اختتمت في العاصمة ابوظبي فعاليات ملتقى إعادة هيكلة النظام الرقابي للقطاع المالي الذي نظمته هيئة الأوراق المالية والسلع برعاية معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري، وزير الاقتصاد، رئيس مجلس الإدارة، وحضور سعيد خوري - مدير عام وزارة المالية - وناصر الشيبي - رئيس هيئة قطر للأسواق المالية- وعبد الرزاق السعدي - مدير هيئة الأوراق المالية العراقية - وسعيد الحامز - مدير تنفيذي رئيسي بالمصرف المركزي- ود مهدي الجزاف - نائب رئيس مجلس مفوضي هيئة الأسواق المالية في الكويت- وعدد من المتخصصين والمهتمين بالقطاعات المالية والمصرفية بالإضافة الى عدد من المتخصصين بالأسواق المالية ومختلف المجالات الاقتصادية.
واستهل المؤتمر فعالياته بكلمة افتتاحية ألقاها عبد الله الطريفي الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية والسلع قال فيها إن المؤتمر يأتي بهدف استعراض النماذج المطروحة على صعيد الجهات الرقابية في دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الهدف من إلقاء الضوء على المتغيرات العالمية فيما يخص الدور الرقابي الذي تؤديه الهيئات الرقابية هو تدعيم النظم المالية في دول العالم بما يجعلها أكثر فاعلية مواجهة الأزمة المالية العالمية التي حدثت العام 2008. وأن التغييرات التي تحدث في النظم الرقابية الحالية ناجمة عن عدد من الأسباب، من أهم تلك الأسباب الملاحظات التي أبداها الخبراء عن بعض النظم الرقابية الذين دعموا موقفهم بنتائج الأزمة الأخيرة.
رقابة عن كثب
وأكد الطريفي أن دولة الإمارات تنظر وتراقب عن كثب التغييرات التي تجري على الأنظمة الرقابية بأوروبا واميركا وتدرس إيجابياتها وسلبياتها، وإن كانت تلك التغييرات لازالت في مراحلها الأولى، لكنها جديرة بالدراسة والمتابعة، ونوه إلى أن لكل دولة مبرراتها لاختيار النموذج المناسب، وأن الكثير من الدول لا تتبنى نموذجاً بعينه ولكن تأخذ منه مايلائمها وقد تضيف له أو تجري تعديلات عليه.
وأوضح أن النموذج المالي الحالي لدولة الإمارت أظهر فعالياته و إبجابياته ولكننا لسنا بعيدين عما يجري في العالم لأننا نستعين بتجارب الدول الأخري ومن ثم فإننا نهتم بدراسة التحولات الجارية على أنظمة الدول التي استفدنا من تجاربها في إعداد أنظمتنا وتشريعاتنا.
وتأتي أعمال هذا الملتقى لتسليط الضوء عن كثب على تفاصيل التغييرات التي جرت في الآونة الأخيرة من حيث خلفيتها ونتائجها المرجوة حيث استعرض المتحدثون في المؤتمر التغييرات التي حدثت في عدد من النظم المالية الرائدة في العالم، من حيث طبيعتها، وأهميتها، وما إذا كانت جديرة بتحليل نتائجها والاستفادة منها في دولة الإمارات، ومنطقة الخليج بشكل عام.
ودارت محاور المؤتمر في أربع جلسات، رأس الجلسة الأولى السير أندرو لارج نائب محافظ البنك المركزي بالمملكة المتحدة سابقاً ورئيس المجلس الاستشاري في هيئة الأوراق المالية والسلع، حيث استعرض المتحدثون اخر تطورات الأسواق المالية وبصفة خاصة إعادة الهيكلة للنظم الرقابية المقترحة، وتضمنت الجلسة ثلاث ورقات عمل تسلط الضوء على تجارب الولايات المتحدة الاميركية وهولندا وبريطانيا، تحدث فيها على التوالي كل من: بول ماكو من فنسون والكينز، وبول كوستر من سلطة دبي للخدمات المالية، وتشارلز تيلور مدير تنفيذي بـ( اي سي اف ار).
