زادت الأخبار السلبية المتعلقة بحاجة الشركات المدرجة في أسواق الأسهم إلى السيولة من ضعف الأسواق سواء في اداء المؤشر أو قيمة التداولات. كما أدت إلى خلو الأسواق من المستثمرين واقتصار التداولات على المضاربين وجعل أخبار شركتي الدار وأرابتك المتعلقة بحاجاتهما للتمويل بإصدار سندات قابلة للتحويل تبدو وكأنها مفاجئة.

وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: في الواقع أن شح السيولة يجب ألا يكون مفاجئاً ليس للشركات العقارية فحسب وإنما لكل الشركات المدرجة وبالأخص المصرفية منها. وقد طالعتنا الأخبار بارتفاعات قوية متوقعة لأسعار النفط يصل بعضها الى مائة دولار للبرميل كمعدل وأخرى إلى ‬93 دولاراً.

 وإذا كان لأسعار النفط في دول الخليج ومنها الإمارات تأثير كبير على السيولة، فإن مثل هذا التأثير لن يكون فوريا من جهة، كما أنه من جهة أخرى لن يستطيع، وفقا لما توصلنا إليه من نتائج، أن يرفع من مستويات السيولة إلى المدى الذي يحتاجه الاقتصاد لتجاوز تداعيات الأزمة المالية.

وكنا قد أشرنا سابقا إلى أن أحد أهم أسباب شح السيولة هو سلبية التدفقات النقدية للقروض المصرفية. والتي نعني بها أن التدفقات النقدية السنوية للقروض أصبحت سالبة. فالفوائد المستحقة على المقترضين من أفراد وشركات عن قروضهم المتراكمة أصبحت أكبر من القروض السنوية التي تمنحها البنوك، والفرق بين الفوائد والقروض السنوية الجديدة هو تدفق نقدي داخل للمصارف وتدفق نقدي خارج من الأفراد والشركات.

أي أن التدفق النقدي الخارج من الأفراد والشركات (مؤسسات الإنتاج) كمستحقات فوائد أقل من القروض السنوية الجديدة، والتي تمثل التدفق النقدي الداخل للأفراد والشركات، ولذا فان ما سيعود إلى مؤسسات الإنتاج كصافي تدفق من القروض هو سالب.

وهو ما يقود إلى تراجع أو تقلص دخل الأفراد والشركات، فيما ستزداد قيمة الفوائد المدفوعة للمصارف في السنة التالية والتي تليها وهكذا دواليك. ولا تتوقف هذه الدورة الحلزونية الأخذة بالصغر سنة بعد أخرى إلا إذا قامت المصارف بضخ قروض سنوية بأكبر من قيمة الفوائد المستحقة على الأفراد والشركات من السنة السابقة. أي عندما يصبح صافي التدفق النقدي من القروض موجباً.

فهل يمكن لأسعار النفط إذا ما ارتفعت أن توصل القروض السنوية إلى رقم موجب؟ وإذا كان الجواب بنعم فهل هذا الرقم يقي بمتطلبات عودة الإنعاش للاقتصاد؟ وهل ستتمكن أسعار النفط في العام ‬2011 من رفع صافي التدفق النقدي للقروض إلى مستوى معدل صافي التدفق النقدي للقروض للسنوات الثلاث ‬2006- ‬2008. حيث كان في حدود ‬150 مليار درهم؟

 

سيناريوهان متوقعان

وأضاف الدكتور الشمّاع: لاشك أن أسعار النفط أحد أهم العوامل التي تتحكم في قيمة الناتج المحلي للدولة ولدول الخليج عموما. ولا شك أيضا في أن قيمة الناتج المحلي هي العامل الأساسي الذي يؤثر في حجم وقيمة الأصول للمصارف، والتي بدورها تتحكم في مسار القروض وتؤثر في السيولة الكلية في الاقتصاد.

وتشير التوقعات المتعلقة بأسعار النفط إلى وجود سيناريوهين متوقعين للعام ‬2011. الأول هو أن يصل المعدل للعام ‬2011 إلى ‬90 دولاراً للبرميل، والثاني ان يرتفع المعدل إلى مستوى ‬100 دولار.

والمستوى الأول توقعته وكالة الطاقة الأمريكية الأسبوع الماضي، أما الثاني فتوقعه استطلاع للرأي أجرته رويترز لآراء مديري استثمار ومحللين مصرفيين، وهو احتمال ضعيف في هذه المرحلة من التعافي الهش للاقتصاد العالمي.

