لازمت روح التفاؤل المستثمرين في سوق الأسهم المحلية خلال الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي. فقد استمرت العوامل الايجابية المتوقع ظهورها خلال الأشهر القادمة بالتأثير إيجابيا على أداء الأسواق. وفيما لا زالت بعض الأسواق الخليجية تتلقى الدعم المباشر من مؤسسات وصناديق حكومية كما هو واضح في السعودية وقطر.
فإن أسواق الإمارات تستمد قوة صعودها وأدائها الجيد من التوقعات المتفائلة، سواء تلك التي تتأثر وتتحسس مباشرة حركة السيولة والتدفقات النقدية فيها، أو تلك التي تتأثر ايجابيا بالتقارير التي تصدر عن مؤسسات خبرة طويلة وشفافية عالية. وخلال خمس جلسات متتالية، وللمرة الأولى منذ عدة أشهر، وفي كل من سوقي دبي وأبوظبي الماليين، تواصل الارتفاع للمؤشر العام بحيث كانت أسواق الإمارات الأسبوع الماضي الأفضل على الإطلاق في أدائها بالمقارنة مع الأسواق الخليجية.
وقال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: في يوم الخميس الذي يمكن ان يلقي الضوء على توقعات الأداء للأسبوع القادم فقد ارتفع السوقان بنسبة كبيرة في ظل تداولات أقل مما كانت خلال الايام الأربعة الأولى من الأسبوع، وبعد أن تقلب المؤشر عدة مرات بين اللونين الأحمر والأخضر وفي نطاق ضيق، خصوصا في سوق دبي، حسمت الأسواق أمرها في الساعة الأخيرة من التداول، وحددت مسار الأسواق للأسبوع القادم. حيث ارتفع المؤشر العام لسوق دبي بنسبة وصلت إلى 1,38٪ بالرغم من أن قيمة التداولات بقيت اقل بكثير من مستواها في يوم الأربعاء.
وأضاف: كنا قد اشرنا في الأسبوع السابق والمنتهي في 7 أبريل عندما تراجع المؤشر العام لسوقي دبي وابوظبي خلال الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع في ظل انخفاض المعدل اليومي لقيمة التداولات بنسبة 38٪ بالمقارنة مع معدلها اليومي في الأسبوع السابق، أشرنا إلى أن ذلك الانخفاض كان قد أشار إلى حالة ايجابية تتمثل في وجود نسبة مرتفعة من المستثمرين الراغبين بالبقاء في السوق والمتفائلين بالأداء المستقبلي. فانخفاض قيم التداول في ظل تراجع المؤشر يعني أن عروض البيع قليلة نسبيا، مما يدفع الراغبين في الخروج من المضاربين للتخلي عن السعر الأقل والذهاب إلى أسعار ادنى من السعر الراغبين في البيع عنده.
ولذا فإن هناك علاقة بين حدة تراجع المؤشر وقيمة التداولات. فكلما ازدادت حدة التراجع وقلت قيمة التداول دل ذلك على تماسك المستثمرين وتفاؤلهم، وأعطى مؤشرات على الارتداد الوشيك. وهو ما حدث فعلا الأسبوع الماضي، حيث ارتدت الأسواق بشكل كبير. وفي نفس الاتجاه تكررت الظاهرة في آخر أيام تداول الأسبوع ولكن بطريقة معاكسة.
حيث ارتفع المؤشر العام لسوق دبي بشكل كبير بنسبة 1,38٪ في ظل انخفاض نسبي لقيمة التداول، والتي تدل على قلة عروض البيع أمام قوة طلبات الشراء مما يضطر المشتري للانتقال إلى السعر الأعلى. وطبعا فإن ذلك يؤشر إلى أن السوق ستواصل الارتفاع في الأسبوع القادم.
التقارير العالمية
وتابع الدكتور الشمّاع قائلاً: التقارير التي صدرت من بعض الشركات العالمية كان لها وقع إيجابي على أداء الأسواق أيضا. فشركة جونز لأنج لاسال للاستشارات العقارية توقعت أن يرتفع الطلب على العقارات الإدارية في دبي في المدى المتوسط بسبب الاضطرابات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع انتقال الشركات من الأماكن المضطربة إلى أسواق أكثر استقراراً مثل دبي.
