بعد جني أرباح لثلاثة أيام متتالية وبعد أن كانت أسواق المال المحلية قد جربت بحذر الارتفاع لمستويات وصلت إلى 0.84% يوم الثلاثاء في سوق دبي، عادت وتراجعت وبما أعطى مؤشرا على انتهاء موجة جني الأرباح، الأمر الذي أطلق للسوق العنان في الارتفاع يوم الأربعاء، حيث ارتفع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة قاربت 2%. إلا أن تغطية المراكز المكشوفة التي تولدت خلال أسبوعين من الارتفاع جعلت السوق تتراجع يوم الخميس.

وذكر المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: لعل مما يؤشر على أن تراجعات يوم الخميس كانت لتغطية مراكز مكشوفة انخفاض قيمة تداولات سوق دبي، فرغم تراجع السوق بنسبة 1.92%، لم تتجاوز قيمة تداولاتها 184 مليون درهم. والرقم المنخفض لقيم التداول، في ظل تراجع كبير نسبيا في المؤشر، يدل على حالة ايجابية تتمثل بوجود نسبة مرتفعة من المستثمرين الراغبين بالبقاء في السوق، والمتفائلين بالأداء المستقبلي. فانخفاض قيم التداول في ظل تراجع المؤشر يعني أن عروض البيع لم يكن يقابلها طلبات شراء، وذلك لقناعة السوق بأن البائعين المضطرين لتسوية المراكز المكشوفة سيتخلون عن أسعارهم ويبيعون في النهاية بأي سعر، وهذا ما جعل قيمة التداولات في سوق دبي تبقى منخفضة حتى ربع الساعة والدقائق الأخيرة التي تم بها شراء المعروض بأدنى الأسعار. وطبعا فإن ذلك يؤشر على انتهاء موجة البيع وأن الأسبوع القادم سيبدأ على موجة جديدة من الارتفاعات. وفي الواقع كان أداء الأسبوع الماضي متوقعا من خلال أداء آخر أيام الأسبوع الذي سبقه، حيث كان قد أشار إلى الحاجة لظهور مستجدات تحفز الاستمرار بالارتفاع. ولما كانت بداية الأسبوع الماضي خالية من الأخبار والمستجدات، والتي يمكن أن تعطي دفعة جديدة نحو المزيد من الارتفاعات قبل أن تستأنف الأسواق صعودها مجددا، فقد بدأت، وعلى مدى ثلاثة أيام متتالية، موجة جني أرباح سمحت لمن فاتتهم الفرصة للدخول المبكر بالالتحاق بالركب المتوقع له أن يكون سريعا خلال الأشهر القادمة.

 

توقع تواصل الارتفاع

وأضاف الدكتور الشمّاع: كل المؤشرات تشير إلى أن العقبة التي كانت تقف في وجه تحسن أداء الأسواق، وهي السيولة، قد بدأت بالتراجع. فهذه العقبة الكأداء لم تكن فقط تحد من تحسن أداء أسواق الأسهم فحسب، بل كانت وراء تراجع وتباطئ أداء كل الأسواق وكل الاقتصاد. واليوم تزداد المؤشرات وضوحا على بدء انحسار هذه المشكلة من الاقتصاد الإماراتي، ولعل أهم الدلائل المستجدة الأسبوع الماضي، وفقا لأخر البيانات التي صدرت سواء عن المصرف المركزي أو عن المصارف، استمرار تراجع أسعار الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور) وتزايد الودائع المصرفية وتزايد ما تحتفظ به المصارف من شهادات الإيداع إلى جانب استمرار ارتفع أسعار النفط.

 

استمرار انخفاض «الإيبور»

وذكر التقرير أن الإيبور سجل في شهر ابريل الجاري انخفاضات قوية وخصوصا في الأسبوع الماضي. فخلال أسبوع واحد فقط انخفض سعر الفائدة لمدة أسبوع فما دون بنسبة 2.3% عن مستواه قبل أسبوع. كما انخفض الإيبور لمدة سنة، وهو الأقل أهمية في ظروف الأزمة المالية، بنسبة 3% تقريبا، كما ان الإيبور يتراجع بين يوم وآخر هبوطا بنسبة تتراوح بين 0.25% و 0.5%، حيث هبط يوم 28 ابريل الإيبور لمدة أسبوع بنسبة0.27% عن يوم الاربعاء، ومن المتوقع أن تشهد أسعار الإيبور المزيد من التراجع خلال الفترة القادمة بسبب تدفقات الأموال من خارج الدولة إلى الداخل، وكنتيجة لاستمرار ارتفاع أسعار النفط. وبما يؤدي الى تقلص الفجوة بين الإيبور والليبور (سعر الفائدة الخارجي) للدولار.