ويترتب على كل من السيناريوهين تغيرات مختلفة لكل واحد من الإجماليات الثلاثة المترابطة، وهي الناتج المحلي وأصول المصارف والقروض المصرفية. وذلك في ظل افتراض بقاء إنتاج النفط الخام في الدولة على حاله دون تغير، وهو ‬2,85 مليون برميل يوميا. وبموجب هذين السيناريوهين يمكن أن نتوقع الناتج المحلي للدولة.

 

النفط والناتج المحلي

وبافتراض أن الناتج المحلي بدون النفط قد حقق نمواً بنسبة ‬2٪ في العام ‬2009 بالمقارنة مع العام ‬2008، وبموجب اسعار النفط الفعلية لأسعار النفط في ‬2009 والتي كان معدلها ‬53,48 دولاراً للبرميل، فإن مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي تصل إلى ‬55 مليار درهم.

وقد وصل الناتج المحلي للعام ‬2009 الى ‬803 مليارات درهم والى ‬883 مليار درهم في العام ‬2010، ولنصل الى تقدير الناتج في العام ‬2011 وفقا لبديلين، الاول هو ‬975 مليار درهم اذا كانت اسعار النفط عند ‬90 دولاراً للبرميل، والثاني ‬1013 مليار درهم إذا وصل معدل سعر النفط إلى ‬100 دولار.

وعلى اساس الأرقام المتوقعة للناتج المحلي يمكن أن نتوقع قيمة أصول المصارف. وتوقع أصول المصارف يستند إلى علاقة الارتباط القوية جدا بين الناتج المحلي و قيمة أصول المصارف والتي كانت للفترة من عام ‬2000 وحتى عام ‬2008 موجبة بقيمة ‬0,99.

وهو ما يسمح باستخدام علاقة الانحدار لتوقع قيمة الأصول المصرفية في العام ‬2011 حيث كانت قيمة معامل الانحدار بقيمة ‬0,487805، والتي تعني أن كل زيادة في الناتج المحلي بقيمة وحدة واحدة تؤدي إلى زيادة أصول المصارف بمقدار ‬0,487 وحدة.

وفقا لمستوى سيناريو اسعار النفط عند ‬90 دولاراً، فإن اصول المصارف ستصل إلى‬1666 مليار درهم بزيادة قدرها ‬40 مليار درهم عن العام ‬2010. ووفقا للسيناريو الثاني لأسعار النفط وهو ‬100 دولار فإن قيمة أصول المصارف ستصل الى ‬1685 مليار درهم بزيادة قدرها ‬59 مليار درهم عن العام ‬2010.

 

السيناريوهان والقروض

وتابع التقرير: السيناريوهان السابقان لأسعار النفط ينعكسان أيضا على القروض المصرفية عبر أصول المصارف. فمعامل الارتباط القوي الموجب بين القروض والأصول المصرفية للفترة من عام ‬2000 وحتى شهر نوفمبر ‬2010 والتي كانت ‬0,996، يعني أن بالإمكان التنبؤ بقيمة القروض المصرفية وفقا لمعامل الانحدار، حيث أن قيمة الأصول تمثل العامل المؤثر في قيمة القروض .

والتي ستكون العنصر المتأثر، وقد كان المعامل بقيمة ‬1,528، والذي يعني ان كل زيادة في قيمة الأصول بمقدار وحدة واحدة تؤدي إلى زيادة القروض بمقدار ‬1,528 وحدة في قيمة القروض. وهكذا سنصل إلى بديلين محتملين للقروض المصرفية يعتمدان على سيناريوهي أسعار النفط. البديل الأول هو ان يصل إجمالي القروض للمقيمين إلى ‬1038 مليار درهم بزيادة قدرها ‬61,6 مليار درهم.

أما الثاني فيصل بمقدار القروض للمقيمين إلى ‬1066 مليار درهم بزيادة قدرها ‬90 مليار درهم. وواضح أن البديل الأول هو الأكثر واقعية كونه قريباً إلى توقعات وكالة الطاقة الأمريكية بشأن أسعار النفط التي يمكن أن ترتفع بسبب تسارع التعافي الاقتصادي العالمي وتستقر عند معدل ‬90 دولاراً للبرميل.

ويضيف: المهم هو أن قيمة صافي التدفقات النقدية للقروض ستصبح موجبة فقط بموجب البديل الثاني، أي اذا ما ارتفعت أسعار النفط إلى مائة دولار، وهو أمر مستبعد في ظل أوضاع الاقتصاد العالمي الهشة في تعافيها، غير ان سلبية التدفقات النقدية للقروض ستتراجع بالقياس الى العامين ‬2010 و‬2009.