أنظمة رقابية حديثة
وسلط بول ماكو الضوء في ورقة العمل الخاصة به بعنوان «إعادة هيكلة الدور الرقابي في القطاع المالي» على ظهور بعض الأسواق المالية الأجنبية الصاعدة وقدرتها على تقديم بديل من خلال أنظمة رقابية حديثة وذات كفاءة مما مثل عامل ضغط على صناعة الخدمات المالية للولايات المتحدة الأميركية وهيكلها الرقابي، ثم تطرق ماكو لتقرير بولسون الذي صدر في مارس 2008 وتضمن قواعد لإستقرار الأسواق لحصر كافة جوانب إستقرار الأسواق المالية التي تؤثر على الإقتصاد الحقيقي وقواعد للرقابة الإحترازية وقواعد لممارسة العمل، إلا أنه أعقبه إنهيار بنك بير ستيرنز، وظهور وبوادر الأزمة المالية العالمية، مما دعا الولايات المتحدة إلى إصدار قانون شوم ُلل-ئْفًَ ءكُّ الذي يعتبر إطار عمل يحتاج لإجراء دراسات وإصدار قواعد تفصيلية من الجهات التنظيمية المختلفة التي ينظم أعمالها وهو بمثابة الإستجابة التشريعية الأميركية للأزمة المالية العالمية 2008-2009، حيث تضمن القانون عدة عناصر تتعلق بـ: إنشاء المجلس الرقابي للإستقرار المالي الذي يضم في عضويته رؤساء أو ممثلي كافة الجهات الرقابية في القطاع المالي والذي يتولى تشخيص المخاطر التي قد تهدد الإستقرار المالي والحفاظ على نظام السوق، وتوسيع الصلاحيات للبنك المركزي وكذا هيئة التأمين على الودائع لتشمل الإفلاس المنظم، وإصدار قاعدة ضًٌُمْ والتي تحظر على المؤسسات المصرفية التداول لحسابها أو التملك في صناديق التحوط أو صناديق الملكية الخاصة، وتوسيع نطاق متطلبات رأس المال للبنوك لتشمل الشركات الكبرى التي تقدم خدمات مالية غير مصرفية، وإصدار قواعد جديدة للمشتقات في أسواق دش، وتوسيع نطاق حماية المستثمر لدى هيئة الأوراق المالية، وتطوير لوائح تنظيم أعمال وكالات التصنيف الإئتماني، وتسجيل مديري صناديق التحوط، وإنشاء مكتب الحماية المالية للمستهلك، وتعرض في النهاية للإعتبارات الواجب مراعاتها في منطقة الخليج والهدف من إعادة هيكلة النظم الرقابية وهي: تجنب التعارض في أدوار ومهام الجهات الرقابية والتنظيمية منوهاً إلى إن وجود عدة جهات رقابية قد يؤدي لحدوث تداخل بينها قد يسبب حدوث ثغرات تشريعية، وهو ما قد يؤدي للتهرب من الرقابة، وتوافر السلطات الكافية وكافة أنواع الموارد لتحقيق أفضل النتائج للجهات الرقابية، وأن تحقيق الإتساق ما بين التشريعات المتعارضة سيكون هاماً في إعادة هيكلة النظم الرقابية.
لوائح الخدمات المالية
وفي الجلسة ذاتها قدم بول كوستر ورقة العمل الخاصة بمناقشة موضوع «إعادة تشكيل الدور الإشرافي في القطاع المالي - تجربة هولندا»، تضمنت توضيحا لكيفية إصدار لوائح الخدمات المالية في أوروبا والتي يطلق عليها ، ونوه في هذا الشأن بأن أوروبا تعتبر متكاملة فيما يخص الرقابة الإحترازية إضافة إلى التنسيق بين الدول في مجال قواعد ممارسة العمل، وكذلك تطرق كوستر للحديث عن هولندا، حيث قدمت عام 2002 نموذجاً الرقابة الثنائية (القمة المزدوجة) شٌّىَ ِمفًَّ وتم فصل المسئوليات إلى مسئوليات إحترازية ومسئوليات عن قواعد لممارسة الأعمال، حيث يناط بالبنك المركزي الرقابة الإحترازية لكافة المؤسسات المالية، بينما تم إستحداث هيئة الأسواق المالية لتتولى التركيز على قواعد ممارسة العمل وحماية المستثمرين، كما تم دمج الجهات المنظمة لأعمال التأمين وصناديق التقاعد في البنك المركزي الهولندي وذلك في عام 2004.
