واصلت أسواق الأسهم الأداء الجيد للأسبوع الثاني على التوالي، وذلك على الرغم من تخلله عمليات جني أرباح تعتبر مرغوبة وطبيعية في ظل أوضاع الضعف العام المزمن الذي اعترى الأسواق منذ أكثر من سنتين، وفي ضوء الارتفاعات الكبيرة التي كان مؤشر سوق الإمارات قد حققها في الأسبوع السابق، والتي كانت بنسبة 2,64٪. وقد كان الأسبوع المنتهي في 24 مارس 2011 أسبوعا متميزا أظهرت خلاله الأسواق المحلية تحسناً واضحا في قيمة التداول، التي ارتفعت بنسبة 44٪ بالمقارنة مع الأسبوع الذي سبقه.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية، الدكتور همام الشمّاع، في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: كنا قد عللنا التحسن، بتفاؤل المستثمرين، والذي يعود بدوره لإمكانية تحسن مستويات السيولة نتيجة للتدفق المحتمل لأموال وودائع غير مقيمة بصورة نظامية من البلدان التي تشهد تصاعد التوترات السياسية مدفوعة بعدم الثقة بالمستقبل الاستثماري.
وعلى الرغم من أن محصلة الأسبوع الماضي كانت اقل بشكل طفيف من محصلة الأسبوع الذي سبقه من حيث قيمة التداول إلا أن الفروقات كانت بسيطة في قيم التداول، كما ظل مؤشر السوق متماسكا، وبما يؤشر إلى رغبة المستثمرين في البقاء داخل السوق أملا في تحسن أكبر في الأسبوع القادم، والذي قد يشهد، وفقاً لبعض التوقعات، دعماً مباشراً على غرار ما حصلت عليه الأسواق الخليجية الخمس (السعودية، الكويت، مسقط، قطر والبحرين).
المؤشرات المصرفية والنقدية
وقال الدكتور الشمّاع: بالفعل فقد شهدنا الأسبوع الماضي صدور بيانات المصرف المركزي حول المؤشرات المصرفية والنقدية، والتي أظهرت نموا كبيرا في الودائع خلال شهر فبراير الماضي بقيمة 22 مليار درهم، جاءت معظمها من ارتفاع الودائع الثابتة (الزمنية) بمقدار17,3 مليار درهم، ومن الودائع الجارية بمقدار 4,7 مليارات درهم. ولم يظهر تأثير تحسن تدفقات الودائع على أداء أسواق الأسهم في شهر فبراير، وذلك بسبب عدم تحسن مستويات الإقراض المصرفي، التي ظل نموها أقل من نمو الودائع.
والتي لم تظهر بيانات المركزي لأي جهة ذهبت الزيادة في القروض. فالزيادة في الإقراض المصرفي التي وصلت في شهر فبراير إلى 5,8 مليارات درهم لم تؤد إلى زيادة القروض الشخصية سوى ب 300 مليون درهم. ومن المرجح أن تكون معظم الزيادة في القروض قد ذهبت إلى شركات شبه حكومية لتسديد التزامات مستحقة الدفع، والتي قد تظهر أثارها إذا ما اتبعت نفس أسلوب شركة نخيل في السداد بصورة تحسن واضح في التدفقات النقدية. أما المتبقي من الزيادة في الودائع والبالغ 16,2 مليار درهم فقد أودعتها المصارف لدى المصرف المركزي كشهادات إيداع (خالية من التسليف) بفوائد لا تزال مشجعة للمصارف على هذا النوع من التوظيف.
حيث بلغت قيمة شهادات الإيداع الجديدة لشهر فبراير 15,2 مليار درهم. وبهذا لم يظهر أثر تحسن التدفقات النقدية الموجبة التي وفدت إلى الدولة على أداء الأسواق. شهادات الإيداع التي وصلت إلى 104 مليارات درهم، والتي تمثل سيولة محتجزة لدى المصرف المركزي، قد تصل إلى أضعاف هذا المبلغ في غضون الأشهر القادمة، إذا ما استمرت المصارف على سياستها المتشددة، وإذا ما استمر المصرف المركزي على سياسته النقدية المتشددة. هذا التشدد الذي يستمر في وقت تيسرت فيه كل السياسات النقدية في العالم.
سياسة نقدية متشددة
وأوضح الدكتور الشمّاع: الفائدة التأشيرية المرتفعة التي يتبعها المصرف المركزي تشجع المصارف على التوظيف في شهادات الإيداع من جهة، وتعمل من جهة أخرى على استمرار التفاوت بين سعر الفائدة المنخفض على الدولار والفائدة المرتفعة على الدرهم، وهما عملتان متساويتان بحكم الربط بينها وبما يؤدى إلى الاقتراض بالدولار والإيداع بالدرهم.