وسيزيد توافد المزيد من الشركات للعمل في الدولة من أهميتها العالمية كمركز للتجارة والأعمال لكل المنطقة العربية النفطية، وسيرفع من تدفقات الأموال التي تفد إلى الدولة بسرعة قد تفوق التوقعات، خصوصا في ظل استمرار صدور العديد من المؤشرات على تعافي الاقتصاد العالمي.
وقال: من جانب آخر فقد صدر تقرير مؤخرا عن ميريل لينش أكد ما كنا قد أشرنا إليه مرارا في الأسابيع المنصرمة من أن اقتصاد الإمارات مرشح للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط واستقبال تدفقات السيولة من المنطقة الباحثة عن الملاذ الآمن الذي تجسده الإمارات، وبخاصة دبي.
والتي بدأت وفقا للتقرير بالتدفق سواء بطريقة نظامية عبر المصارف، او عبر النمو القوي في أرقام السياحة وأنشطة إعادة التصدير في دبي منذ بداية العام، مع الإنفاق القوي على البنية التحتية في دول الجوار. التقرير أكد أيضا على مسألة كنا أول من طرحها كحلول لمشكلات السيولة.
وهي ان إقرار قانون الدين العام الجديد في الدولة يشكل خطوة إيجابية من شأنها أن تسهم في الحد من ضغوط إعادة الهيكلة، وبالتالي من مشكلات السيولة، حيث يمهد الطريق لإصدارات دين اتحادية إضافة إلى إصدارات أخرى ممكنة من كل إمارة. وأضاف ان من شأنه كذلك أن يساعد دبي على توخي مخاطر إعادة تمويل الديون في الأسواق العالمية، إذ سيتسنى لها بدلاً من ذلك الاعتماد على السيولة المحلية.
أسعار النفط والتفاؤل
وبالانتقال إلى أسعار النفط ذات الصلة بالتفاؤل الذي يسود في الأسواق، والتي واصلت الحفاظ على مستويات تتراوح ما بين 106 دولارات إلى 110 دولارات لنفط غرب تكساس الأسبوع الماضي، والتي بلغ معادلها لسلة أوبك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي 102 دولار، وهو أدنى من معدل سعر نفوط الإمارات.
وبالذات مربان، هذه الأسعار المرتفعة تعني أن إيرادات النفط للدولة ستكون أعلى من الرقم التاريخي القياسي، الذي تم تسجيله في العام 2008 عندما سجلت أسعار النفط أعلى رقم في تاريخها وهو 147 دولاراً، والذي كان 344 مليار درهم، حيث كان معدل سعر النفط عالميا حينذاك لكامل العام 2008 هو 91 دولاراً. وعلى هذا فلو استقرت أسعار النفط عند 100 دولار لنفط الإمارات فإن الإيرادات المتوقعة ستصل إلى 378 مليار دولار بافتراض بقاء الإنتاج عند مستوى العام 2008 دون زيادة يفرضها توقف صادرات النفط الليبية.
ومن العوامل الأخرى التي قد تسرع من ارتفاع مؤشر الأسواق ومؤشر الإمارات وبالتالي القيمة السوقية وترفع من الحد الفاصل بين الدخول المبكر والمتأخر، هو التغير الذي توشك هيئة الأوراق المالية والسلع على إدخاله بالتعاون مع سوقي دبي وابوظبي على المؤشرات القطاعية، وبما سيوحدها في المؤشرات الثلاثة كخطوة تسبق أي إجراء مستقبلي لدمج السوقين وهو ما يعمق وضوح أداء الأسواق الإماراتية للمستثمرين الأجانب والذين قد يرفعون مستوى استثماراتهم في الأسابيع القادمة بشكل ملموس.
استقطاب المستثمرين الأجانب
عامل رابع قد يزيد من استقطاب المستثمرين الأجانب، وخصوصا المؤسساتيين، هو التوقعات بشأن تحسن اداء القطاع العقاري في عموم الدولة كنتيجة لاقترابه من القاع من جهة ، وبسبب ظهور أفكار ومقترحات أصبحت قريبة من التطبيق. فبعد أن كنا قد طرحنا مقترح تأسيس مؤسسة خاصة تعنى بإعادة تمويل الرهن العقاري من خلال توريق قروضه، فقد بدأ هذا المقترح يجد له آذاناً صاغية وجهات تأخذ به إلى حيز التطبيق. ففي الأسبوع الماضي تناقلت الأخبار عن إعادة إطلاق مركز دبي المالي العالمي لنفس مقترحنا السابق مع تغيير بعض التسميات. إن مؤسسة إعادة تمويل الرهن العقاري.
