أكد تجار أن الاضطرابات الإقليمية في المنطقة لم تنل من جاذبية الذهب في دبي، وعزوا أسباب حصانة السوق إلى اعتماد انتعاش السوق على مقومات قوة تاريخية غير ذات صلة بالاضطرابات السياسية، ويأتي في مقدمتها السياحة، فضلا عن عدم اعتماد السوق بشكل كبير على أسواق الذهب في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية.

وفي المقابل، ذكرت آراء أخرى بأن المكانة المهمة التي تشغلها إمارة دبي على صعيد تجارة الذهب العالمية ستجعل من الصعب فصل السوق عن توترات الأوضاع السياسية في بعض دول المنطقة، واتفقت الآراء على أن أسعار المعدن الأصفر سوف تتجه إلى المزيد من الارتفاعات، مع تصاعد الطلب الاستثماري عليه بوصفة «ملاذ استثماري آمن»، وقدرت آراء بأن يبلغ سعر الذهب ‬1700 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول نهاية العام الحالي، مع إمكانية الصعود إلى ‬3000 دولار للأوقية في غضون السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، مشيرين إلى أن ارتفاع الأسعار يثقل على كل من المستهلكين وتجار التجزئة.

 

مقومات الانتعاش

رأى طارق المدقة، الرئيس التنفيذي لمجوهرات الكالوتي العالمية (دي أم سي سي) أن حالة التعافي التي تهيمن على سوق الذهب في دبي تعود لأسباب مقطوعة الصلة بالتوترات السياسية التي تشهدها بعض دول المنطقة كتونس ومصر وليبيا واليمن، موضحا أن هذا التعافي يعود إلى عوامل قادت تاريخيا انتعاش تجارة الذهب في الإمارة، من بينها انتعاش حركة السياحة وما واكبها من تزايد في أعداد الزائرين والسائحين، فضلا عن ارتفاع أسعار النفط وما رافقه من زيادة دخول الأفراد في بعض دول مجلس التعاون الخليجي.

وقال طارق المدقة أن شهادات تجار التجزئة التي تطرقت إلى مسامعه تفيد بأن سوق الذهب في إمارة دبي يشهد انتعاشا وازدهارا يفوق ما كان عليه الوضع في عامي ‬2009 و‬2010. وهو ما يعزز الاعتقاد بأن التعافي الذي شهده السوق في أعقاب الأزمة المالية العالمية لن ينتكس بفعل التوترات السياسية الإقليمية.

وقلل طارق المدقة من تأثير الاضطرابات السياسية في بعض بلدان دول الشرق الأوسط على حركة تجارة الذهب في دبي، موضحا أن البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية ليس لها نصيب كبير في تجارة الذهب في إمارة دبي، حيث تعتمد هذه التجارة في الشطر الأعظم منها على انفتاح أسواق الذهب في دبي على أسواق مستهلكة رئيسية وهي تركيا والكويت والسعودية، فيما تعتبر أسواق البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية مغلقة، إما بسبب صدور قرارات بوقف استيراد وتصدير الذهب كما هو الحال في مصر، أو بسبب عوامل تتعلق بالشحن كما هو الوضع بالنسبة للسوق الليبي.

 

تداعيات زلزال اليابان

واعتبر طارق المدقة تداعيات زلزال اليابان بأنها العامل الأكثر أهمية في التأثير على أسواق الذهب العالمية مقارنة بالاضطرابات السياسية في المنطقة، مشيرا إلى أن الكارثة الطبيعية التي تعرضت لها اليابان سيكون لها بالغ التأثير في انخفاض الطلب العالمي، حيث تعد اليابان أحد أكبر الاقتصاديات في العالم.

ورأي طارق المدقة أن الاضطرابات السياسية في المنطقة تشكل قوة محفزة على زيادة الطلب الاستثماري على الذهب، حيث يمثل المعدن الأصفر الوعاء الاستثماري الأكثر أمانا في أوقات انعدام اليقين بشأن ما سيؤول إليه المستقبل، وبالتالي تزداد شهية الطلب على منتجات الذهب الاستثمارية كالسبائك والعملات الذهبية والأسهم المدعومة بالذهب، الأمر الذي من شأنه أن يدفع أسعار المعدن الأصفر إلى مستويات عالية، ولفت إلى تراجع أسعار صرف الدولار يؤدي إلى زيادة الطلب على قاعدة السلع بشكل عام ومن بينها الفضة والألماس.

وأشار إلى كل من زلزال اليابان واضطرابات المنطقة احدثا تغييرات في تقديرات كبار اللاعبين للمسار المستقبلي لأسعار المعدن الأصفر، حيث كانت هذه التقديرات تتنبأ بأن يتراوح سعر الذهب خلال عام ‬2011 ما بين ‬1450 و‬1550 دولارا للأونصة الواحدة، وذلك بحسب التقديرات التي جرى بلورتها خلال اجتماع جمعية لندن للسبائك في سبتمبر الماضي والتي يشارك فيها كبريات المؤسسات المالية على غرار مؤسسة مورجان استانلي وبنك «إتش إس بي سي».