وأضاف: كما ان الليبور للدولار هو الآخر أخذ بالتراجع لأسباب تتعلق بتحسن مستويات السيولة لدى المصارف الأميركية كنتيجة لاستمرار قيام الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) باتباع منهج التيسير النقدي عبر شرائه سندات الخزينة من المصارف وفق برنامج ال 600 مليار دولار التي ابتدأها منذ نهاية العام الماضي، والذي من المتوقع أن يجددها بعد صدور تصريحات لرئيس الفيدرالي تنبئ باستمرار السياسية النقدية التوسعية.

 

الإيبور والليبور

وتابع التقرير: على الرغم من تراجع الإيبور بصورة مستمرة وتسارع تراجعه في الأسبوع الماضي، إلا أننا لا نزال أمام أسعار فائدة مرتفعة تشكل عقبة أمام توسع الإقراض المصرفي، خصوصا للقروض التي لم تشمل بقرار المصرف المركزي، الذي سيتم تطبيقه في الأول من مايو (غداً) والخاص بتحديد الرسوم وإلزام المصارف باحتساب الفائدة على أساس القسط المتناقص. فالإيبور لا يزال مرتفعا بالمقارنة مع نظيره على الدولار الأميركي، وهو ما يؤدي لارتفاع الفائدة في الدولة بأعلى من الفائدة التي يتم بها الإقراض في الولايات المتحدة، على الأقل بمقدار الفرق بين الإيبور والليبور.

ويتساءل الدكتور الشمّاع: هل يمكن للإيبور أن يصل إلى مستوى الليبور للدولار فيما إذا استمر تدفق الأموال وارتفاع مستويات السيولة لدى المصارف الإماراتية، حيث أن الليبور للدولار ولمدة أسبوع لا يزال عند 0.178 في نهاية ابريل فيما أندنى مستوى وصل آلية الإيبور يوم الخميس هو 0.465 بفارق قدره 0.26.

ويجيب: نعم يمكن أن يتطابق الإيبور مع الليبور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، إذا ما تراجعت قيمة الفرصة البديلة لتوظيف المال المصرفي والمتمثلة في سعر الفائدة على شهادات الإيداع، والتي تعتبر في الإمارات بمثابة السعر المرجعي. والواقع فإن ما قد يقف في وجه تطابق الإيبور مع الليبور هو تفاوت الفرصة البديلة لتوظيف الأموال من قبل المصارف الإماراتية والمصارف الأميركية. ففي الدول الغربية والمتقدمة، الفرصة البديلة هي إما الإقراض أو الإيداع لدى السلطة النقدية، وبما أن سعر الفائدة المرجعي متفاوت في هذه البلدان، فإن أسعار الليبور لمختلف العملات تتفاوت بحسب ذلك، وهو ما يؤدي إلى تفاوت الفوائد التي تتعامل بها المصارف للإقراض. وكلما انخفض سعر الفائدة المرجعي كلما ارتضت المصارف إقراض بعضها البعض الأخر بسعر فائدة منخفض لمختلف الآجال. وواضح إذن ان ما يحدد الليبور على أي عملة هو سعر الفائدة المرجعي، والذي هو في الإمارات سعر شهادات الإيداع.

 

الفائدة على شهادات الإيداع

منذ نوفمبر2007 اختط المصرف المركزي أسلوباً جديداً غير مألوف في تحديد سعر الفائدة على شهادات الإيداع، والذي جعلها مرتفعة بأعلى مما يجب في ظروف الشح المالي. هذا الأسلوب هو المزاد الذي يقيمه المصرف المركزي، والذي يسمح للمصارف بتحديد السعر. ففي ظل ظروف الشح المالي يكون التنافس بين المصارف لشراء شهادات الإيداع كأداة استثمارية قليلاً ومحدوداً، وهو ما يجعلها تطلب شهادات الإيداع بدون منافسة كبيرة وبأسعار فائدة عالية نسبيا. ولكن وكلما توفرت السيولة لدى المصارف زاد تنافسها على شهادات الإيداع من الناحية النظرية، وعرضت بالتالي أسعار فائدة أقل للشهادات التي تبغي شراءها. وبالتالي فان عائد الفرصة البديلة سينخفض بما يجعل المصارف تقبل بإقراض بعضها البعض الآخر بفوائد أقل من السابق نتيجة انخفاض عائد الفرصة البديلة، وهو ما يقود إلى خفض الإيبور، وفي نفس الوقت فإن ارتفاع السيولة لدى المصارف يعمل بحد ذاته على تقليل الإيبور نظراً لتناقص حاجة المصارف للاقتراض فيما بينها، باستثناء القروض قصيرة الأجل التي تعبر عن الحاجات الآنية. والحقيقة ان هذه الآلية تعمل باتجاه معاكس لاتجاه الدورة الاقتصادية، ففي ظروف الشح المالي، حيث لا توجد منافسة بين المصارف لتوظيف أموال فائضة، فإن المصارف ستطلب أسعار فائدة عالية على شهادات الإيداع بدلا من التوسع في الاقراض، الأمر الذي سيرفع من الإيبور، وبالتالي من اسعار الفائدة للإقراض، وهو ما يؤدي إلى تعميق الاتجاه الركودي للدورة الاقتصادية. وعلى العكس من ذلك فان هذه الآلية ستعمل في ظروف الوفرة المالية والانتعاش والتضخم على زيادة حدته من خلال تخفيض الفائدة.