في ظل هذه السياسة لأسعار الفائدة، لم يستفد الاقتصاد من الودائع غير المقيمة القادمة لأغراض المضاربة والمودعة بالدرهم بما يخدم إنعاش الأسواق العقارية والمالية، كونها محتجزة في شهادات الإيداع لدى المصرف المركزي، ولا الاقتصاد استفاد من انخفاض سعر الفائدة التأشيري لأغراض الإقراض المصرفي المحلي.
وأضاف: إننا إذ نذكر بالعلاقة المترابطة القوية بين الإقراض المصرفي وبين أداء كل من سوقي الأسهم والعقار، نؤكد مجددا على أن أي تحسن في أداء أسواق الأسهم سيُبتلع من قطاع العقار المتعطش للسيولة من قبل العالقين في العقار بقروض مصرفية، والذين في غالبيتهم لديهم أسهم تدنت قيمها بصورة كبيرة بحيث أن تسييلها لا يسد متطلبات القروض العقارية.
عدم استقرار الودائع
وقال الدكتور الشمّاع: على الرغم من هذه المؤشرات غير المريحة للسياسات المصرفية والنقدية، فان من المتوقع أن تبدأ بالتغير مع استمرار تدفق الأموال والودائع النظامية على الدولة من الدول التي تعاني من الاضطرابات السياسية.
فالمصرف المركزي والقطاع يخشيان في تقديرنا من عدم استقرار الودائع لغير المقيمين لفترة طويلة، ولكنهما سيغيران من قناعتهما بعد أن يتأكدوا من أنها ستقيم لفترة طويلة. ولعل خير اختبار لمدى استقرار هذه الأموال هو أن يتم خفض الفائدة على شهادات الإيداع، وبما يؤدي إلى انخفاض الفائدة على الودائع الثابتة إلى مستوى تتساوى فيه مع الفائدة الأميركية.
وحينذاك ستنطبق الحكمة القائلة (من وثق بالله أغناه ومن توكل عليه كفاه ومن خافه قلت مخافته). لقد بدأت بعض العوامل التي يمكن أن تحسن مستويات السيولة في الدولة بالظهور، الأمر الذي يمكن أن تقلل من مخاوف المصرف المركزي، وتساعده على اتخاذ القرار المناسب لمغادرة السياسة النقدية المتشددة إلى سياسة نقدية توسعية. فالعوامل التي سنأتي على ذكرها يمكن ان تخفف من هواجس المصرف المركزي المتعلقة بالسلامة المالية.فحرصه هذا قد أوصل كفاءة رأس المال إلى 20,8 في يناير الماضي ارتفاعا من 13,3 في ديسمبر 2008.
حبس السيولة عن الاقتصاد
وأضاف المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية: الفجوة بين القروض والودائع وصلت إلى أدنى مستوياتها، صحيح أن ذلك قد يكون بسبب الأموال الساخنة التي تدفقت خصوصا في شهر أكتوبر من العام الماضي، إلا أن اتساع الفجوة بصورة معاكسة لصالح الودائع لا يمكن أن يستمر في ظل استمرار تشدد المصارف في الإقراض وزيادة توجهها نحو شهادات الإيداع، وبما يجعل المصرف المركزي يصبح أكبر جهة تقوم بحبس السيولة عن الاقتصاد.
ولعل ذلك بحد ذاته سبب قوي ومهم يجب ان يدفع المصرف المركزي لردم الهوة بين أسعار الفائدة على الدرهم والفائدة على الدولار. هذه الهوة التي كان يتذرع بها كعامل لتأجيج المضاربة، في فترة الطفرة، عندما كانت هناك مطالب ودعوات للمصرف المركزي بأن يرفع أسعار الفائدة إلى أعلى من الفائدة على الدولار للتخفيف من الضغوط التضخمية. وقال: في هذه المرحلة وبعد أن اطمأن المصرف المركزي إلى جانب السلامة المالية نأمل أن يتجه إلى توسيع سياسته النقدية مع تحسن مستويات السيولة. ولعل أول وأهم إجراء في مجال توسيع السياسة النقدية هو خفض الفائدة على شهادات الإيداع.
وبما يؤمن توقف استقطاب الأموال المضاربية التي تحقق للأموال الساخنة أرباحاً طفيلية من جهة، ويؤدي من جهة ثانية إلى انخفاض أسعار الفائدة للإقراض. كما أن خفض الفائدة على شهادات الإيداع سيقلل من حجمها بالتأكيد، ويؤدي إلى ارتفاع مضاعف عرض النقد الضيق، والذي بدوره يدفع باتجاه زيادة الإقراض المصرفي بسبب زيادة قدرة المصارف على خلق نقود الودائع من جهة، ومن جهة ثانية تحرير جزء من المبالغ الموظفة في شهادات الإيداع لدى المصرف المركزي وتوجهها بالضرورة نحو القروض.
تراجع الشيكات المرتجعة
وقال الدكتور الشماع: الدلائل الحالية على تحسن في مستويات السيولة هي تراجع الشيكات المرتجعة من حيث القيمة والعدد، والتي وصلت قيمتها إلى أدنى مستوى لها منذ ما يزيد على سنتين في فبراير الماضي، فيما عادت أعدادها إلى ما كانت عليه في بداية العام 2009.