حيث كانت على التوالي بقيمة سالبة قدرها ‬60 و‬42 مليار درهم في العامين على التوالي، فيما ستصبح بقيمة ‬16 مليار درهم إذا ما استقر معدل أسعار النفط عند ‬90 دولاراً. أما إذا ارتفعت أسعار النفط إلى مائة دولار فإن التدفقات النقدية للقروض ستصبح موجبة بقيمة‬11 مليار درهم فقط.

 

السيولة المطلوبة

وأوضح الدكتور الشماع: على أساس ما تقدم فإن الاعتقاد بان أسعار النفط المرشحة للارتفاع خلال العام الحالي ستسهم في توفير السيولة، وتحويل قروض المصارف من تدفقات سالبة إلى تدفقات موجبة، أمر بعيد المنال وليس قادراً على تحقيق الانتعاش، فحتى لو ارتفعت الأسعار الى معدل المائة دولار فإنها لن تسهم سوى في توفير سيولة صافية من خلال القروض لاتزيد على ‬11 مليار درهم، وهو مبلغ بسيط لا يتناسب مع احتياجات التمويل الهائلة للشركات والأفراد، سواء لتسديد التزامات سابقة أو لتمويل مشروعات جديدة.

وإذا ما علمنا أن الميل الذاتي للأفراد والشركات يكاد يكون منعدماً بسبب استخدام الوفورات النقدية لتسوية التزامات سابقة، فإن الصورة ستتضح أكثر لتبرز الحاجة لضخ سيولة لا تقل عن ‬240 مليار درهم. وهذه السيولة تتأتى من مصدرين، الأول هو السندات السيادية التي اقرها المجلس الوطني، والتي سيتم التقييد في إصدارها بسقف للدين الحكومي بحيث لا يتجاوز ‬25٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

وبما أن النتاج المحلي الإجمالي للعام ‬2011 يقدر ب ‬975 مليار درهم، فان قيمة السندات التي يمكن إصدارها كحد أقصى هو ‬243 مليار درهم، وبما أن المصرف المركزي يحتفظ الآن بسندات لصالح وزارة المالية بقيمة ‬70 مليار درهم، فإن الحد الأقصى المتاح لإصدار سندات جديدة هو ‬173 مليار درهم، سيخصص منها بموجب القانون ‬26 مليار درهم لمشروعات البنية التحتية الاتحادية.

فيما سيكون المتبقي وهو ‬147 مليار درهم تحت تصرف وزارة المالية، والذي نأمل أن يتم استخدامه بما يدفع المصارف نحو الإقراض سواء من خلال شراء سندات تصدرها المصارف التجارية والإسلامية أو من خلال إعادة تمويل الرهون العقارية العالقة لدى المصارف.

أما المصدر الثاني للسيولة التي يتوجب أن تضخ في الاقتصاد فهو أسواق المال الدولية طويلة الأجل، والمتمثلة في إصدار السندات والحصول على القروض. وطبيعي أن يؤدي الحصول على قروض تمكن المصارف من تسيد التزاماتها السابقة، إلى التقليل من التشدد في سياسات الإقراض التي اتبعتها المصارف في السنتين الماضيتين، والتي كانت وليد تضافر شح السيولة وتراجع قيم الأصول العقارية والمالية.

واختتم الدكتور الشماع قائلاً: هناك من يعتقد ان توفر السيولة لدى المصارف لن يدفعها للإقراض، بل الأكثر من ذلك أن العديد من المصرفيين ينكرون أن تكون المصارف بحاجة للسيولة. وهذا أمر طبيعي في العمل المصرفي .

حيث أن الإقرار بشح السيولة يعرض المصرف للمخاطر النظامية التقليدية التي تتمثل في فقدان الثقة وسحب المودعين لأموالهم لذلك لا نتوقع من أي صيرفي ان يقدم معلومات أعلامية دقيقة عن حالة السيولة وما إذا كان المصرف يمتلك الكفافية منها. وعلى العكس يجب ان نضع في اعتبارنا أن المصارف تميل لتحقيق الأرياح وركوب المخاطرة إذا كانت لديها سيولة قابلة للإقراض. لذا فإننا نجزم بأن توفير السيولة للمصارف هو المفتاح الوحيد لحل كل المشكلات التي تواجه الاقتصاد.