انخفض مؤشر سوق الإمارات المالي خلال الأسبوع الماضي بنسبة ‬0,61٪ ليغلق على مستوى ‬2,624,50 نقطة وشهدت القيمة السوقية إنخفاضاً بقيمة ‬2,36 مليار درهم لتصل إلى ‬381,48 مليار درهم وقد تم التداول بقيمة إجمالية أسبوعية بلغت ‬874,27 مليون درهم توزعت على ‬11,438 صفقة. وقد سجلت كل المؤشرات إنخفاضاً كان أكثرها مؤشر قطاع الصناعات الذي انخفض بنسبة ‬1,63٪ يليه مؤشر الخدمات بنسبة ‬0,97٪ يليه مؤشر التأمين بنسبة ‬0,13٪ يليه أخيراً مؤشر البنوك بنسبة ‬0,07٪.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي ما يلي: الإقراض المصرفي بين ضرورات السلامة المالية ومتطلبات النمو والاستقرار الاقتصادي مؤكدا أن دولة الإمارات التي تتمتع بوضع مالي ممتاز ليست معرضة لصدمة في النظام المالي. كما أن ضمان الودائع من قبل الدولة يحول دون أي مخاطر نظامية.

وقال الشماع معلقاً على أداء الأسواق المالية: بات مثل قراءة الصحف في البلدان العربية التي قامت فيها الثورات حيث إن صحف اليوم هي نفس صحف الأمس، وأسواق الأسهم باتت على هذا المنوال حيث هذا الأسبوع لا يختلف الأداء عن الأسابيع الماضية والتي هيمنت فيها تداولات المضاربين الداخلين والخارجين على وقع الاخبار وبنفس قيم التداول المنخفضة. أسواق الأسهم هي مرآة الاقتصاد وبالذات القطاع الخاص والذي لم يشهد ما يحفزه لحد الآن. السلطات المختصة في الشؤون النقدية مهتمة بجانب السلامة المالية مفضلة لها على متطلبات الاقتصاد الحقيقي. السلطة المالية التي أصبح لديها اداء الدين العام لم نسمع أنها باشرت بتطبيق وتفعيل القانون.

هذا الأسبوع طالعتنا الأنباء بخبر قيام المصرف المركزي بإجراء مسح إجراء دراسة مسحية هدفها تقييم الوضع الراهن للبنوك وقدرتها على الالتزام بمعايير السيولة المقترحة الجديدة من قبل لجنة بازل‬3. وهنا لابد من الإشارة إلى أن تطبيق معايير بازل ‬3 وبالأخص نسبة الأصول الأكثر سيولة إلى التدفقات النقدية الخارجة و المسمى بمعيار تغطية السيولة تعني دفع المصارف لمزيد من التشدد في الإقراض في حالة لم تتم معالجة ضعف مستويات السيولة. المسح الذي أجراه المصرف المركزي لتقييم الوضع الراهن للبنوك وقدرتها على الالتزام بمعايير السيولة المقترحة من بازل ‬3، و الذي نشرته الصحف الصادرة يوم الثلاثاء أكد ما كنا نشير إلية من انخفاض مستويات السيولة وشحتها في المصارف الإماراتية رغم اختلاف ما تعنيه عما أشار له المركزي من نتائج المسح. فقد أظهر المسح وفقا لما نشر في الصحف أن معظم المصارف في الدولة لا تغطي أصولها الأكثر سيولة، التدفقات النقدية الخارجة منها بنسبة ‬100٪. وإذا ما استذكرنا أن أهم فقرة في التدفقات النقدية الخارجة من المصارف هي فقرة القروض والسلفيات، أدركنا سببا مهم آخر يدفع المصارف للتشدد في الإقراض والمتمثل بتراجع مستويات الأصول الأكثر سيولة وعالية الجودة. ولذا فان المصارف وفي سعيها للمحافظة على نسبة مقبولة من تغطية الأصول الأكثر سيولة والعالية الجودة للتدفقات النقدية الخارجة تسعى لتقليص القروض وهي أهم وأكبر فقرة في التدفق النقدي الخارج والتي تشكل مابين ‬50 إلى ‬100٪ من أجمالي التدفقات النقدية. وتشمل الأصول العالية الجودة التي يمكن تحويلها إلى سيولة نقدية لتلبية حاجاتها إلى السيولة لأفق يمتد إلى ‬30، شريحتين من الأصول السائلة الأولى هي النقد والاحتياطي الإلزامي لدى المركزي، والدين السيادي العالي الجودة. الشريحة الثانية من سندات الشركات العالية الجودة والمغطاة بتصنيف ائتماني عال. إلا أن المستوى الثاني من الأصول يبقى خاضعاً لخصومات ومحدداً بنسبة ‬40 في المائة من مجمل الأصول السائلة.