وأوضح: تراجع قيمة وأعداد المرتجع من الشيكات هو دون أدنى شك مؤشر على تحسن مستويات السيولة، وهو أيضا بداية تؤشر إلى عودة الثقة المالية للمتداولين بعضهم بالاخر، والتي تراجعت في فترة الأزمة المالية، وأدت إلى خلق عامل مضاف يزيد من تباطؤ التداول وتسوية المعاملات. فالشيكات كأداة للتسوية تراجعت مكانتها.
وهو ما أدى الى تناقص سرعة تداول النقد، والذي يعتبر أحد أهم مظاهر التباطؤ الاقتصادي. ومع تزايد أعداد الشيكات المرتجعة كان التعامل بنقود الودائع يتراجع وإلي أحسن الحالات. وكانت التسويات والمبادلات تتأخر لحين إجراء المقاصة وصرف مبلغ الشيك لحساب المستفيد. وطبعا فان تباطؤ تسوية المعاملات هو سبب اخر للتباطؤ الاقتصادي.
والبيانات الجديدة، التي أظهرت تراجع أعداد وقيم الشيكات المرتجعة، يجب أن ينظر إليها كتطور ايجابي مهم جدا في اثاره على الاقتصاد. فالشيكات هي أدوات تسوية المعاملات التي تزيد قيمتها على عشرة الاف درهم، وتعطل دورها يعني تعطل المعاملات والتسويات الكبيرة بشكل خاص، وعودة الثقة إليها يعني سرعة التداولات الكبيرة وحتى المتوسطة.
أسلوب شركة نخيل
وأضاف الدكتور الشماع: إن واحداً من أسباب تراجع الشيكات المرتجعة هو في تقديرنا الأسلوب الذكي الذي اتبعته شركة نخيل في تسديد ديون بقيمة خمسمئة ألف درهم فما دون نقدا لما قيمته 4,6 مليارات درهم. وهذا يعني أن عدد المستفيدين من هذه الدفعات هو في حده الأدنى 9200 مقاول ومجهز ودائن مباشر لنخيل. غ
ير أن العدد النهائي للذين ستسدد كل او جزء من ديونها التي على دائني نخيل. وطبعا فإن ذلك لأن كل دائن لنخيل هو مدين لشخص اخر، إما مقاول او مجهز ثانوي أو اجير او غير ذلك، وسوف يقوم بتسوية دينه معه، ولكن وسنفترض ولغرض التبسيط ان كل دائن لنخيل استلم 500 الف درهم قام بالاحتفاظ بنصف المبلغ لسد حاجاته الشخصية والعائلية، وقام بتسديد الباقي للدائنين وهكذا، فإن الدفعة الأولى والبالغ عددهم 9200 شخص سددت لدفعة ثانية ما قيمته 250 الف درهم، والثالثة ل 9200 شخص ما قيمته 125 ألف درهم.
ورابعة وخامسة حتى تصبح قيمة الدفعة الواحدة 40 الف درهم، حينها سيكون العدد الكلي المستفيد من هذه الدفعات المتتالية 73 ألف شخص، وقيمة المبالغ التي تمت تسويتها بين أفراد المجتمع المدينين لبعضهم البعض ضعف اصل المبلغ الذي سددته نخيل، أي 9,2 مليارات درهم. وواضح أن قيمة السداد الكلي تعتمد على ما سيقوم كل شخص باقتطاعه لنفسه وتسديد المتبقي لتسوية ديونه للغير، فكلما ارتفعت هذه النسبة قل انتشار اثر التسديد، وكلما انخفضت ارتفع اثر اتساعها.
وبطبيعة الحال فالمثال السابق هو توضيحي وافتراضي، ولا يمكن التنبؤ مسبقا بالكيفية التي سيتصرف بها الدائنون عند استلام استحقاقاتهم، ولكن دون أدنى شك فإن المثال السابق صحيح بصورته الإجمالية، دون أن يكون بالإمكان احتساب التسويات المالية التي تترتب على تسيد الالتزامات المدينة. والسؤال هو ماذا لو حذت حذو نخيل بقية الشركات التي عليها ديون لمقاولين ومجهزين؟ وماذا لو ألزمت حكومة دبي كافة الشركات بتسديد دفعات نقدية مهما كانت على طريقة نخيل؟
إننا نعتقد لو أن الشركات المدينة في دبي قامت بتسديد 15 مليار درهم على طريقة نخيل فإننا سنشهد ارتفاعا قويا في مستوى التدفقات النقدية لدى مؤسسات الأعمال، وتحسناً في تسديد الالتزامات المستحقة للمصارف. ولو أن 30٪ فقط من قيمة شهادات الإيداع التي تحتفظ بها المصارف لدى المصرف المركزي تحولت إلى قروض للشركات المدينة وقامت بتسديدها على طريقة نخيل لرأينا انفراجاً كبيراً في أزمة السيولة والتدفقات النقدية.
