تؤدي إلى زيادة في القروض. حيث إن جوهر عمل المصارف هو الوساطة بين المدخرين والمستثمرين من خلال جمع الادخارات وإعادة إقراضها. والقول إن مستوى القروض المقدمة مناسب في مثل هذه الظروف أمر مجاف للحقيقة. فسعر الفائدة المرتفع الذي تفرضه المصارف في ظروف التباطؤ الاقتصادي وتراجع معدلات النمو هو كابت للنمو وسير على عكس التيار. والسياسات النقدية في أي مكان في العالم تسعى للتخفيف والتيسير النقدي في ظل ظروف التباطؤ والركود.
وعلى عكس ذلك، فإن المسيرة النقدية والمصرفية في الدولة تفرض التشدد في ظروف التباطؤ وبما يزيد الطين بلة.
توقعات التغير
وعلى الرغم من هذه المؤشرات غير المريحة للسياسات المصرفية والنقدية، يتوقع الدكتور الشمّاع أن يبدأ التغير مع استمرار تدفق الأموال والودائع النظامية على الدولة من الخارج بسب البيئة الاجتماعية والاقتصادية والمالية المناسبة.
فالمصرف المركزي والمصارف اللذان يخشيان في تقديرنا من عدم استقرار الودائع لغير المقيمين لفترة طويلة، سيغيران من قناعتهما بعد أن يتأكدا من أنها ستقيم لفترة طويلة. ولعل خير اختبار لمدى استقرار هذه الأموال هو أن يتم تغير أسلوب تحديد أسعار الفائدة على شهادات الإيداع من أسلوب المزاد إلى أسلوب التحديد المباشر من قبل المصرف، وبما يؤدي إلى انخفاض الفائدة على الودائع الثابتة إلى مستوى تتساوى فيه مع الفائدة الأمريكية. هذا التطور المطلوب يمكن أن يكون أكثر قبولا من المصرف المركزي في ضوء تحسن مستويات السيولة، والتي بدأت تتحرك بفعل بعض العوامل. وهو ما يمكن أن يقلل من مخاوف المصرف المركزي ويساعده على اتخاذ القرار المناسب لمغادرة السياسة النقدية المتشددة إلى سياسة نقدية توسعية.
وأضاف: وصلت الفجوة بين الودائع والقروض إلى أعلى مستوياتها، وصحيح أن ذلك قد يكون جزئيا بسبب الودائع غير المقيمة التي تدفقت خصوصا في شهر اكتوبر 2010، إلا أن أتساع الفجوة بصورة معاكسة لصالح الودائع جاء أيضا نتيجة لنمو ودائع المقيمين.
وهذا السبب بحد ذاته يجب أن يكون مبررا لعدم استمرا تشدد المصارف في الإقراض وزيادة توجهها نحو شهادات الإيداع، وبما يجعل المصرف المركزي يصبح أكبر جهة تقوم بحبس السيولة عن الاقتصاد.
ولعل ذلك بحد ذاته سببا قويا ومهما يجب ان يدفعه لردم الهوة بين أسعار الفائدة على الدرهم والفائدة على الدولار. هذه الهوة التي كان يتذرع بها كعامل لتأجيج المضاربة، في فترة الطفرة، عندما كانت هناك مطالب ودعوات للمصرف المركزي بأن يرفع أسعار الفائدة إلى أعلى من الفائدة على الدولار للتخفيف من الضغوط التضخمية.
تفسير عدم التناسب
وتابع الدكتور الشماع قائلاً: إن تفسير عدم التناسب الذي ظهر منذ أكتوبر الماضي بين الودائع والقروض لصالح الودائع التي فاقت القروض بمتراكم بلغ في شهر مارس الماضي 57 مليار درهم هو أربعة عوامل، أولها وأهمها توجه المصارف نحو شهادات الإيداع كبديل عن الإقراض المصرفي، حيث استولت هذه الشهادات على نسبة 68% وبما قيمته 38.8 مليار درهم من الفرق بين الودائع المتراكمة والقروض المتراكمة والبالغ 57 مليار درهم. وذهبت نسبة 6.5% لتلبية متطلبات زيادة الاحتياطي بقيمة 3.7 مليارات درهم، ونسبة 5% لزيادة أرصدة الحسابات الجارية للمصارف لدى البنك المركزي وبقيمة 2.9 مليار درهم. أما المتبقي من الفرق بين الودائع والقروض والبالغ 18.2 مليار درهم فنعتقد بأنه قد ذهب لتسديد التزامات واجبة التسديد على المصارف في صورة سندات مستحقة أو قروض لجهات خارجية، خصوصا في نهاية العام 2010. إن البيانات التفصيلية التي توضح مصادر الودائع فيما إذا كانت لمقيمين او لغير مقيمين لم تظهر من المصرف المركزي بعد، بحيث يمكن معرفة مصادر تمويل الزيادة في شهادات الإيداع التي ارتفعت بنسبة 18.4% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي بالمقارنة مع نهاية العام الماضي.