والتي سماها مركز دبي المالي العالمي «هيئة تجميع القروض العقارية» ستعنى بإصدار السندات مقابل شراء القروض العقارية العالقة لدى المصارف وتحويلها لسندات أو صكوك. الفرق الوحيد بين ما كنا قد اقترحناه وبين مبادرة مركز دبي المالي العالمي هو أن الأخير يرى طرح سندات الرهن العقاري في السوق العالمية، في حين أننا نعتقد صعوبة ذلك بسب كلفته العالمية على الاقتصاد من جهة، وصعوبة تقبل الأسواق العالمية لمثل هذه السندات التي تحمل في باطنها ذكريات السندات المهيكلة التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية في 2008.
ونعتقد بأن البديل الأفضل من الطرح في الأسواق الدولية هو التمويل من خلال الأموال التي يمكن أن تقرضها وزارة المالية الاتحادية لمؤسسة إعادة تمويل الرهن العقاري، والمتحصلة من عوائد اكتتاب المصرف المركزي في سندات الدين العام الذي أقر المجلس الوطني قانونه قبل شهرين تقريبا.
والذي يتيح إصدار سندات بما لا تجاوز 45٪ من الناتج المحلي. التمويل عن طريق سندات الدين العام كبديل لفكرة طرح السندات في الأسواق العالمية، كما اقترح مركز دبي المالي العالمي، يحل محليا مشكلة القروض العالقة لدى المصارف، في حين أن طرح السندات في الأسواق العالمية هو تأجيل فقط للمشكلة لسنوات معدودة. والواقع أن القروض المضمونة برهن عقاري والمتراكمة لدى المصارف منذ 15 عاما ليست من الضخامة التي تعجز سندات الدين العام عن تمويل توريقها، فهي لا تتجاوز 165 مليار درهم.
وبافتراض توريق 90٪ من القروض المضمونة فإن المبلغ المطلوب لن يتجاوز 145 مليار درهم يمكن توريقها على مدى سنتين، وبما لا يحدث طفرة قوية في أسعار العقارات. وكانت أكبر زيادة حصلت في القروض المضمونة برهن عقاري في العام 2008 بقيمة 74 مليار درهم، وبمقارنة هذه القروض المدعمة برهن عقاري يتبين أن المصارف قد عمدت في العام 2010 إلى تحويل بعض القروض المتعثرة إلى قروض برهن عقاري بدلا من أخذ مخصصات عليها، خصوصا وأن المقترضين وافقوا على تقديم ضمانات عقارية في وقت استمروا فيه بدفع فوائد القرض.
وهذا الأسلوب في تسوية قروضها مع زبائنها الذي لجأت إليه المصارف هو إجراء ممتاز يسهل إيجاد حل لمشكلة السيولة لدى الجهاز المصرفي، حيث يجب تشجيع المصارف عليه كونه يسهل عملية توريق القروض المصرفية المضمونة برهن عقاري. والواقع أن مثل هذه القروض لا تشكل نسبة مرتفعة من إجمالي القروض المصرفية، فحتى نهاية 2010 كانت نسبة القروض المضمونة برهن عقاري هي 19٪ من إجمالي القروض للمقيمين بدون الحكومة، وحتى بعد استبعاد القروض الشخصية بشقيها الاستهلاكية والتجارية فإن نسبة القروض المضمونة برهن عقاري والتي يمكن لمقترح التوريق أن يشملها لا تتعدى 26٪، وهي نسبة نعتقد أن بالإمكان زيادتها لتوريق سيولة عالقة اكبر لدى المصارف، وبما يسمح وبصورة تدريجية مدروسة بتوفير سيولة وقروض جديدة للنهوض بالقطاع العقاري الراكد وتنشيط الحياة الاقتصادية من خلاله.