أن معيار تغطية السيولة هو احد المعايير التي اقترحتها لجنة بازل في ديسمبر ‬2009 والتي تضمن السلامة المالية للمصارف وقد تم وضعه من قبلها بغرض المساعدة في خفض مخاطر السيولة النظامية من خلال خفض احتمال مواجهة كل مؤسسة بمفردها صعوبات في السيولة. الهدف الرئيسي من هذا المعيار هو جعل المصارف قادرة على مواجهة افتراضات مخاطر محددة تجمع بين صدمة خاصة بالمؤسسة مثل خفض التصنيف الائتماني أو خروج وسحب الودائع أو وصدمة نظامية تشمل النظام المالي بكامله.

 

الترابط وثيق

أن دولة الإمارات التي تتمتع بوضع مالي ممتاز ليست معرضة لصدمة في النظام المالي. كما أن ضمان الودائع من قبل الدولة يحول دون أي مخاطر نظامية. وهنا لا بد من التساؤل عن أي من الأمرين أكثر أهمية للسياسة النقدية السلامة المالية أم السلامة الاقتصادية ؟. ليس هناك أدنى شك من أن الترابط وثيق جدا بين أداء الاقتصاد االحقيقي والاقتصاد المالي. الأخير هو بمثابة الدم في الجسم الذي يزود الأعضاء بالدماء والأوكسجين ، فيما تقوم أعضاء الجسم بتوليد مكونات الدم من سائل وخلايا بيضاء وحمراء. الناتج المحلي هو الذي يولد الودائع ويسمح بنمو مضطرد لأصول المصارف وإذا تراجع النمو أو توقف تعرضت المصارف للمخاطر النظامية وطبيعي ان التعرض لمخاطر النظامية يعني تدهور وانهيار الاقتصاد االحقيقي. ومن واجب السياسة النقدية الالتفات للسلامة الاقتصادية بقدر اهتمامها بالسلامة المالية. الرقابة على المصارف هي واحدة من مهام المصارف المركزية وليست كلها، فمهام المركزي تمتد إلى صنع السياسة النقدية والتي بدورها تنصرف لتحقيق الاستقرار الاقتصادي جنبا على جنب مع السياسة المالية. وفي الوقت الذي لا بد لنا من الإشادة بالدور الرقابي الممتاز الذي لعبة المركزي الإماراتي في الرقابة على المصارف منذ اندلاع الأزمة المالية ، فلا بد لنا أيضا من التأكيد على ضرورة تفعيل دورة كسلطة نقدية. فما قام به المصرف المركزي منذ اندلاع الأزمة المالية أنصب على توفير متطلبات تأمين المصارف ضد المخاطر النظامية أبتداء من توفير السيولة لدعم رأس المال في شقيه الأول والثاني مرورا بتوفير الشراء العكسي لشهادات الإيداع وانتهاء بعمليات المقايضة دولار/درهم (SWAP) والتي بموجبها تقوم البنوك التجاريـة بإجـراء عمليات بيع الدولار مقابل الدرهم آنياً إلى المصرف المركزي. وجميع هذه الإجراءات تستهدف توفير سيولة نقدية لفترة محددة بالدرهــم عندما يحتاج البنك إلى ذلك لمواجهة مخاطر نظامية. لقد ذهب المركزي في حرصه على السلامة المالية للمصارف ، إلى حد التضحية بقبوله المضاربة في أسعار الفائدة نتيجة تفاوت أسعار الفائدة على إعادة شراء شهادات إيداع الريبو وبين سعر الفائدة على الدولار بسبب انخفاض الفائدة على الدولار وإبقاء الفائدة للشراء العكسي مرتفعة. هذا التسهيل النقدي المتمثل بالإبقاء على سعر الشراء العكسي أكثر ارتفاعا من الفائدة على الدولار لم يكن هدفه سوى تأمين المصارف ضد المخاطر النظامية دون تيسير السيولة للاقتصاد من خلال الإقراض المصرفي ، بدليل أن المصرف المركزي أحجم عن أي إجراء قد يؤدي من وجهة نظره إلى رفع المخاطر النظامية. ولعل هذا ما يفسر عدم تغير نسبة الاحتياطي الإلزامي والتي لا تزال عند ‬14٪ من أجمالي الودائع الجارية والتوفير وتحت الطلب وهي نسبة عالية جدا في ظل ظروف تتطلب التيسير النقدي وتشجيع المصارف على الحد من تشددها في الإقراض. ولقد دأب المركزي على التأكيد مرارا على أن المصارف الوطنية لا تحتاج إلى دعم بالنظر إلى معدل كفاية رأس المال المرتفع وهو ما يؤكد تركز اهتمامه بالسلامة المالية بأكثر من اهتمامه بالأداء الاقتصادي. فهو لا يلتفت إلى حقيقة حاجة البنوك المحلية إلى سيولة منخفضة الكلفة حتى تتمكن من زيادة حجم إقراضها وتوفير التمويلات اللازمة للشركات والمصانع بما يضمن سرعة تعافي الاقتصاد الوطني. فالمركزي الذي أبقى سعر الفائدة الريبو مرتفعة يدرك أن نسبة ‬4٪ على السيولة التي قام بضخها في المصارف سترفع إلى مستويات عالية جدا النسبة التي ستتقاضاها المصارف على هذه السيولة في حال تدويرها عبر قروض.