ولكن بالقياس على الفترة التي تتوفر فيها البيانات التفصيلية عن ودائع غير المقيمين فيوجد ارتباط موجب قوي بين تغير ودائع غير المقيمين وتغير شهادات الإيداع.
فودائع غير المقيمين ارتفعت في نهاية 2010 بقيمة 31.5 مليار درهم بالمقارنة مع نهاية 2009، بينما ارتفعت شهادات الإيداع بقيمة 26.9 مليار درهم فقط.
وهذا يعني ان معظم ودائع غير المقيمين تم توظيفها في شهادات الإيداع. وبطبيعة الحال فإن ما يقرر التوظيف في استثمارات قابلة للتسبيل بيسر وسهولة هو أمد الإيداع لغير المقيمين.
فكلما كان قصير الأجل زاد توجه المصارف نحو توظيف هذه السيولة في شهادات الإيداع.
ولكن حتى بالنسبة للإيداعات غير المقيمة قصيرة الأجل، فإن المصارف قد تطمئن إلى استقرارها إذا مرت فترة مناسبة دون انسحابها. وعلى هذا نتوقع أن يتراجع توجيه الودائع غير المقيمة نحو شهادات الإيداع تدريجيا.
واختتم الدكتور الشماع قائلاً: في هذه المرحلة وبعد أن اطمئن المصرف المركزي إلى جانب السلامة المالية نأمل أن يتجه إلى توسيع سياسته النقدية مع تحسن مستويات السيولة. ولعل أول وأهم إجراء في مجال توسيع السياسة النقدية هو خفض الفائدة على شهادات الإيداع وبما يؤمن توقف استقطاب الأموال المضاربية التي تحقق للأموال الساخنة أرباحاً طفيلية من جهة، وتؤدي من جهة ثانية إلى انخفاض أسعار الفائدة للإقراض.
كما أن خفض الفائدة على شهادات الإيداع سيقلل من حجمها بالتأكيد، ويؤدي إلى ارتفاع مضاعف عرض النقد الضيق والذي بدوره يدفع باتجاه زيادة الإقراض المصرفي بسبب زيادة قدرة المصارف على خلق نقود الودائع من جهة، ومن جهة ثانية تحرير جزء من المبالغ الموظفة في شهادات الإيداع لدى المصرف المركزي وتوجهها بالضرورة نحو القروض.
وقال الشماع: ارتفاع أسعار النفط ليس السبب الوحيد لزيادة الودائع، فهناك أيضاً الزيادات المتوقعة في الناتج المحلي والمتولدة من مضاعفة الإنفاق الحكومي. وآفاق التحسن في الأداء الاقتصادي لا تقتصر فقط على البيئة المناسبة لزيادة التدفقات المالية من دول الجوار وتحسن ظروف الاستثمار والتدفقات الاستثمارية في المنطقة وما تفتحه من فرص عمل للشركات الإماراتية، وخصوصا العقارية منها، ولكنها تمتد إلى النشاطات السياحية والتي يمكن أن تسهم بزيادة كبيرة في الناتج المحلي، وتسهم بصورة غير مباشرة في نمو مساهمة التجارة الخارجية الداخلية للدولة.
ومن مؤشرات تحسن مستويات السيولة أيضاً استمرار تراجع المخصصات الشهرية التي أخذتها المصارف إلى مستويات هي الأدنى منذ منتصف 2008، فقد انخفضت مخصصات المصارف مقابل ديون مشكوك في تحصيلها إلى 2.3 مليار درهم فقط في الربع الأول هبوطا من 6.5 مليارات درهم في الربع الرابع من 2010.