والواقع ولحد الآن فالفرق لا يزال كبيراً بين الليبور للدولار والإيبور للدرهم وبما يؤدي الى جعل أسعار الفائدة التي تتقاضاها المصارف مقابل القروض التي تمنحها للعملاء مرتفعة.

والفرق بين الليبور على الدولار وبين الإيبور على الدرهم يقارب 2%، وهو ما يجعل أسعار الفائدة في الولايات المتحدة حاليا ضعف سعر الفائدة المصرفية في الإمارات، هذا بافتراض أن المصارف الإماراتية تضيف نفس النسبة المئوية إلى الإيبور للوصول إلى سعر فائدة الإقراض.

 

ارتفاع شهادات الإيداع

ومن المؤشرات الأخرى على تحسن مستويات السيولة استمرار زيادة ما تحتفظ به المصارف من شهادات الإيداع، والتي زادت في شهر مارس الماضي على 111 مليون درهم، بارتفاع نسبته 6.81% عن شهر فبراير، وبنسبة تصل إلى 17% عن شهر يناير، لتكون النسبة الكلية في شهرين هي 25%. وعلى الرغم من أن زيادة شهادات الإيداع لدى المصارف لا تخدم زيادة الإقراض المصرفي، خصوصا منذ نهاية العام 2007 عندما بدأ العمل بنظام المزاد في تحديد سعر الفائدة على شهادات الإيداع، حيث أصبحت العلاقة بين شهادات الإيداع والإقراض المصرفي علاقة عكسية، متحولة من ارتباط موجب قوي قبل العمل بنظام المزاد.

ومع ذلك وفي كل الأحوال فإن زيادة شهادات الإيداع لدى المصارف مؤشر على تحسن مستويات السيولة. الأمر الذي يضع المصارف أمام خيارات محدودة في توظيف هذه السيولة. فإذا كان الإقراض من الخيارات غير المحبذة بسبب مخاطره العالية، وخصوصا في مجالي الأسهم والعقار، فإن البديل المتاح هو الإقراض الشخصي المضمون بالراتب والدخل، وتمويل شراء السيارات والمضمون بقيمة السيارة المؤمنة. كما أن شهادات الإيداع من البدائل التي تؤمن العائد إلى جانب تأمين السيولة التي يحتاجها المصرف من خلال آلية الشراء العكسي. ولكن وابتداءً من أول مايو 2011 سيبدأ تطبيق قرار المصرف المركزي باحتساب الفائدة على أساس القسط المتناقص، وهو ما سيقلص الفوائد المحتسبة من قبل المصارف إلى نصف ما كانت عليه سابقا للأنواع الثلاثة من القروض الشخصية والسيارات والسحب على المكشوف. وقد حاولت المصارف أن تتملص من هذا القرار بتأخير تسليم الاستمارة الموحدة، إلا أن المصرف المركزي اتخذ موقف حاسما بشأن عدم تأخير التطبيق. وقد بدأت المصارف تعلن عن أسعار فائدة مضاعفة لهذه الأنواع من القروض كطريقة للالتفاف على قرار المصرف المركزي. غير أننا نعتقد أن أسعار الفائدة الجديدة، وهي 8% لقروض السيارات مثلا، ستترك أثرا نفسيا محبطا على المقترضين، خصوصا وأن هذا السعر يقرب الفائدة من المستويات الربوية. لذا فمن المتوقع أن يظهر أثر قرار المصرف المركزي باحتساب الفائدة على اساس القسط المتناقص خلال الفترة القادمة من خلال اضطرار المصارف للتوجه نحو تيسير شروط الإقراض العقاري.