 

السلامة المالية

أن تفضيل السلامة المالية على الاستقرار الاقتصادي والنمو ليس هو الخيار الوحيد المتاح ام السلطة النقدية. فضبط العلاقة بين الاقتصاد المالي والحقيقي يمكن أن تتم من خلال التيسير النقدي قي ظروف التباطؤ في ظل توفير متطلبات الملاءة المالية. فلا يوجد تناقض بين التيسير النقدي وبين ارتفاع كفاءة راس المال خصوصا أن المركزي قد قطع شوطا ممتازا في مجال تحديد المعايير المناسبة للقروض المتعثرة. المصارف التي أخذت بهذه المعايير لم تتأثر ربحيتها بالرغم من المخصصات الكبيرة التي تجنبها. لذا فحري أن نبحث كيفية تقليل التعثر بدلا من البحث عن كيفية التحسب له. وواضح أن التعثر وتزايده وتصاعد المخصصات الخاصة التي تجنبها المصارف، يعود بالدرجة الأساس إلى تراجع قيم الأصول والتي بدورها نجمت عن توقف مفاجىء للقروض المصرفية وتحول تدفقاتها النقدية الى سالبة وبما قلص مستويات السيولة الكلية المتاحة في الاقتصاد للأفراد والشركات. صحيح أن تجنيب مخصصات يرفع درجة السلامة المالية لمصارف والنظام المالي ، إلا أن أستمرار التعثر وتزايده يهدد من طرف اخر السلامة المالية نفسها ناهيك عن تأثير السلبي على النمو الاقتصادي بسبب ما بسببه من تباطؤ في الاقتصاد.

فاستمرار وتزايد التعثر لا سمح الله سيأكل من جرف رأس المال ويقود لتخفيض الملاءة المالية وبالتالي سيعرض النظام المالي لمخاطر نظامية. من هنا فاننا نقول ان الموازنة بين متطلبات التيسير النقدي لتحفيز الاقتصاد سواء بالإجراءات التقليدية كخفض الفائدة على إعادة الشراء الريبو وتخفيض الاحتياطي الإلزامي أو بإجراءات استثنائية كالتخفيف الكمي ، وبين متطلبات السلامة المالية لدرء المخاطر النظامية ، هو الحل الوحيد والأمثل أمام السلطة النقدية كي تؤدي مهامها على الوجه الأمثل.

ففي الوقت الذي نحتاج فيه لمسح لمعرفة التغطية للسيولة ، فان الاقتصاد بحاجة أيضا إلى مسح يجريه المركزي لمعرفة حجم السيولة التي يحتاجها الاقتصاد من القروض المصرفية لكي يغادر حالة التباطؤ ويعاود النمو بمعدلات معقولة.