إعادة تحديد الدور
واختتمت الجلسة الاولى أعمالها بورقة عمل قدمها تشارلز تايلور المدير التنفيذي بالمركز الدولي للأنظمة المالية ةئز بعنوان إعادة تحديد الدور الإشرافي في القطاع المالي (نموذج بريطانيا)، تضمنت تسليط الضوء على العملية التشريعية وتطوراتها مع الزمن والتجارب المختلفة التي مرت بها، ثم تطرق للتجربة البريطانية التي كانت تعتمد على النظام المتكامل متمثلاً في هيئة الخدمات المالية ئسء، وأن يجري إحلال كل من ئسء والبنك المركزي بمؤسستين وفقاً لنظام الرقابة المزدوجة ، حيث يناط بالبنك المركزي (من خلال لجنتي السياسة النقدية والسياسة المالية وهيئة الرقابة الإحترازية) مسئولية الرقابة الإحترازية الكلية والجزئية، بينما تنشأ هيئة يطلق عليها (هيئة الأسواق وحماية المستهلك) تتولى قواعد ممارسة الأعمال وحماية المستهلك. وذلك بهدف تحقيق الأهداف التالية: إدارة المخاطر النظامية-الوصول للتعاون الفعال بين المؤسسات التشريعية المحلية والدولية- تحقيق الإستقرار المالي والإقتصادي، وفي النهاية أكد أن الفعالية التنظيمية تتحدد أكثر من خلال فلسفة التشريع وجودتها أكثر من الهيكل التشريعي ذاته.
التغييرات الرقابية الجوهرية
واستعرضت الجلسة الثانية برئاسة مريم السويدي نائب الرئيس التمفيذي للشؤون القانونية والاصدار والبحوث بهيئة الاوراق المالية والسلع «التغييرات الرقابية الجوهرية في النظم الرقابية من منظور قانوني وتاثيراتها في دول الخليج»، وذلك من خلال ثلاث اوراق عمل، اولها ورقة عمل للسير اندرو لارج عضو المجلس الاستشاري في هيئة الاوراق المالية والسلع بعنوان «التطورات الرقابية في الفترة الاخيرة والبعد النظامي لها، ومدى تاثر دول مجلس التعاون الخليجي بها».
وتناولت الورقة النظم المالية الأكثر شيوعاً، ومنها الرقابة الثنائية من حيث مواطن النجاح والفشل في بريطانيا، اليابان، سنغافورة، استراليا، هولندا، كندا، بلجيكا، اندونيسيا، الولايات المتحدة، حيث تناول أسباب الضائقة المالية مثل تسعير الأصول، شيوع الائتمان، عدم مقابلة الالتزامات بالتدفقات النقدية، وكيفية معالجة ظاهرة الاعتماد على الديون من حيث معالجة جذورها مثل تكلفة خلق الائتمان، وضع قيود على مستخدم الائتمان، وتناولت الورقة مواضيع خاصة بالنظام المالي من حيث الفجوة في النظم المالية بين النظم المحلية والعالمية، واختتمت الورقة بتقديم مقترح لنظام رقابي مالي يناسب المنطقة.
وذكر لارج أن السبب الجذري للإجهاد النظامي كان الاقراض المفرط من قبل كل من المصارف وشركات التأمين واستخدام المنتجات التي تحتوي على رفع مالي، وكذلك الاقتراض المفرط من قبل مستخدمي الائتمان مثل المستهلكين والشركات والحكومات والمؤسسات المالية مثل صناديق التحوط وصناديق الملكية الخاصة. واوضح أن الحل لتخفيض مستوى الرفع المالي هو تعديل تكلفة توفير الائتمان ووضع قيود للمخالفين. ورغم أن هناك مؤشرات معينة قد تشير إلى وجود توترات وضغوط نظامية إلا أن الأزمات تنشأ من شرارة تكون محفزاتها دائماً غير ظاهرة ولا يمكن التنبؤ بها.