وقدر طارق المدقة أن صعود الطلب على الذهب للأغراض الاستثمارية سيواكبه تراجع في طلب المستهلكين على المجوهرات والمشغولات الذهبية، مشيرا إلى أن أسعار الذهب المرتفعة ستثقل على طلب المستهلكين خاصة أصحاب الدخول المنخفضة الذين ستزايد إقبالهم خلال المناسبات والأعياد على السلع المنافسة للذهب كأجهزة التليفون المحمول والإكسسوارات وغيرها، موضحا أن الأسعار المرتفعة جعلت السوق مفتوحا أمام شرائح المستهلكين من أصحاب الدخول العليا، كبحت أصحاب الدخول المحدود من دخول السوق كمستهلكين للمجوهرات الذهبية.

 

حلقة مفصلية

وفي المقابل، قدم فيروز ميرشانت رئيس شركة «بيور جولد» صورة مخالفة عما ستطرحه الاضطرابات السياسية من تأثيرات على سوق الذهب في إمارة دبي، موضحا أن هذا السوق صار يشغل الآن حلقة مفصلية لتدفقات تجارة الذهب حول العالم، وهو ما يزيد حساسيته للتطورات التي تشهدها الأسواق العالمية، وبالتالي، فأنه لن يكون بالإمكان فصل هذا السوق عن التطورات الحاصلة في دول الشمال الإفريقي.

ورغم إقرار فيروز ميرشانت بأن مبيعات شركة بيور جولد لم تتأثر حتى الآن، ولكنه يضع في حسبانه أن هذه المبيعات ستتجه نحو التراجع متوقعا أن تتقلص مبيعات تجار الذهب في دبي نتيجة للتطورات السياسية في المنطقة.

وعبر ميرشانت عن مخاوف التجار إزاء الأسعار المرتفعة بقوله: من المعتقد أن أعمال تجار الذهب بأسلوب التجزئة ستتأثر سلبا نتيجة الصعود الكبير في الأسعار حيث يكون من الصعب على التجار إدارة أعمالهم في ظل مستويات الأسعار المرتفعة، كما أن الأسعار المرتفعة ستؤدي إلى تقليص طلب المستهلكين في سوق دبي.

 

تآكل الطلب الاستهلاكي

وقدر فيروز ميرشانت أن تصعد أسعار الذهب إلى مستوى ‬1700 دولار بحلول نهاية العام الحالي، على أن يواصل مسيرة صعودة ليصل إلى ‬3000 دولار للأونصة الواحدة خلال فترة تتراوح بين ‬3 و‬5 سنوات، وأرجع فيروز ميرشانت السبب الرئيسي في صعود الذهب إلى تراجع سعر صرف الدولار الأميركي نتيجة لعدم استقرار الاقتصاد الأميركي، وهو الأمر الذي يعزز ثقة المستثمرين بتوجيه أموالهم للاستثمار في الذهب

ورأي فيروز ميرشانت أن هذا الصعود في أسعار الذهب يعكس أساسا هيمنة عدم اليقين بشأن صيرورة الأوضاع في العالم، أوضاع الاقتصاد في العالم على أسواق الذهب في العالم، وهو ما يدفع المستثمرون إلى التحوط ضد أسوأ السيناريوهات المحتملة، بأن يضخوا استثماراتهم في المعادن النفيسة، مشيرا إلى تزايد تقدير المستهلكين للاستثمار في الذهب، بالنظر إلى تحقيقهم عوائد مرتفعة تراوحت بين ‬25 و‬30 ٪ خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما لم يتسن لهم تحقيق هذا العوائد من الاستثمار في الأوعية الاستثمارية الأخرى كأسواق الأسهم والعقارات.

وأوضح أن الاضطرابات السياسية في المنطقة ستغذي عامل عدم اليقين الذي يهيمن حاليا على أسواق الذهب، ما يقود إلى زيادة الطلب على منتجات الذهب الاستثمارية.

وقال فيروز ميرشانت أنه يتبع إستراتيجية الترقب والانتظار بما ستؤول إليه أسواق الذهب في العالم، ويشرح منطق اعتماده على هذا النهج بقوله: من الصعب في هذه الأوقات إصدار أحكام، بالنظر إلى هيمنة عدم اليقين على الأسواق، ولكن من المعتقد أن مثل هذه الأسعار المرتفعة ستدفع إلى زيادة القلق في أوساط التجار، كما أن أعمالهم ستتعرض للمزيد من الخسائر.